روايات وقصص

وجوزي بيتغدى كل يوم عند أمه 1

إسكندرية؟
سأل بارتباك حاول يداريه بكحة مصطنعة.
طنط نادية.. كلمتني الصبح تسلم عليا وقالتلي إنها سافرت امبارح بالليل لخالتك.
طارق قعد متصلب مكانه، وبدأ دماغه يلف عشان يلاقي مخرج، وثواني ولقيت وشه اتحول للتمثيل اللي بيتقنه
أه.. أه صح! ده أنا نسيت خالص.. شوفتي بقى؟ من كتر ضغط الشغل دماغي ساحت. أنا روحت البيت ملقيتهاش، افتكرتها نايمة، بعدين اتصلت بيا قالتلي إنها سافرت، فقومت نازل واكل في أي مطعم على السريع، بس نسيت أقولك عشان متقلقيش وتفتكري إنها تعبانة ولا حاجة.
وقولتلي مكرونة بشاميل ومامتك اللي عاملاها؟
سألته بنبرة هادية جداً، برودها كان مرعب.
قام وقف وقرب مني، وحاول يحط إيده على كتفي
بهزر معاكي يا ياسمين! أنتي واخدة كل كلمة على أعصابك ليه؟ كنت بضحك معاكي بدل ما أقولك إني كلت أكل دليفري مقرف. مالك بقيتي قفوشة كده اليومين دول؟
شيلت إيده من على كتفي بحركة بطيئة، وبصيت في عينيه
لا يا طارق، مش قفوشة.. بس مبحبش الكدب، خصوصاً لما يترص فوق بعضه ويبقى عادة.
اتوتر بزيادة، ونبرة صوته عليت سنة
كدب إيه وبتاع إيه؟ أنتي هتعمليلي محاكمة عشان ساندوتشين كلتهم في الشارع؟! أنا داخل أنام شوية عشان راجع الشغل بالليل.
سابني ودخل الأوضة ورزع الباب وراه.
هنا بقى اتأكدت من حاجتين
الأولى، إن طارق عنده سر كبير جداً مستعد يلف ويدور ويكدب على أمه وعليا عشانه.
والتانية، إن المواجهة المباشرة هتخليه يمسح كل أدلته ويبقى أحرص في اللي جاي.
استنيته لحد ما غرق في النوم، وبحركة هادية سحبت تليفونه. البصمة كانت مقفولة، بس كان سايب الآيباد بتاعه مفتوح على المكتب وال iCloud متوصل ببعضه.
قعدت أفرز الرسايل.. مفيش أي شات مشپوه على الواتساب، كله شغل، وجروب صحابه بتوع الكورة، وجروب العيلة.
طب المكالمات؟ مفيش أرقام غريبة، كلها متسجلة بأسماء شركات أو مهندسين.
دخلت على الصور، ملقتش حاجة.. بس لما دخلت على الفولدر المحذوف Recently Deleted، لقيت صورة واحدة مقصوصة، متاخدة سكرين شوت من تحويل بنكي على تطبيق إنستاباي.
التحويل كان بمبلغ خمسة وسبعين ألف جنيه.
تاريخ التحويل من أربع أيام بالظبط.
المحول إليه د. ميار السعدني.
مين ميار السعدني دي؟! وليه طارق يحولها مبلغ زي ده من حسابه الشخصي اللي هو أصلاً مأكدلي إنه معوش غير ملاليم عشان بنقسط الشقة والعربية؟!
فتحت موبايلي وبدأت أعمل سيرش بالاسم.
دكتورة ميار السعدني.. استشارية أمراض نساء وتوليد وتأخر إنجاب.. وعيادتها فين؟
في مجمع العيادات اللي ورا التسعين! نفس المكان اللي فيه الباركينج!
ضربات قلبي رجعت تدق پجنون، بس المرة دي الحيرة كانت أكبر بكتير من الصدمة.
دكتورة نساء وتوليد؟!
إحنا متجوزين بقالنا ست شهور، ومكناش لسه فكرنا في موضوع الخلف ده أصلاً، وكنا متفقين نأجل سنة لحد ما أوضاعنا تستقر. طارق رايح لدكتورة نساء وتوليد بيعمل إيه كل يوم في نص النهار؟ وبيدفع 75 ألف جنيه ليه؟!
الأفكار كانت بتنهش في دماغي زي السكاكين
هل متجوز عليا واحدة تانية وحامل وبتتابع مع الدكتورة دي؟
ولا عنده مرض ومخبي عليا؟
ولا في مصېبة تانية أنا مش قادرة أستوعبها؟!
تاني يوم، صحيت الصبح ولبست كأني رايحة شغلي عادي جداً. ودعته بابتسامة باردة، ونزلت. بس مروحتش الشغل، أخدت إجازة عارضة، وطلعت على التجمع الخامس.
وصلت المجمع الطبي الساعة حداشر الصبح، دخلت المبنى الفخم، الرخام بيلمع، والأمن في كل مكان. طلعت الدور التالت، عيادة الدكتورة ميار السعدني.
العيادة كانت شيك جداً، هادية، والمزيكا الكلاسيك شغالة في الخلفية، وفيه بتاع تلات ستات قاعدين مستنيين دورهم.
روحت للريسبشن، كانت قاعدة بنت محجبة شكلها هادي
صباح الخير يا فندم، كنت

حابة أحجز كشف مع الدكتورة ميار.
البنت بصت في السيستم
صباح النور.. الكشوفات النهاردة كلها محجوزة للأسف، أقرب ميعاد متاح الأسبوع الجاي.
طلعت بطاقتي وابتسمت بتوتر
طب معلش، أنا جاية بخصوص حالة تانية.. أنا زوجة المهندس طارق عبد الرحمن، هو بييجي هنا كتير وكان قايلي أعدي على الدكتورة عشان في أوراق محتاجة استلمها.
البنت أول ما سمعت اسم طارق عبد الرحمن، وشها اتغير تماماً، التكشيرة الروتينية اختفت وحلت مكانها نظرة فيها توتر وقلق واضحين جداً.
أ.. أستاذة ياسمين؟
أيوة، أنا ياسمين.
البنت بلعت ريقها وقامت وقفت
ثواني يا فندم، هبلغ الدكتورة إن حضرتك موجودة.
دخلت لأوضة الدكتورة، وغابت جوه أكتر من خمس دقايق، وأنا واقفة بره بحس إن الأرض بتتهز تحت رجليا. رد فعل السكرتيرة أكدلي إن طارق مش مجرد زبون عادي بييجي يدفع فلوس، طارق عندهم حالة خاصة والكل عارفه بالاسم!
الباب اتفتح، وخرجت السكرتيرة وعلى وشها ارتباك مصطنع
اتفضلي يا مدام ياسمين، الدكتورة مستنياكي.
دخلت الأوضة.. كانت واسعة ومريحة، والدكتورة ميار ست في أواخر الأربعينات، شكلها وقور جداً ولابسة نضارة طبية، بس أول ما شافتني، ابتسمت ابتسامة فيها كمية شفقة وعطف خلت جسمي كله يقشعر.
أهلاً يا ياسمين.. اتفضلي اقعدي.
قعدت على الكرسي وحطيت شنطتي في حجري، حاولت أبان قوية ومسيطرة
أهلاً بحضرتك يا دكتورة. أنا مش هلف وأدور.. أنا عارفة إن طارق بييجي هنا كل يوم تقريباً في وقت الغدا، وعارفة التحويلات اللي بتتم، بس عايزة أسمع منك أنتي الحقيقة كاملة.. طارق بيعمل إيه هنا؟ ومين اللي بتيجي معاه؟
الدكتورة ميار قلعت نضارتها، حطتها على المكتب، واتنهدت تنهيدة طويلة جداً.
ياسمين.. أنا كطبيبة ملتزمة بالسرية الطبية، بس بصفتي ست، وبصفتي شايفة اللي بيحصل بقاله شهور.. أنا كنت مستغربة إزاي طارق مقالكيش لحد دلوقتي، وكنت كل مرة بضغط عليه إنه يصارحك.
يصارحني بإيه؟! قولي يا دكتورة متحرقيش دمي! متجوز عليا صح؟! فيه واحدة تانية حامل منه؟!
الدكتورة ميار بصتلي بعينين مليانة حزن، وهزت راسها بنفي بطيء
يا ريت الموضوع كان بالبساطة دي يا بنتي.. طارق مش متجوز عليكي، ومفيش ست تانية في حياته أصلاً.
مسكت طرف المكتب بإيدي من الصدمة
أمال بيعمل إيه هنا كل يوم؟! والفلوس دي بتاعة إيه؟!
الدكتورة ميار سكتت ثواني، وبعدين فتحت درج المكتب وطلعت ملف طبي لونه أزرق، حطته قدامي على الترابيزة وقالت بصوت واطي ومزلزل
طارق بييجي هنا كل يوم عشان يتابع التحاليل والعلاج المكثف.. طارق مش خاېن يا ياسمين، طارق مريض.. وال 75 ألف دول كانوا الدفعة الأولى لعملية مصيرية هو المفروض يعملها الأسبوع الجاي.. عملية لو منجحتش، طارق ممكن…
وفجأة، قبل ما الدكتورة تكمل جملتها، باب الأوضة اتفتح پعنف!
اتلفتنا إحنا الاتنين مخضوضين..
كان طارق واقف على الباب، وشه أصفر كالمۏت، ونهجانه عالي، وبيبصلي بعينين كلها ړعب وڠضب واڼهيار في نفس الوقت!

مقالات ذات صلة

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى