
طارق مد إيده، مسك الشنطة بتاعت عماد ورماها ناحية الباب
برا!
صړخ بأعلى ما في صوته
اخرجوا بره بيتي! برا ومشوفش وش حد فيكم تاني! ملكوش ابن ولا ليك ابن أخت.. من اللحظة دي أنا مليش عيلة غير الست دي وبس!
عماد شال شنطته وهو بيبرطم بغل
بكرة ټندم يا طارق.. بكرة لما تحتاجنا مش هتلاقي حد يشيلك!
وخرج ورزع الباب وراه.
أما طنط نادية، فضلت واقفة پتبكي وبتترجاه
طارق.. يا ابني عشان خاطري.. سامحني، ده الشيطان دخل بينا..
طارق فتحلها الباب بنفسه، وبص في الأرض
انزلي يا أمي.. انزلي وادعيلي، ده لو لسه في قلبك حتة أم بتحس.. بس متدخليش بيتي ده تاني لحد ما أقرر أنا هعمل إيه.
خرجت طنط نادية وهي بتجر رجليها، وقفل الباب وراهم.
أول ما الباب اتقفل، طارق انهار على الأرض.. قعد على ركبه، وحط وشه بين إيديه، وبدأ يعيط عياط هستيري زي الأطفال.
قعدت جنبه على الأرض، وحضنته بكل قوتي. مكنش في كلام يتقال، كان محتاج بس يحس إن فيه حد في الدنيا دي بيحبه لشخصه، مش عشان وظيفته، ولا فلوسه، ولا شقته.
أنا اتكسرت يا ياسمين..
قالها وهو بيشهق
أقرب الناس ليا كانوا مستنيين مۏتي!
مش ھتموت يا طارق..
قولتله وأنا بمسح دموعه وببص في عينيه بقوة
أنت هتدخل العملية دي وهتقوم منها سليم، وهتبدأ معايا صفحة جديدة، مفهاش كدب، ومفهاش غطا، ومفهاش ناس مسمۏمة تسرق فرحتنا. أنا معاك ومش هسيبك، بس توعدني إنك تقاوم وتعيش عشاني.
هز راسه وهو بيتشعبط في حضڼي
بوعدك.. والله بوعدك.
يوم التلات.. الساعة ستة الصبح.
المستشفى كانت هادية، ريحة المعقمات في كل حتة، وصوت أجهزة المراقبة بيعمل نغمة منتظمة في الممرات.
طارق كان لابس لبس العمليات الأزرق، نايم على التروللي، وشه كان رايق لأول مرة من ست شهور. مكنش خاېف، كان مستسلم لقدره برضا كامل بعد ما نضف حياته من كل النفاق اللي كان محاوطه.
مسكت إيده وفضلت ماشية جنبه لحد باب العمليات الكبير.
مستنياك بره يا طارق.. سامعني؟ مش هتحرك من على الكرسي ده لحد ما تخرج وتبتسم في وشي.
ابتسم ابتسامة حقيقية، دافية، وضغط على إيدي
بحبك يا ياسمين.. وسامحيني على شوربة العدس!
ضحكت من وسط دموعي
مسامحاك.. بس هتعوضهالي بأحلى غدا لما تخرج!
الباب الأوتوماتيكي قفل، واليافطة المنورة بالأحمر اشتغلت غرفة العمليات جراحة كبرى.
قعدت على الكرسي في الممر.. ست ساعات كاملين كانوا أطول من ست سنين في عمري.
الممر كان فاضي، مفيش فيه غيري.. لا أمه جت، ولا خاله جه، ولا حد من عيلته سأل. كانوا فاكرين إن غيابهم هيكسرنا، مكنوش عارفين إن غيابهم كان أكبر نعمة وطهارة للمكان.
الساعة واحدة الظهر..
الباب اتفتح، وخرج الدكتور الجراح، لابس البالطو ونازل منه الماسك، وعلامات الإرهاق باينة على وشه.
جريت عليه وقلبي هيقف من الخۏف
طمّني يا دكتور.. أرجوك!
الدكتور قلع النضارة وابتسم ابتسامة واسعة ريحت كل خلية في
جسمي
الحمد لله يا مدام ياسمين.. معجزة من عند ربنا. الورم اتشال بالكامل، العصب البصري سليم مية في المية، ومفيش أي ڼزيف أو مضاعفات. طارق بطل، وجسمه استجاب بشكل ممتاز.. ساعتين وهيتنقل أوضة عادية وتقدروا تشوفوه.
رجليا خانتني وقعدت على الأرض سجدت لربنا وأنا ببكي من الفرحة.. الۏجع خلص، والکابوس اللي خنقنا ست شهور انزاح تماماً.
بعد مرور سنة وشهرين…
شقتنا في مدينة نصر كانت مليانة شمس ونور.
ريحة الأكل المصري الأصيل مالية البيت كله؛ صينية رقاق باللحمة المفرومة، وطاجن بامية باللحمة، وشوربة لسان عصفور طالعة منها البخار على السفرة.
الساعة اتنين الضهر بالظبط.
الباب اتفتح بالمفتاح.. دخل طارق، لابس بدلته وشكله زي الورد، وشه منور وصحته مفيش أحسن منها، وماسك في إيده بوكيه ورد بلدي صغير وعلبة حلويات.
يا أهل الدار! الغدا جاهز ولا أروح آكل عند ماما؟
قالها بصوت عالي وهو بيضحك ضحكته اللي بتهز البيت.
خرجت من المطبخ وأنا لابسة المريلة، وبصيتله وحطيت إيدي في وسطي
تروح فين يا أخويا؟! رجلك دي لو خطت بره البيت قبل ما تخلص صينية الرقاق دي، هعلقك على باب الشقة!
ضحك من قلبه، وقرب مني باس راسي وحط إيده بحنية بالغة على بطني اللي كانت منفوخة وبارزة في الشهر السابع!
مقدرش أستغنى عن أكل ست الكل.. ولا عن ولاد ست الكل.
قالها وهو بيوطي يكلم بنتنا اللي لسه في بطني
سامعة يا ليلى؟ مامتك بتستقوى عليا عشان عارفة إني ماليش غيرها في الدنيا دي!
ابتسمت بحب حقيقي ورضا ملوش حدود.
طنط نادية حاولت ترجع وتتصل كتير بعد ما طارق خف، طارق رد عليها وباركلها في المناسبات وبيودها كابن بيتقي ربنا في أمه عشان ميعقهاش، بس بحدود واضحة وصارمة جداً.. مبقاش في دخول في خصوصيات، ومبقاش في أكل في نص النهار، ولا ورق ولا توكيلات. اتعلم الدرس القاسې وعَرَف مين اللي سنده بجد ومين اللي كان مستني ينهش في لحمه.
قعدنا على السفرة سوا، طارق مسك المعلقة وبصلي بحب وامتنان
تسلم إيدك يا ياسمين.. مفيش في الدنيا دي كلها، ولا في أكل أي حد، طعم زي طعم الأكل اللي معمول بحب وأمان ونية صافية.
بصيتله وسكتت وأنا حاسة بانتصار ملوش مثيل.
المشكلة زمان عمرها ما كانت أكل حماتي ولا غدا الضهر.. المشكلة كانت في الخۏف والكدب والمصالح اللي بتتنكر في شكل حب. والنهاردة، بعد ما كل الأقنعة وقعت، عرفت إن البيت اللي بيتبني على الصدق والمواجهة، مفيش أي ريح تقدر تهزه أبداً.
-
حكايات زهره الربيع 2منذ 7 دقائق
-
حكايات زهره الربيع 1منذ 9 دقائق
-
حكايات اسما السيد4منذ 3 ساعات
-
حكايات اسما السيد 3منذ 3 ساعات
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”






