
داخل الغرفة، كانت سارة تنظر للقلم الممدود نحوها. لم تكن سارة التي ركبت السيارة الصباح هي نفسها المرأة الواقفة الآن. الخوف الذي تملكها طوال الأسابيع الماضية، وآثار القطرة المخدرة التي جعلتها تهلوس وتنسى، استُبدلت بدفعة غضب عارمة وشديدة البأس. تذكرت أبناءها الذين كانوا سيرمون في الشارع أو يتم إيداعها في مصحة نفسية كما كان يخطط زوجها أحمد.
مدت سارة إيدها ببطء شديد، وأخذت القلم من يد مراد.
-
حكايات اسما السيد4منذ 51 دقيقة
-
حكايات اسما السيد 3منذ 52 دقيقة
-
حكايات اسما السيد 2منذ 56 دقيقة
-
حكايات اسما السيد 1منذ 56 دقيقة
ابتسم المحامي بانتصار وقال: “عاقلة.. طول عمرك عاقلة يا سارة. امضي هنا وهنا…”
لكن بدلاً من التوقيع، رفعت سارة يدها بكل قوتها، وغرست سن القلم الجاف الحاد في كتف مراد بكل ما أوتيت من غل وحقد!
صرخ مراد صرخة مكتومة متأالماً وسقط الملف من يده وهو يتراجع للخلف ممسكاً بكتفه الذي أخذ ينزف بغزارة. سارة لم تنتظر؛ قفزت من على السرير، وسحبت المزهرية زجاجية الثقيلة الموضوعة بجانب الفراش، وضربته بها على رأسه بقوة جعلته يترنح ويسقط أرضاً بين الكراسي.
في تلك اللحظة بالذات، انفتح باب الغرفة بعنف شديد، ودخل حسام وسلاحه ممدود للأمام، وتلاه ثلاثة من رجال الشرطة والممرضين الذين هرعوا على صوت الصراخ والتحطيم.
وقف حسام مبهوراً ومصدوماً من المنظر؛ مراد المحامي الموقر ملقى على الأرض يتخبط في دمائه والملفات والأوراق البيضاء والمزورة تتناثر حوله، وسارة تقف فوقه والمزهرية المكسورة في يدها، تنفسها يعلو وهابط وعيناها تلمعان بقوة لم يراها فيها من قبل.
“سارة!” صرخ حسام وهو يركض نحوها ويحضنها بقوة، بينما انقض رجال الشرطة على مراد، وأثبتوا القيد الحديدي في يديه وهو يصرخ ويتأوه من الألم وينزف.
سارة وهي بين أحضان أخيها، تنفسها متسارع، أشارت بسبابتها المرتعشة نحو الملفات الملقاة على الأرض: “مراد هو اللي زور كل حاجة يا حسام.. مراد كان متفق مع سامح وأحمد، وكان عاوز يجبرني أوقع على تنازل عن كل حاجة تحت التهديد بـ عيالي!”
الضابط المسؤول جثا على ركبتيه وجمع الأوراق والملفات المتناثرة، وبدأ يقلب فيها بسرعة، لتتسع حدقتا عينيه وهو يرى الأوراق الأصلية المحتفظ بها مراد خلافاً للقانون، والتسجيلات الصوتية المفرغة والمراسلات بينه وبين سامح وأحمد التي كانت مخبأة في طيات الحقيبة الجلدية!
“المحضر ده هيكتمل بليلة مش هتنساها المحاكم يا حسام،” قال الضابط وهو ينظر لمراد المكبّل. “الأوراق دي كفيلة بتبديد كل عقود سامح، وإثبات جناية التزوير والشروع في القتل ضد الأربعة بالكامل!”
تم سحب مراد وهو يترجل في الممر مذلولاً ومجلوداً بنظرات الممرضين والمرضى الذين تجمعوا على الصوت، بينما جلس حسام بجانب سارة يمسح على رأسها ويهدئ من روعها، لكن سارة التفتت إليه وقالت بصوت جاف صارم: “سامح فين يا حسام؟ سامح قال إنه يقدر يوصل لعيالي في المدرسة!”
أخرج حسام جهاز اللاسلكي من حزامه وقال بنبرة واثقة: “اتطمني يا سارة.. المدرسة محاصرة بفرقة كاملة من الصبح، وسامح أتقبض عليه من عشر دقائق في المطار وهو بيحاول يهرب للشرقية بعد ما عرف إن القوة تحركت لشقته!”
أغمضت سارة عينيها وأسندت رأسها على الحائط الداكن للغرفة. استشعرت لأول مرة منذ شهور طويلة أن الهواء يدخل إلى رئتيها نائياً ونقياً، وأن الكابوس الذي عاشت فيه غافلة كاد أن يقضي عليها، لكنه أيقظ في جوهرها امرأة لن تجرؤ أي قوة على استغفالها مجدداً.
ولكن، بين الهدوء الذي ساد الغرفة وأصوات سرينات الشرطة التي كانت تبتعد تدريجياً وهي تحمل العصابة إلى مركز الاحتجاز، رن هاتف حسام مجدداً.
رد حسام بسرعة، لكن ملامح وجهه المرتخية تحولت فجأة إلى الجمود الشديد، وبدأ يحرك رأسه بالنفي وهو يستمع للطرف الآخر على الخط.
“في إيه يا حسام؟” سألت سارة بصوت بائس خائف من أن تفاجأ بكابوس جديد.
أنزل حسام التليفون من على أذنه، وبص لها بنظرة غامضة وهو يحاول استيعاب ما قيل له للتو: “سارة.. المباحث في بيت أحمد دلوقتي بيفتشوا خزنة شقتكم السريعة… ولقوا فيها حاجة غير متوقعة تماماً، حاجة تخص بابا الله يرحمه… وصية ثانية خالص مكتوبة بخط إيده وبصمته، ومكتوبة بتاريخ قبل وفاته بـ أسبوع واحد بس!”
سكن الصمت الغرفة لجظات، وكأن الزمن توقف تماماً. النظر إلى وجه حسام المشدوه كان كفيلاً بإعادة سارة إلى حالة من الذهول. وصية ثانية؟ بخط يد والدها وقبل وفاته بأسبوع واحد فقط؟
أمكك حسام بيد سارة وشَدّ عليها بقوة، وقال بنبرة تتأرجح بين الدهشة والصدمة: “سارة، النيابة أمرت بفتح الخزنة بوجود قوة المباحث. بابا الله يرحمه ما كانش غافل زي ما كنا فاكرين.. بابا كان شاكك في مراد وسامح من زمان، وعارف إن أحمد عينيه على التركة!”
انهمرت الدموع من عيني سارة، لكنها هذه المرة لم تكن دموع خوف أو انكسار، بل كانت دموع دهشة وارتياح. استكمل حسام وهو يقرأ نص الرسالة الواردة له من ضابط المباحث: “بابا كتب في الوصية الأخيرة إن كل ممتلكاته والعقارات والمصنع محبوسة في ‘وقف أهلي’ باسمك إنتي وعيالك فقط، وما يحقش لأي زوج أو قريب التصرف فيها أو بيعها أو حتى توكيل أي محامي عليها! وبابا أودع النسخة دي في الخزنة السرية اللي محدش يعرف مكانها غير أحمد.. أحمد كان عارف بالوصية دي، وكان بيحاول يخليكي تمضي على تنازلات وإقرارات تلغي الوقف ده قبل ما الوصية تظهر للعلن!”
في تلك اللحظة، أدركت سارة العظمة التي كان عليها والدها؛ لم يتركها فريسة للذئاب، بل وضع لها حماية قانونية إلهية تُبطل كل المخططات والتزويرات التي أعدها مراد وسامح وأحمد على مدار سنوات.
بعد مرور ثلاثة أشهر…
كانت قاعة محكمة جنايات الجيزة مكتظة على آخرها. الوقار يلف المكان، وأصوات الهمسات تتصاعد هنا وهناك. في القفص الحديدي المظلم، كان يقف أحمد، ونرمين، ومراد المحامي، وسامح ابن العم. أربعة وجوه شاحبة، انكسرت فيها كل ملامح الغرور والطمع، يرتدون ملابس السجن البيضاء، والأغلال تكبل أيديهم.
على الجانب الآخر، كانت تجلس سارة بكامل أنقاطها وقوتها، يحيط بها أخوها حسام وطفلاها اللذان ابتسما لها بحب. لم تعد سارة تلك المرأة الضعيفة المغيبة التي تشرب السم كل ليلة وهي تبتسم لقاتلها.
ضرب القاضي بمطرقته الخشبية لتسود القاعة صمتاً أهلاً بالرعب:
“حكمت المحكمة حضورياً وبإجماع الآراء:
أولاً: بسجن المتهم الأول ‘أحمد’ والمتهمة الثانية ‘نرمين’ بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر عاماً، للشرك في الشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، ودس المواد السامة.
ثانياً: بسجن المتهم الثالث ‘مراد’ والمتهم الرابع ‘سامح’ بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات، عن تهم التزوير في أوراق رسمية واستعمال محرر مزور والتآمر والتلقين.
ثالثاً: إلغاء كافة العقود والتنازلات المشبوهة، وإثبات صحة الوصية الأخيرة للراحل صالح وتطبيق شروط الوقف الأهلي لحماية حقوق سارة وأبنائها.”
صاحت القاعة بالتهليل، وسقطت دموع الفرح من عيني حسام وهو يحتضن أخته. أما في القفص، فقد انهارت نرمين وهي تبكي بحرقة، بينما انطوى أحمد على نفسه وعيناه لا تفارقان وجه سارة، يحاول البحث عن سارة القديمة التي كان يستغفلها، فلم يجد سوى امرأة صلبة تحيط بها هالة من النصر والكرامة.
خرجت سارة من باب المحكمة، والاستنشاق الأول للهواء النقي في الشارع كان بمثابة ولادة جديدة. نظرت إلى السماء وابتسمت لوالدها الراحل، ثم أمسكت بأيدي أطفالها بثبات، ومضت قدماً نحو حياتها الجديدة، بعد أن أغلقت كتاب الجحيم إلى الأبد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”





