روايات وقصص

حكاية نور 1

في لحظة فارقة، سارة سحبت إيدها بكل قوتها، وضحكها الخوف والغل، فجمعت كل طاقتها وزقّت أحمد بكل قوتها على السلم. أحمد فقد توازنه وصصرخ وهو بيتدحرج على الدرجات في الضلمة.

سارة جريت بأقصى سرعة لفوق، دخلت الشقة وقبل ما تقفل الباب، سمعت صوت أحمد بيقوم وهو بيصرخ بوجع وغضب: “والله ما هسيبك عايشة يا سارة! الورق هيتمضي النهارده يعني هيتمضي!”

مقالات ذات صلة

قفلت الباب بالترباس والترباس الثاني، إيدها كانت بتنزف من الخربشة، ومسكت الموبايل لقت الشبكة رجعت شحطة واحدة. جيت تدوس إرسال للتسجيل لأخوها تاني.. وفجأة، سمعت صوت مفتاح يدور في قفل الباب من برة! أحمد معاه نسخة ثانية!

الباب بدأ يتفتح ببطء، وسارة واقفة في صالة الشقة، محبوسة في الدور الرابع، ومافيش قدامها غير بلكونة المطبخ أو تسلم نفسها للوحش اللي داخل عليها!

اندفعت سارة نحو المطبخ كاللمح، وسحبت خلفها الباب الخشبي وأغلقت المقبض بقلب يخفق كطبول الحرب. استجمعت بقايا قوتها وزحزحت ثلاجة الطعام الصغيرة لتضعها خلف الباب كحاجز أخير. في تلك اللحظة بالذات، انفتح باب الشقة الرئيسي بصوت دهس عنيف، ودوت خطوات أحمد الثقيلة في الصالة وهو يصرخ بصوت مبحوح يخالطه الغل: “فكراها هتعدي يا سارة؟ والله لو طلعتي السماء ما هترحمي! نرمين أختك بتتقبض عليها تحت، وأنا مش هخسر كل حاجة لوحدي!”

كانت أنفاسه تعلو وتهبط وراء باب المطبخ، وبدأ يضرب الباب بجسده بقوة جعلت الخشب يئن والثلاجة تتحرك سنتيمترات قليلة. سارة كانت تحاول حبس دموعها، أخرجت هاتفها بأيدي المرتعشة، أخيرًا التقَط الهاتف شبكة ضعيفة، وضغطت على زر إعادة إرسال الرسالة والتسجيل الصوتي لأخيها الضابط “حسام”، مع تحديد موقعها الحالي عبر الخريطة.

المصباح التابع للهاتف أضاء الجزء الخلفي من المطبخ، حيث شباك البلكونة الضيق الذي يطل على منور العمارة الخلفي. كانت المسافة بين بلكونتها وبلكونة الشقة المجاورة – شقة جارتها العجوز “أم إبراهيم” – لا تتعدى المتر والنصف، لكن أسفلها يقبع فراغ مرعب يمتد لأربعة أدوار.

ضربة قوية أخرى من أحمد جعلت المفصلة العليا لباب المطبخ تنكسر، وظهر جزء من وجهه المحتقن من فتحة الخشب، وعيناه تقطران شرًا وهو يمسك في يده سكينًا كبيرًا استله من الصالة. “افتحي يا سارة.. قسماً بالله لو ما فتحتي لأكون مخلص عليكي قبل ما حد يوصل!”

سارة لم تتردد لحظة واحدة، تسلقت سور بلكونة المطبخ بكل رعبها، الهواء البارد كان يلفح وجهها والشوارع نائمة. وقفت على الحافة الضيقة، تنظر للأسفل حيث الفراغ المظلم، ثم أغمضت عينيها ونطقت الشهادتين، وقفزت بكامل جسدها نحو بلكونة الشقة المجاورة.

ارتطم جسدها بسور البلكونة الأخرى بقوة أطارت أنفاسها، وسقطت على الأرضية السيراميكية وهي تتأوه من الألم في ركبتها، لكنها كانت على قيد الحياة. في تلك اللحظة، نجح أحمد في اقتحام المطبخ، ولما لم يجدها ورأى باب البلكونة مفتوحاً، أطل برأسه ليرى سارة وهي تحاول النهوض في بلكونة الجيران.

جن جنونه وركض نحو السور محاولاً القفز خلفها وهو يصرخ: “فاكرة هتهربي؟”، لكن سارة جمعت قوتها وضربت لوح زجاج بلكونة أم إبراهيم بكرسي خيزران كان ملقى بجانبها، ليصرخ الصوت في أرجاء الشقة المظلمة. استيقظت العجوز مذعورة، ورأت سارة تنزف وتستغيث: “الحقيني يا خالة أم إبراهيم! أحمد عاوز يقتلني!”

في هذه الأثناء، دوت أصوات سرينات سيارات الشرطة في الشارع الرئيسي أسفل العمارة، وأضاءت الفلاشات الحمراء والزرقاء جدران البناية. تصاعدت أصوات خطوات مسرعة وأحذية ثقيلة تهرول على السلم، مع صراخ ضابط بصوت حاد: “حاصروا العمارة بالكامل! محدش يخرج!”

أحمد، وهو واقف على سور البلكونة يستعد للقفز، تجمّد في مكانه عندما سمع صوت “حسام” أخو سارة وهو يصرخ في الممر: “سارة! إنتي فين؟!”

أدرك أحمد أن اللعبة انتهت، وأن الخطة التي دبرها لشهر كاملانهارت في لحظات. تراجع للداخل بسرعة يحاول البحث عن مخرج من أعلى السطوح، بينما كانت سارة تختبئ خلف أم إبراهيم التي فتحت باب شقتها للشرطة وهي ترتجف.

دخل حسام كالدم المجنون، وسلاحه في يده، وبمجرد أن رأت سارة أخيها ارتمت في أحضانه وهي تبكي بحرقة وسستنهد بعد طول خنق. “أحمد جوه يا حسام.. كان عاوز يقتلني بالسم والقطرة!”

توجهت القوة فوراً لتفتيش الشقة والسطوح، وسرعان ما سمعت سارة صوت شجار عنيف وصراخاً أعلى العمارة، تلاه صوت تكبيل الكلابشات الحديدية وصوت أحمد وهو يسحب على الدرجات مهزوماً ومثخناً بالجراح بعد أن حاول المقاومة.

عندما نزلوا بأحمد إلى الشارع مكبلاً، كانت “نرمين” تقف بالأسفل داخل سيارة الشرطة وهي تبكي وانقضت كل مظاهر الدلع والغرور عنها، بعد أن ضبطت بحوزتها العقود المزورة وتفويضات بيع الممتلكات.

بصت سارة لأحمد ونرمين من داخل سيارة الإسعاف وهي تضم أولادها الذين استعادتهم الشرطة من مدرسة اللغات بعد استدعائهم للحماية. كان أحمد ينظر للعينين اللتين طالما استخف بذكاتهما، ليرى فيهما ولادة امرأة جديدة محت سارة القديمة للأبد.

لكن المحامي الذي حضر مع الشرطة اقترب من حسام وهمس في أذنه بكلمات جعلت وجه حسام يتغير تماماً، ثم التفت ونظر لسارة بنظرة قلق مكتوم: “سارة.. أحمد ونرمين اعترفوا بكل حاجة، بس فيه طرف ثالث في الموضوع، الورق اللي لقوه في عربية أحمد متوقع باسم شخص تاني خالص.. شخص إنتي تعرفيه كويس جداً وممكن يكون قريب مننا في اللحظة دي!”

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى