
كمال كان واقف مكان مسمر، عيونه بتتحرك بين الشاشة وبين وجوه الرجال الحاضرين برعب حقيقي. وشه اتجرد من كل معالم القوة والثقة اللي كان داخل بيها، وبقى لونه زي الورق الأبيض، شفايفه بترتعش ومش قادر ينطق بحرف واحد. أما سهام، فالتمثيلية اللي كانت بدآها طارت منها؛ سكتت وفضلت تبلع في ريقها والدم هرب من عروقها، وقعدت تتراجع لورا على الكنبة وكأنها بتحاول تختفي جوه الخشب، بعد ما الفضيحة اللي دبرتها بايديها انقلبت عليها بالصوت والصورة.
العم راضي مشي خطوات بطيئة ناحية كمال، وقفل الشاشة بالراحة. بص لكبار العيلة اللي كانوا قاعدين وقال بصوت جهوري هز زوايا الشقة: “ادي الفاجرة الشريفة! ادي اللي جاية تبكي وتصرخ وتقول أختي الخاينة ودنست بيتي! ادي اللي استغلت يتم عيال أختها وفقرها عشان تكسر نفسها وتسرق حقها في بيت أبوها! أديكوا شوفتوا وسمعتوا بأذنيكم وبأعينكم، المكر والدسيسة والأخلاق الواطية!”
-
ياسين ومريم 3منذ 31 دقيقة
-
ياسين ومريم 2منذ 37 دقيقة
-
ياسين ومريم 1منذ 49 دقيقة
-
حكايات زهره الربيع 1منذ 3 ساعات
خالي الكبير، الراجل اللي كان من شوية بيلح عليا عشان أوقع على التنازل، وقف من مكانه وجسمه كله بيرتجف من الغضب. قرب من كمال وفجأة ضربه بكفه على وشه ضربة رنت في الصالة كلها. كمال ارتد لورا وهو حاطط إيده على خده، وشه أحمر من الخسّة والكسرة.
صرخ فيه خالي وهو بيشاور عليه بإصبع بيترعش: “يا ندل! يا قليل الشرف والأصل! تدخل على أخت مراتك الأرملة وتعمل المحاولة القذرة دي عشان شوية فلوس وحقد نسوان؟ دي أمانة أخونا الله يرحمه! دي لحمنا ودمنا اللي كليتم حقها ورميتم شرفها في الطين قدام الناس كلها!”
سهام حاولت تقوم وتصرخ وتدافع عن جوزها، وقالت بصوت مخروم وهي بتبكي دموع كدابة: “والله العظيم يا خالي هو اللي كان عايز الفلوس.. والله هو اللي قال لي نعمل كده عشان نسدد الديون اللي عليه!”
كمال أول ما سمع كلماتها، اتجنن وبصلها بغل وقال وهو بيمسح وشه: “أنا يا واطية؟ أنا اللي قلت لك؟ دي هي اللي كانت بتاكل في نفسها من يوم ما المرحوم اتجوز أختها الصغيرة وسابها! دي كانت بتصحى وتنام تفكر إزاي تكسرها وتذلها، وهي اللي خططت وقالت لي ادخل الحمام وسيب الباقي عليا!”
المشهد اتحول في ثواني لفضاحة ثانية، بس المرة دي بينهم هم الاتنين. بدأوا يقطّعوا في بعض قدام العيلة كلها، كل واحد فيهم بيصفي حسابه وبيفضح الثاني عشان ينفد بجلده. كمال يكشف غلها وسواد قلبها من السنين اللي فاتت، وهي تكشف طمعه ونشله للفلوس ونطاعته. كان المنظر رخيص وحقير لدرجة إن كل الموجودين من الكبار طأطأوا رؤوسهم من القرف.
أنا كنت واقفة في نص الصالة، بتمسك في عمي راضي. دموعي اللي كانت بتنزل زمان من الكسرة، كانت نازلة المرة دي من الفرج، ومن شدة الذهول من عدالة ربنا اللي أخدت وقتها بس جيت في القات المناسب تماماً. بصيت لسهام وقلت لها بصوت هادي بس ثابت، صوت أعمق من كل صريخهم: “السنين اللي فاتت كلها، كنت أقول معلش دي أختي الكبيرة، معلش الغيرة عمياها، معلش الظروف حكماها.. لكن توصل بيكي الدناءة إنك تلبسيني فضيحة في شرفي، وتخليني أخرج من بيتك مضروبة ومتهانة قدام عيالي الصغار؟ أنتِ مش أختي.. أنتِ شيطان، وربنا حرم الشياطين من رحمته.”
العم راضي مشي وقعد في صدر المجلس تاني، وقال بنبرة حاسمة ومفيهاش أي مجال للنقاش: “القعدة دي مش هتفض إلا لما الحق يرجع لأصحابه، والحساب يتدفع حبر على ورق وعلني قدام الكل.”
كمال قاله بصوت متقطع وهو بيرتعد: “اللي تؤمر بيه يا حاج راضي.. أي حاجة بس بلاش الشرطة وبلاش الفضيحة بره العيلة!”
رد عليه عمي راضي بثقة وقسوة يستحقها: “أولاً: حظر تام، رجلك ورجل مراتك ما تطأش بيوت حد من العيلة دي تاني، ولا تتصلوا بفلاّنة ولا تجيبوا سيرتها على لسانكم الزفر ده أبدًا. ثانياً: شقة بيت العيلة اللي كنتوا طمعانين فيها، هتتكتب باسم عيال أختك اليتامى ببيع وشراء رسمي ومسجل، كـ ‘رد اعتبار’ عن الفضيحة والظلم اللي عيشتوها فيه. ثالثاً وأخيراً: كمال يكتب شيك مقبول الدفع بمبلغ محترم يضمن أكل وعيش العيال ومصاريف مدارسهم للسنوات الجاية، بديل عن الأجر اللي كنتوا بتذلوها بيه كل شهر!”
سهام صرخت: “كتير يا عمي! ده يخرّب بيتنا ويضيعنا!”
قام خالي وقرب منها وقائلها في وشها: “لو مش عاجبك، الشاشات والتسجيلات دي هتوصل للنيابة العامة بكرة الصبح بتهمة التبليغ الكاذب والعمل على الفضيحة والتآمر على الشرف، ونشوف كمال بيه هيقضي كام سنة في السجن!”
كمال ما ترددش ثانية واحدة. جرى على شنطته طلع دفتر الشيكات، وإيده بترتعش وهو بيكتب المبلغ اللي حدده العم راضي، ووقع عليه ورمى القلم على الطاولة وهو حاسس إنه انكسر كسرة عمره ما هيقوم منها. أما الورق الخاص بتنازلهم عن حصتهم في بيت العيلة وتسجيله باسم عيالي، فاتحرر في نفس اللحظة واتوقع عليه من الكل كشهود.





