روايات وقصص

حكايات زهره الربيع 2

لما خلصنا، عمي راضي مسك إيدي وقومني من مكتبي. بصينا لسهام وكمال اللي كانوا قاعدين في الأرض زي المطرودين من رحمة ربنا، وما حدش من العيلة رضى يسلم عليهم أو يبصلهم وهم طالعين.

خرجت من بيت العيلة وأنا مرفوعة الرأس، الهواء اللي دخل صدري في الشارع كان مختلف تماماً.. كان هواء الحرية والكرامة. رجعت الشقة، وعيالي كانوا قاعدين بيعيطوا ومستنييني وخايفين. أول ما فتحت الباب، جرو عليا وحضنوني. ضميتهم لصدري حيل، وقلت لهم بصوت مليان أمل: ” خلاص يا حبايبي.. الكابوس انتهى، وحقنا رجع، وما حدش في الدنيا دي كلها يقدر يكسرنا تاني.”

مقالات ذات صلة

لكن رغم إن الحق رجع والكرامة اتردت، كانت فيه حاجة أخيرًا فاضلة لازم تتقفل عشان الصفحة تنطوي للابد.. حاجة هيتم حسمها في اللحظة الحاسمة الأخيرة!

مرت أسابيع قليلة بعد قعدة العرب، وكانت الشارع كله والعيلة ما حيلتهومش سيرة غير الفضيحة العكسية اللي اتكشفت. سهام وكمال بقوا عايشين في بيتهم زي المحبوسين، محدش من القرايب بيعبرهم ولا بيعزمهم، والأبواب كلها اتظلمت في وشوشهم بعد ما ظهر معدنهم القذر قدام الكل.

أما أنا، فرحت مع عمي الحاج راضي الشهر العقاري، وسجلت شقة بيت العيلة باسم عيالي رسمي، وأخدت الشيك اللي كمال كتبه، وصرفته وحطيت المبلغ في الوديعة في البنك عشان مصاريف دراستهم ومستقبلهم. حسيت إن روح جوزي الله يرحمه ارتاحت في قبرها، وإني قدرت أصون الأمانة وأحمي عيالي من غير ما أمد إيدي لحد ولا أتقبل الذل ثاني.

لكن نقطة النهاية الحقيقية مكنتش في الفلوس ولا في الشقة.. كانت في رد الاعتبار اللي ربنا بعته لحد عندي.

في يوم، جالي اتصال من أخويا الصغير اللي في الخليج، اللي كان من كم أسبوع بيصرخ فييا في التليفون وبيهددني بعد ما كذبوا عليه. الاتصال المرة دي كان مختلف تماماً؛ كان بيبكي بحرقة وصوته بيتخنق بالندم. قال لي إنه شاف الفيديو اللي عمي راضي بعتهوله، وعرف الحقيقة كاملة، وإنه مش قادر يسامح نفسه إنه صدق فيا كلام يمس شرفي. طممنته وقلت له: “أنت أخويا يا محمد، والظروف كانت متقفلة، المهم إن ربنا أظهر الحق.”

وفي نفس اليوم بالليل، سمعت خبط خفيف وجبان على باب الشقة. لما فتحت، اتفاجأت بسهام واقفة قدامي!

شكلها كان مكسور، وشها ذبلان، ولابسة طرحة مغطية نص وشها كأنها خايفة حد من الجيران يشوفها. كبرياءها والغل اللي كان مالي قلبها السنين دي كلها اتمسح تماماً، وبقت مجرد واحدة مكسورة وجاية تستجدى المسامحة.

وقفت على الباب وبصت لي بدموع حقيقية وقالت بصوت بترتعش فيه الكلمات: “سامحيني يا فلانة.. أنا عارفة إن اللي عملته ميتغفرش، وإن الشيطان كان عمي قلبي منك ومن يوم ما المرحوم اختارك أنتِ وسابني.. أنا بيتي بيتخرب يا أختي، كمال بيعاملني كأني سبب فضيحته وخراب بيته، وكل ما يبصلي بيلعن اليوم اللي اتجوزني فيه، والعيلة كلها مقاطعاني ومحدش بيدخل بيتي.. أرجوكي قولي لعمك راضي يرفع عننا المقاطعة دي، أنا بموت في اليوم ألف مرة!”

بصيت في عين اختي الكبيرة.. مكنتش حاسة بنشوة الانتقام ولا الشماتة، كنت حاسة بس بالشفقة على إن واحدة تضيع دينها ودنيتها وأختها عشان شوية حقد وغل بايتين في قلبها.

قلت لها بمنتهى الهدوء والرزانة: “أنا سامحتك بيني وبين ربنا عشان خاطر عيالي وعشان مش عايزة أشيل في قلبي نقطة سواد واحدة زي اللي كانت في قلبك. بس المسامحة مش معناها إن المياه ترجع لمجاريها.. أنتِ اخترتي طريقك يوم ما بعتي شرف أختك الأرملة عشان الفلوس والغيرة. روح لربنا واستغفريه، لأن حسابه هو اللي باقي.”

قفلت الباب بالراحة، ورجعت قعدت وسط عيالي في صالة بيتنا الدافية. شلت الوجع، ونضفت حياتي من كل الناس المزيفة، وبدأت من جديد.. ست أقوى، أثبت، ومرفوعة الرأس، عارفة إن الحق لو تأخر شوية، بيلف ويرجع يصيب صاحبه بأقسى طريقة ممكنة.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى