تقنية

عزومه حكايات رومانى مكرم 1

صحيت من بدري جدًا.

حضرت أحلى أكل قدرت عليه:

محشي… ملوخية… فراخ محمرة… سلطة… وشوربة…

وحتى عملت صينية حلو بيحبوها عشان بابا.

المطبخ كان مليان ريحة الأكل… وقلبي مليان فرحة.

كنت حاسة إن اليوم ده هيبقى مختلف، وإن جوزي وحماتي هيفرحوا بوجود أهلي زي ما بنفرح بأهلهم.

وقبل ما يجوا بحوالي ساعة…

حماتي دخلت المطبخ، وبصت للأكل بنظرة غريبة وقالت ببرود:

— “هو في حد قالك تعزمي حد النهارده؟”

اتلخبطت وقلت بهدوء واحترام:

— “دول أهلي يا ماما… أول مرة يزوروني من يوم الفرح، وأنا اللي عزمتهم.”

سكتت لحظة… بوزت وشها ومشيت من غير ولا كلمة.

أول ما رن الجرس، فتحت… لقيت بابا واقف بابتسامته الهادية، وماما شايلة علبة حلويات كبيرة، وأخويا بيضحك وهو بيقول:

— “إيه يا عروسة؟ عاملة وليمة!”

حضنتهم بفرحة كبيرة… كأني ما شوفتهمش من سنين.

دخلوا وقعدوا في الصالة، لكن الجو كان مشحون من أول دقيقة. حماتي سلمت بطرف مناخيرها، وقعدت حاطة رجل على رجل.

قعدنا على السفرة علشان ناكل… وفي البداية حاولت ألطف الجو.

لكن بعد أول كمتين…

حماتي حطت المعلقة على الطبق بصوت عالي يرن في الصالة وقالت قدام الكل:

— “بصراحة… البيت ده مش فندق… وكل شوية حد داخل طالع علينا!”

اتجمدت ماما في مكانها، واللقمة وقفت في حلقي.

بابا رفع عينه ليها بهدوء شديد… وقال بكل كبرياء:

— “إحنا جينا بدعوة بنتنا… ولو وجودنا مضايق حضرتك، إحنا نقدر نمشي فوراً.”

ردت حماتي بعصبية وسواد:

— “أيوه… الأفضل تمشوا!”

حسيت إن قلبي اتخلع من مكانه… وأنا واقفة بين أهلي وحماتي مش عارفة أستوعب البجاحة.

ماما قامت بسرعة والدموع في عينها وقالت بصوت مكسور:

— “يلا يا جماعة… ما يصحش نفضل هنا.”

بابا بصلي نظرة عمرها ما هتروح من بالي… نظرة كلها وجع وحزن على بنته العروسة اللي اتهانت قدامه.

وأخويا مسك إيد بابا وقال قبل ما يخرج بحدة:

— “إحنا مش هنرجع البيت ده تاني… وأنتي يا بنتي، بيت أباكي مفتوح لكِ في أي وقت لو فكرتي ترجعي لكرامتك.”

الباب اتقفل…

وسكت البيت كله.

وقفت في نص الصالة… والدموع بتنزل مني زي المطر، وجسمي كله بيترعش.

لكن الصدمة الأكبر حصلت بعدها بدقايق…

جوزي دخل البيت، ولما شافني بكي وعرف اللي حصل من أمه…

#الكانب__رومانى__مكرم__

قال جملة خلت الدنيا تلف بيا ونزلت عليا زي الصاعقة:

— “بصراحة… أمي عندها حق، أنتي المفروض تستأذنيها الأول قبل ما تدخلي حد بيتها!”

وقتها حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي… وإن الجوازة دي كانت أكبر غلطة في حياتي.

لكن اللي ماكنتش اعرفه…

إن اللي حصل ده كان بس البداية.

لأن في نفس الليلة…

وأنا بدخل المطبخ عشان ألم الأطباق اللي أهلي ما لحقوش ياكلوا منها…

سمعت حماتي بتتكلم في التليفون وبتقول جملة خلت دمي يتجمد في عروقي…

سمعت حماتي تتكلم في التليفون بصوت واطي، بس حاد وواضح، كانت بتكلم أختها وتقول لها بضحكة كلها شماتة وسواد: “خلاص يا أختي، قطعت رجلهم من البيت.. هي فاكرة نفسها ست البيت وهتعزم على كيفها؟ أنا من أول يوم حاطة عيني عليها ومربياها، وخليتها خدامة تحت رجلي ورجل عيالك.. واليوم ده كان لازم يحصل عشان تفهم حجمها وتعرف إن البيت ده بيتي أنا، وما لهاش فيه غير كلمة حاضر وروح وتعالى.. وجوزها في جيبي، كلمة مني توديه وكلمة تجيبه!”

الكلمات نزلت عليا زي النهش في قلبي، الوجع كان أشد ألف مرة من إهانة أهلي.. حسيت إن السقف بيقع عليا، والدموع اللي كانت بتنزل بسخونية انقلبت لجمود ورعب من الواقع اللي لقيت نفسي فيه. أنا مش مجرد عروسة اتظلمت، أنا اتدبست في فخ، اتجوزت راجل ملوش شخصية ولا كلمة، وبيت كل جدرانه مبنية على الاستغلال والكسرة.

لميت الأطباق بإيدين بتترعش، والأكل اللي تعبت فيه طول الصبح عشان أفرّح بيه بابا وماما، كان لسه زي ما هو.. محطوط عليه حسرتي وقهرتي. ودخلت أوديتي وأنا حاسة إن جسمي متكتف. جوزي كان قاعد على السرير بيمسك تليفونه بنشاط وكأن مفيش حاجة حصلت، وكأن أهلي ما اتهانوش وتطردوا برة البيت.

أول ما دخلت، بص لي ببرود وقال: “أنتِ لسه بتعيطي؟ قفلي على الموضوع ده بقى وخلي ليلتنا تعدي.. وأمي لما بتقول كلمة لازم تسمعيها، البيت ده له كبار، وما ينفعش تتصرفي من دماغك.”

وقفت قدامه والدموع متحجرة في عيني، وقلت له بصوت مكسور بس مليان حسرة: “كبار؟ هو الكرم والواجب بقى للغرباء وأهلك أنت بس؟ أهلي اللي بقالهم شهور ما شافونيش، واللي وجعوا قلبهم وما رضيوش يثقلوا علينا، أول ما يجوا يتم التعامل معاهم كده؟ يطردوا من اللقمة؟ وأنت جاي بكل بساطة تقول لي أمك عندها حق؟ أنت فين موقفك؟ فين كرامة مرتك وكرامة أهلك اللي استأمنوك عليا؟”

قام وقف وجاب وشو قصادي، وبدل ما يطيب خاطري أو يحس بقلبي اللي ينزف، صرخ في وشي وقال: “أنتِ هتعلّي صوتك عليا ولا إيه؟ أمي خط أحمر! كلمة ثانية وهتصل بوالدك أخليه ييجي ياخدك، وما ترجعيش هنا تاني إلا لما تتعلمي الأدب وتعرفي الأصول!”

في اللحظة دي، اتكسرت أخر قشة كنت ماسكة فيها. عرفت إن الجوازة دي ما فيهاش أمان، وإن الراجل ده مش حماية ولا سند، ده مجرد أداة في إيد أمه بتتحكم فيه زي العروسة المارينيت. سكتّ.. وما ردتش بكلمة واحدة. أخدت جنب في الأوضة، ونمت بدموعي للمرة الألف من ساعة ما دخلت البيت ده.

تاني يوم الصبح، صحيت على صوت التخبيط العالي على باب الأوضة. حماتي بتزعق بصوتها الرنان: “قومي يا عروسة! أختي وعيالها جايين بعد ساعتين، قومي شوفي المطبخ ورتبي البيت، ومفيش وقت للكسل والدلع ده!”

خرجت من الأوضة وأنا حاسة بتقل في جسمي، بس المرة دي ما كانش فيا حيل أقول “حاضر” ولا حيل أقاوم. بصيت لها وقلت بصوت هادي ومجهد: “أنا تعبانة يا ماما.. مش هقدر أقف في المطبخ النهار ده.”

عينيها وسعت من الصدمة، وزعقت أكتر: “نعم؟ تعبانة إيه ودلع إيه؟ أنتِ فاكرة نفسك فين؟ ده بيتي والكلمة كلمتي! لما أقول قومي تعملي أكل للضيوف يبقى تقومي ورجلك فوق رقبتك! ولا فاكرة إنك لما تزعلي وتعملي لي فيها مكسورة الخاطر هسيبك براحتك؟”

جوزي خرج من الحمام، ولما شاف الموقف، بدل ما يهدّي أمه أو يراعي إني مريضة، بص لي بنظرة قسوة وقال: “في إيه يا هانم؟ من أولها كده هتبدأي تعاندي وتعملي مشاكل؟ قومي شوفي أمي عايزة إيه وبلاش شغل الجنان ده!”

الموقف كان أشد من طاقة أي بني آدم. وقفت في نص الصالة، وشفت المطبخ اللي قضيت فيه أحلى أيام شغفي وأنا بعجن وبطبخ بحب، بقى بالنسبة لي سجني ومشنقتي. دخلت المطبخ وأنا حاسة بإن كرامتي بتتداس كل ثانية بفضل سكوتي. بدأت أطبخ وأنا جسمي كله بيترعش من القهر. عملت الأكل وأنا مش حاسة بطعمه، والدموع بتنزل على الخضار والمحشي اللي بحضره.

على الضهر، البيت اتملى بأهل حماتي.. اختها وعيالها وقرايبها من البلد. دخلوا وهي بتستقبلهم بالأحضان والضحكات العالية، وقعدوا يتسامروا ويضحكوا. وأنا جوة المطبخ، زي الخدامة تماماً، بأكل وبغسل وبمسح. ولا حد منهم يكلف نفسه يسألني: “أنتِ عاملة إيه؟” أو حتى يساعدني بكباية مية.

وبعد ما خلصوا الأكل، خرجت ألم الصحون. سمعت أخت حماتي بتقول لها بصوت واطي: “والله يا أختي العروسة دي مطيعة وشغالة كويسة، بس شكلها زعلانة ومبوزة ليه كده؟”

ردت حماتي بصوت عالي وبكل قسوة عشان أسمعها: “سبيكي منها يا أختي، دي حركات بنات اليومين دول، فاكرة نفسها جاية تتستت وهي حتة بت لا راحت ولا جارت، وما حيلتهاش حاجة.. أنا اللي أعمل لها قيمة وأنا اللي أكسر مناخيرها عشان تعرف إن الله حق!”

الكلمات دي كانت بمثابة الرصاصة اللي قتلت أخر أمل جواه.. حسيت إن الدم غلى في عروقي. طقطق جواه شيء، ولأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده، حسيت إن السكوت لم يعد أدباً، بل جُبناً وخيانة لنفسي ولأهلي اللي اتربيت على كرامتهم.

جمعت الأطباق كلها، وأنا إيدي بتتنفض.. ودخلت المطبخ. قفلت الباب عليا. وقفت قدام المراية الصغيرة اللي متعلقة في المطبخ، وبصيت لوشي.. الشحوب، الهالات السودة تحت عيني، والكسرة اللي في ملامحي.. قلت لنفسي: “أنتِ مش دي.. أنتِ بنت فلان اللي اتربت على العز والكرامة، ومفيش بني آدم على وش الأرض له الحق إنه يكسرك بالشكل ده.”

مسكت تليفوني، واتصلت بأخويا. الموبايل رن مرتين ورده كان دافي بس حزين: “أيوة يا حبيبتي.. أنتِ كويسة؟”

أول ما سمعت صوته، مسكت دموعي بجدية وقوة ما كنتش أعرف إنها عندي وقلت له: “يا أخويا.. تعالى اطلب لي تاكسي وتعالى خذني.. أنا قادرة أرجع لكرامتي زي ما قلت لي بالظبط.”

أخويا ما ترددش ثانية واحدة، وقال لي بصرامة وفخر: “مسافة السكة يا بنتي.. حضري شنطتك، وما تخافيش من حد.”

قفلت معاه، ودخلت الأوضة. لميت هدومي بسرعة في الشنطة.. جوزي دخل عليا فجأة، ولما شاف الشنطة مفتوحة والهدوم جواها، عيونه وسعت من الذهول وقال بحدّة: “أنتِ بتعملي إيه يا مجنونة؟ أنتِ بتلمي هدومك؟ رايحة فين من غير إذني؟”

بصيت له بثبات لم يعهده مني أبداً، وقلت له بكل برود: “رايحة المكان اللي فيه كرامتي.. المكان اللي أهلي بيحترموني فيه، وما حدش بيطرد فيه ضيوفي ولا بيعاملني كأني خدامة.”

زعق بصوت عالي: “أنتِ فاكرة الخروج من هنا بالساهل؟ أنتِ لو مشيتي النهار ده، مش هترجعي البيت ده تاني! أمي هتقفل الباب في وشك والأصول بتقول…”

قاطعته بقوة وصوت ثابت هز الأوضة: “الأصول؟ أنت تتكلم عن الأصول؟ الأصول دي اللي أنت وأمك دهستوها تحت رجليكم لما طردتم بابا وماما من البيت! الأصول دي اللي نسيتها لما سبت أمك تهين مرتك قدام الناس وتخليها خدامة لعيال أختها! أنت مش راجل يتحامي فيه يا فلان.. أنت مجرد ضل لأمك!”

الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة، وشها احمر وزاد غضبه، ورفع إيده وضرّب على الطاولة بغل: “أنتِ بتشتمني في بيتي؟ والله لأعرفك مقامك!”

في اللحظة دي، سمعنا صوت الجرس بيرن بحدة وقوة.. خرجت من الأوضة وأنا شايالة شنطتي، وجوزي ورايا بيزعق وبيحاول يمسك الشنطة مني. حماتي وقفت في نص الصالة، وأهلها كلهم بيبصوا بذهول واندهاش.

حماتي صرخت: “إيه المهزلة دي؟ أنتِ رايحة فين بالشنطة دي يا بت؟ فاكرة نفسك بتهددينا؟”

فتحت باب الشقة، ولقيت اخويا واقف برة.. طوله وشهامته مالية المكان، وعيونه مليانة غضب وكبرياء. أول ما شافني شايلة الشنطة وجوزي بيشدها، قرب خطوة واحدة بس وجسمه حائل بيني وبينهم.

أخويا بص لجوزي بصة صلبة وقال بصوت هز العمارة كلها: “سيب الشنطة يا فلان.. أختي مش خدامة عند حد، والبيت ده خلاص مالوش أمان ولا قيمة عندنا.”

حماتي وقفت وزعقت بكل بجاحة: “خديها يا أخويا ويا رب ما ترجع!! دي بت قليلة الأصل وما بتفهمش في الأصول، وعايزة تمشي البيت على مزاجها!”

أخويا بص لها بابتسامة سخرية وقرف، وقال لها بثبات يهد الجبال: “الأصل إحنا اللي بنعلموه للناس يا هانم.. وإحنا لما جينا نناسبكم، افتكرنا إننا بنناسب رجال، بس للأسف اكتشفنا إن البيت ده ملوش غير كبير واحد، والكبير ده مش راجل!”

جوزي اتملا غل وجري عايز يحجم مع أخويا، بس أخويا مسكه من إيده بقوة وثبته مكانه وقال له بصوت واطي ومخيف: “لو فكرت تلمس شعر منها، أو تطلع صوتك عليا، هتدفع الثمن غالي أوي.. أختي راجعة بيتها مرفوعة الرأس، وأنت وأمك هتفضلوا في غلكوا ده لحين ما القانون والأصول تحاسبكم.”

أخد مني الشنطة، ومسك إيدي بحنان وقوة، ونزلنا على السلم وهما واقفين في ذهول وصدمة، حماتي بتصرخ وجوزي واقف زي الصنم مش عارف يتصرف ولا ياخد موقف.

نزلت الشارع، والتنفس بدأ يرجع لي.. حسيت إن الهواء اللي بدخله صدري نقي، كأني كنت محبوسة في المظلمة وطلعت للنور. ركبنا العربية مع أخويا، وطول الطريق كان ماسك إيدي ويقول لي: “ما تعيطيش يا حبيبتي.. أنتِ بنتنا وعزوتنا، والبيت اللي يقل منك ومن أهلك ما يلزمناش منه قشرة بصلة.”

وصلنا البيت.. أول ما فتحت الباب، لقيت بابا وماما قاعدين في الصالة. أمي أول ما شافتني، قامت وجريت عليا، حضنتني وقعدت تبكي بحرقة.. وبابا قام بوقار وشوفت في عينيه دمعة محبوسة، بس نظرة الفخر كانت باينة في ملامحه.

بابا أخدني في حضنه وقال لي بصوت دافي هز كياني: ” نورتِ بيتك يا بنتي.. حقك علينا إننا حطيناكي في المكان ده، بس وحياة دموعك وكرامتك اللي اتهانت، ما هنسيب حقك، واليوم ده بداية لنهاية الظلم ده كله.”

قعدت وسطهم، وحسيت بالأمان اللي افتقدته من أول يوم جواز.. بس جوايا كان في نار عايشة، نار الظلم والغدر. كنت عارفة إن الموضوع مش هيخلص هنا، وإن حماتي وجوزي مش هيسكتوا.. وفعلاً، ما عدتش غير ساعات قليلة جداً على وصولي بيت أهلي، لحد ما رن تليفون بابا..

وكان المتصل هو جوزي.. بس المرة دي ما كانش بيعتذر ولا بيلطف الجو.. كان بيتكلم بصوت مليان تهديد ووعيد، وبيقول لبابا كلمة غيرت كل مجرى الأحداث وفجرت مفاجأة ما كانتش على البال ولا على الخاطر…

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى