قصص وروايات

دخلت جناحي في الفندق1

دخلت الأوضة ورزعت الباب. شلت يوسف، كان جسمه السخن بيتكتك في إيدي، وضمت آدم لياسين على الكبير. قعدت على طرف ، وشيلت التكييف، وطفيت نور السقف القوي اللي كنت شغال بيه زي المستشفيات، وسيبت الأباجورة الدافيئة. رفعت منديل الورق اللي فيه ريحة الروزماري واللافندر وقربته من يوسف، ومسكت دراع آدم، وبدأت لأول مرة في حياتي أحاول أحضنهم التلاتة مع بعض، من غير أجهزة، من غير ما أقرأ في شاشة المراقبة، من غير ما أطلب الممرضة.

الولاد بدأوا يهدوا بالتدريج، مش عشان أنا أستاذ في التهدئة، لكن لأن ريحة المكان ونور الأوضة رجع زي ما سلمى سابته. وخلال نص ساعة، كانت انفاسهم المنتظمة هي الصوت الوحيد في الجناح.

سيبتهم بحرص شديد، وقفت قدام مراية الجناح، وشي كان شاحب، وتحت عيني سواد الـ11 أسبوع اللي فاتوا. فتحت الورقة تاني: “عالية”.

طلعت التليفون وطلبت طارق، مدير أمن السلسلة وأكتر بني آدم أنا بلمس فيه الولاء الكامل من أيام أبويا الله يرحمه.

الساعة كانت بقت 3:45 الفجر.

“سعادة الباشا؟ خير في حاجة مع الولاد؟” طارق رد من أول رنة، صوته صاحي ومستعد.

“طارق.. سلمى عاملة النظافة اللي اتعينت من يومين.. جيبلي ملفها كاملاً، بالبطاقة، بالفيش، بعناوين السكن، باللي جابها الفندق، وبالمراقبة بتاعة الكاميرات من أول ما دخلت من بوابات الفندق النهاردة لحد ما خرجت.”

سكت طارق ثواني، وبعدين قال: “حاضر يا عمر بيه، 10 دقائق وتكون البيانات عندك على الإيميل، وكاميرات الممر هجيبها بنفسي.”

“وتجيبلي أرقام تليفوناتها، وتعرفلي هي فين دلوقتي يا طارق.. فوراً.”

قفلت السكة وفتحت الخزنة الخاصة في الأوضة. طلعت منها الملف القديم، الملف اللي أبويا سابهولي قبل ما بـ4 سنين. ملف عيلة المنشاوي. أوراق قضية الطلاق، وشهادة الوفاة بتاعة أمي اللي أبويا طبعها وسابهالي عشان يقنعني إنها ماتت بمرض كبدي وهي بعيدة عننا في الصعيد بعد ما انفصلوا.

مسكت شهادة الوفاة.. تاريخ الوفاة مكتوب فيه من 14 سنة. يعني بعد ما مشيت بسنتين.

طول عمر أبوي كان راجل صارم، بيعتمد على الأرقام، السيطرة، والفلوس. زي ما أنا بقيت بالظبط. هو اللي علمني إن المشاعر ضعف، وإن أي حاجة ليها سعر. فلما أمي مشيت، مسح وجودها من البيت، من الصور، وحتى من كلامنا.

الباب خبط ببطء. كان طارق.

دخل ومعه لاب توب وفلاشة، وش صلب كالعادة، بس عينه فيها تساؤل.

“تفضل يا طارق.. عملت إيه؟”

فتح طارق اللاب توب: “عمر بيه.. سلمى اتعينت من يومين عن طريق شركة توريد عمالة قريبة مننا، الملف بتاعها مكتوب فيه: سلمى محمود العفيفي.. 24 سنة.. مؤهل متوسط.. السكن: حي روض الفرج.”

“كمل..”

“الغريب يا باشا إننا لما راجعنا ورق العمالة اللي جاي من الشركة دي، لقيت طلب التعيين بتاعها متوافق عليه بتوصية خاصة.”

ضيقت عيني: “توصية من مين؟ أنا ما أديتش أوامر بتعيين حد في جناحي!”

“التوصية جاية من مكتب الأستاذ فاروق التلمساني.. محامي والدك القديم.”

جسمي اقشعر. فاروق التلمساني؟ المحامي اللي اعتزل المحاماة من 8 سنين ومحدش يعرف عنه حاجة؟ الراجل اللي كان ماسك كل أسرار أبويا وشركاته؟

“وفين سلمى دلوقتي؟” سألته بحدة.

“تتبعنا خط سيرها بالكاميرات.. خرجت من الفندق الساعة 3:25.. ركبت عربية تاكسي كانت واقفة مستنياها بره الشارع الرئيسي.. مش عربية طلبتها ببرنامج، عربية كانت مركونة بتمشيط محدد أول ما هي خرجت. الكاميرات جابت نمرة العربية، ورجالتي بيتقفوا خط سيرها دلوقتي.”

شغّل طارق فيديو الكاميرات. شفت سلمى وهي طالعة من الممر. كانت ماشية ببطء، حاطة إيدها في جيب المريلة الزرقا، وقبل ما تنزل من السلم الداخلي للفندق، بصت لفوق.. ناحية كاميرا المراقبة بالظبط.

بصت للكاميرا وثبتت عينها ثواني.. وكأنها عارفة إن أنا اللي هكون قاعد بتفرج على التسجيل ده دلوقتي. شفايفها تحركت بجملة واحدة مش مسموعة.

“قرب الزوم يا طارق.. كبر وشها وشفايفها.”

طارق كبر الصورة. عدت اللقطة مرتين وتلاتة، وأنا بحاول أقرأ حركة شفايفها:

“السر مش في الفلوس يا عمر.. السر في البيت القديم.”

قعدت على الكرسي وأنا بحس بالدنيا بتلف بيا. البيت القديم؟ بيتنا في المطرية؟ البيت اللي قفلناه بالضباط والسلاسل من يوم ما أبويا خدني واشترى الفيلا في التجمع وسلسلة الفنادق؟ البيت اللي أبويا حظر عليّ أروح جنبه أو أفتحه؟

“عمر بيه؟ حضرتك كويس؟” طارق سأل بقلق.

“طارق.. جهز العربية. هنطلع على المطرية دلوقتي.”

“المطرية؟ دلوقتي يا باشا؟ الساعة دخلت على 4:30 الفجر! والولاد؟”

“هات طقم الممرضات والأخصائيين اللي تحت، يفضلوا واقفين على باب الأوضة جوه، ومحدش يلمس الولاد طالما نايمين، لو صحوا وعيطوا، يبلغوني فوراً. يلا يا طارق.. مفيش وقت.”

نزلت مع طارق للصحراوي، العربية الفارهة كانت بتشق شوارع القاهرة الفاضية في الوقت ده من الفجر. أفكاري كانت بتتصارع. نادين مراتي الله يرحمها لما حملت في التوائم، كانت ديماً بتقولي: “يا عمر إنت بتبني مستشفى مش بيت.. الولاد محتاجين روح، مش أجهزة.” أنا ساعتها كنت بضحك وأقولها الفلوس بتأمن كل حاجة. ونادين ماتت وهي بتولد، وسابتني لوحدي غرقان في أجهزتي وفلوسي.

وصلنا شارع المطرية القديم. الشارع كان ضيق، البيوت القديمة متلاصقة، والهدوء بيسود المكان إلا من صوت الكلاب الضالة بعيد. العربية وقفت قدام العمارة القديمة المتآكلة، عمارة عيلة المنشاوي اللي بدأت منها كل حاجة قبل ما أبويا يعمل الثروة.

الباب الحديد الخارجي كان مصدي ومقفول بسلسلة قديمة.

طارق نزل ونزل معايا اتنين من أفراد الأمن، وطلع أداة قطع السلاسل.

“نقطع يا باشا؟”

“اه.. اقطع.”

صوت القسَم الحديدي وهو بيتكسر كان يرن في الشارع الميت. دخلنا المدخل. ريحة التراب والرطوبة والزمن العتيق خنقت صدري. طلعنا للدور التاني.. شقة المالك.

الباب الخشبي الكبير كان عليه قفل قديم، بس المفاجأة إن القفل ماكانش عليه تراب! كان لمعة صغيرة تؤكد إن حد فتح القفل ده قريب جداً.

طارق مسك مسدسه وزق الباب ببطء. الباب أئن وهو بيتفتح.

“استنى هنا يا طارق.. ادخلوا معايا برفق ومحدش يعمل دوشة.”

دخلت الصالة. الأثاث القديم كاين متغطي بملائات بيضا زاي الأشباح. التراب مغطي الأرض، لكن كان فيه أثر خطوات أقدام واضحة على التراب.. خطوات رايحة ناحية أوضة النوم القديمة بتاعة أبويا وأمي.

مشيت ورا الأثر. إيدي كانت بتترعش وأنا بمدها وبزق باب الأوضة.

الأوضة كانت فاضية تقريباً، غير خشب قديم، وتسريحة بمراية مكسورة.

وعلى الترابيزة اللي جنب .. كان فيه صندوق خشبي صغير، ومفتوح.

قربت من الصندوق. جوه الصندوق كان فيه كيس قماش تاني، زي اللي كان في الفندق بالظبط، وجنبه صورة قديمة بالأبيض والأسود.

مسكت الصورة.

صورة لأمي وهي صبية، شايالني وأنا طفل عندي سنة.. وجنبها واقفة ست تانية شبهها جداً، ماسكة إيد بنت صغيرة عندها حوالي 3 سنين.

قلبت الصورة.. كان مكتوب على ظهرها بخط أمي:

“عالية وسعاد.. المطرية 2002. سلمى الصغيرة مع ابن اختي عمر.”

عقلي اتوقف عن التفكير.

سلمى.. مش مجرد عاملة نظافة.

سلمى تبقى بنت خالاتي؟ خالتي سعاد اللي أبويا كان بيمنعنا حتي نجيب سيرتها؟

وفجأة.. سمعت صوت حركة خفيفة ورايا في الصالة.

لفيت بسرعة. طارق رفع مسدسه ووجهه ناحية الممر الضيق.

من الضلمة.. خرجت شخصية ماشية ببطء، ماسكة في إيدها عصاية، وبتمشي بخطوات متهادجة.

كانت ست كبيرة في السن، وشها مليان تجاعيد، لكن عيونها.. عيونها كانت بنفس اللون والشكل اللي عمري ما نسيته.

وقفت الست على بعد خطوات مني، بصت في عيني، وابتسمت بتعب وقالت بصوت مألوف جداً:

“كبتك الفلوس والنفوذ يا ابن المنشاوي.. لدرجة إنك البنت اللي جاية تنقذ ولادك؟”

قربت منها خطوة، صوتي طلع محشور في زوري:

“خالتي سعاد؟”

الست هزت رأسها بالرفض وقالت بنبرة خلت الأرض تهتز تحت رجلي:

“لا يا عمر.. أنا مش خالتك سعاد.. سعاد من زمان.. أنا أمك.. أنا عالية.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى