
بدأ يلم هدومه بقلة حيلة، إيده كانت بتترعش وهو بيحط الهدوم في شنطة السفر. كل قطعة هدوم بيشيلها كانت بتفكرني بليلة سهرت فيها أكونم له عشان أشتريها له، بلقمة وفرتها من بؤي عشان هو يلبس ويبان “سيد الرجالة”. طلع من الأوضة وهو شايل الشنطة، وقف عند الباب ورمى المفاتيح على الترابيزة.
* “هتندمي يا هناء..” قالها بصوت مخنوق بالغل. “أمي مش هتسيبك، وشيرين عيلتها تقيلة وهياخدوا حقهم منك.”
بتسمت له ابتسامة هادية وقربت من الباب:
* “خليهم يجربوا يا أشرف.. أنت نسيّت إن الست لما بترمي الخوف من قلبها، مابيبقاش فاضل حاجة تخسرها. بكرة الساعة 10 الصبح، المحامي هيكون مستنيك في المحكمة عشان الإجراءات.. ويا ريت تروح للحجة زكية تقولها تجهز المهر الجديد، عشان الفلوس اللي كانت في البنك باسمك، أنا سحبتها النهاردة الصبح بالتوكيل الرسمي العام اللي أنت عملتهولي زمان.”
وشّه ابيضّ زي الورقة، شفايفه أتحركت من غير ما يطلع منها صوت. هو كان ناسي التوكيل ده تماماً.. كان فاكر إن التوكيل مجرد ورقة في وسط الأوراق، بس أنا كنت حاسبة كل خطوة من اللحظة اللي نزلت فيها من عمارة المنيرة.
فتحت الباب على آخره وزقيته برة الشقة، وقفلت الباب بالمفتاح.. تكة، اتنين، تلاتة.
قعدت على الأرض ورا الباب مباشرة. المسافة اللي بيني وبين الحرية كانت التكة دي. الدموع اللي حبستها طوال الساعات اللي فاتت نزلت أخيرًا، بس مكنتش دموع حزن ولا ضعف.. كانت دموع غسيل لسنوات من السذاجة والنفاق.
تليفوني رن تاني.. المرة دي كان رقم غريب. فتحت الخط وسكت.
جاني صوت ست متوترة، بتحاول تبان قوية بس الخوف باين في نبرتها.. كانت “شيرين”:
* “ألو.. مدام هناء؟ أنا شيرين.. أعتقد إننا محتاجين نتكلم ونحل الموضوع ده عقلاني من غير قضايا وفضايح..”
مسحت دموعي، وقمت وقفت على حيلتي، وبصيت في المراية اللي في الصالة، وقُلت بثبات:
* “نتكلم؟ لا يا شيرين.. الكلام كان زمان. دلوقتي الدور عليكي أنتِ والحجة زكية.. ورجعي لي بقى البلوزة الصفراء اللي كنتِ لابساها، أصلها شكلها رخيص أوي.”
قفلت السكة في وش “شيرين” وسحبت نفس طويل. الصوت اللي كان بيهتز جوايا طوال الساعات اللي فاتت أختفى تماماً، وحل مكانه هدوء غريب.. هدوء الموتى اللي بيسبق العاصفة.
بصيت للموبايل، كانت الساعة قربت على 2 بعد نص الليل. التليفون مابطلش رن؛ رسائل من أشرف بيتوسل فيها ويترجى، ورسائل تهديد متدارية من أخوه الكبير “سامي” بيكلمني فيها عن “الأصول والعيب”، واتصالات متكررة من أرقام غريبة واضح إنها تبّع عيلة “شيرين”. مسكت الموبايل وبدءاً من اللحظة دي، عملت حظر لكل رقم يحاول يوصل لي. أنا مش في مرحلة عتاب ولا كلام، أنا في مرحلة تنفيذ.
طلعت من الصالة ورفعت سماعة التليفون على “محمود”، أخويا الصغير اللي عايش في الإسكندرية. محمود هو السند الوحيد اللي فاضل لي بعد وفاة بابا.
أول ما سمع صوتي وقصيت عليه القصة في دقائق، حسيت بدمه بيغلي عبر الخط:
* “أنا جاي لك حالاً يا هناء.. ساعتين وأكون عندك في أكتوبر، والنعمة ما هسيب ابن زكية ده يلمس قشة واحدة من البيت ولا المحل!”
* “تعال يا محمود.. بس مش عشان نضرب ولا نعمل فضيحة. إحنا هنلعب بالقانون، والقانون بيكسر الضهر أكتر من الشوم.”
ساعتين بالظبط، كان محمود عندي. حضنني وحضن مريم اللي كانت نامت من كتر التعب وهي ماسكة فيا. وجود محمود اداني طاقة أقف على رجليا تاني. قعدنا لحد أذان الفجر بنرتب الأوراق: عقد الملكية، التوكيل العام، حركة الحسابات البنكية اللي سحبتها الصبح، والفيديو الذهبي اللي بيكشف كل خططهم.
مع شروق شمس اليوم الجديد، الساعة 8 الصبح، كنت واقفة مع محمود والأستاذ سامح المحامي قدام بوابة المحل اللي في شارع الشواربي. المحل ده أنا اللي وقفت فيه، وأنا اللي اخترت بضاعته، وأنا اللي شيلت ديونه زمان لما أشرف كان بيخسر.
أول ما وصلنا، لقينا القفل أتقص!
دخلنا الشقة الملحقة بالمحل، لقينا أشرف قاعد جوه ومعه أخوه سامي وواحد تاني من طرف شيرين. كانوا نازلين تفريغ في الفواتير وبيدوروا في الدفاتر زي الفيران، يحاولوا يلاقوا أي ثغرة أو يهربوا البضاعة الغالية قبل ما أتحرك.
أشرف أول ما شافني، وقف بسرعة ووشّه اتغير:
* “هناء؟! أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ المحل ده اسمي مكتوب عليه!”
دخل الأستاذ سامح بثقة، وطلع ورقة رسمية من شنطته ورزعها على الترابيزة قدامهم:
* “كان اسمك مكتوب عليه يا أستاذ أشرف.. دلوقتي المحل بجميع محتوياته وبضائعه ومستحقاته تحت الحراسة القضائية بناءً على طلب المدعية المدام هناء، بموجب التوكيل العام وعقود الشراكة وإيصالات الأمانة اللي محررها بذمتك.”
أخوه سامي قام ورفع صوته وجاي يتطاول:
* “جرى إيه يا محامي أنت؟ أنت جاي تهددنا في ملكنا؟ الست دي ملهاش حاجة عندنا، وأخويا سيبها بالتي هي أحسن، إنما الشغل والفلوس دي حقتنا!”
محمود أخويا قرب منه بخطوة واحدة ورزعه بالرجل في الترابيزة اللي بينهم:
* “حسك ما يعلاش على أختي يا سامي! كلمة زيادة وهخلي الشرطة اللي واقفة برة العمارة تطلع تشيلكم بتهمة السرقة وكسر أقفال محل صادر فيه قرار حراسة!”
أشرف بصلهم برعب، والتفت ليا بصوت مكسور:
* “هناء.. هتوصلينها للشرطة والمحاكم؟ إحنا بيننا عشيرة وبنت!”
قربت منه وشفت في عينيه الخوف الصريح.. الخوف من الضياع، الخوف من إنه يرجع لـ “صفر” بعد ما كان فاكر إنه هيتجوز الست الغنية ويبدأ حياة مرفهة على حسابي.
* “العشيرة أنت قتلتها لما خلتني أجي لحد باب أمك وأسمعك بتبيعني بدم بارد، والبنت أنت نسيت وجودها لما كنت بتبوس إيد الست الصفراء قدام عينيها. الفلوس اللي كانت في البنك؟ طارت يا أشرف.. سحبتها بياض. المحل؟ اترفع عليه قضية تمكين وحراسة. والشقة اللي في أكتوبر؟ غيرت كالونها الصبح والشرطة معاها خبر إنك برة البيت.”
في اللحظة دي، تليفون سامي أخوه رن. فتح السبيكر وهو مفزوع. كانت الحاجة زكية بتصرخ وتبكي بصوت عالي:
* “الحقني يا سامي! الحقني يا أشرف! الشرطة عند الباب في المنيرة ومعاهم محضّر من المحكمة جايين يعملوا معاينة للشقة ويحرزوا الورد والمفارش اللي متأجرة باسم المحل.. ونازلين يفتشوا في الصغة والفلوس! وشيرين وأهلها سابوا الشقة ومشوا وقالوا إحنا ملناش دعوة بفضايحكم!”
أشرف اتسمر في مكانه. الكذبة الكبيرة اللي بناها، والعروسة الجديدة اللي كان فاكرها طوق النجاة، طارت في الهواء بمجرد ما الحقيقة ظهرت. شيرين وأهلها أدركوا إن العريس مفلس ومطلوب للقضاء، فربطوا شنتهم وهربوا قبل ما يلبسوا معاه.
أشرف وقع على الكرسي، ووشه بين إيديه، وبدأ ينتحب بجد المرة دي.. مش بتمثيل:
* “خرّبتي بيتي يا هناء.. دمرتيني ودمرتي أمي..”
بصيت له بنظرة أخيره، نظرة مفيهاش أي شفقة ولا أي ندم، وقُلت له بصوت هادي وواثق هز أركان المحل:
* “أنا مخربتش بيتك يا أشرف.. أنت اللي بنيت بيتك من قش، ولما جت شوية هوى نضاف، طيروه. ده مش الدمار يا ابن زكية.. ده مجرد بداية الحساب.”
مرت تلات أشهر على اليوم ده.. تلات أشهر كانوا كفيلين إن كل واحد ياخد حسابه بالقسطاس المستقيم.
الأستاذ سامح المحامي كمل المشوار للمناقير. قضية الطلاق للضرر اتحكم فيها لصالحي من أول جلسة بعد ما المحكمة شافت فيديو الكاميرا وشهادة الشهود. أخدت حضانة مريم، ونفقة محترمة، وشهادة القاضي اللي قالت في حيثيات الحكم إن الخيانة المتلبسة بالدليل الثابت لا تدع مجالاً للشك في عدم أمانة الزوج.
أما المحل، فاسترديته بالكامل بعد ما أثبتنا بالدفاتر وحركة الحسابات إن كل البضاعة والأصول مدفوعة من شيكات باسمي وورثي. شيلت اليافطة القديمة اللي كان عليها اسمه، وعملت تجديد شامل للمكان.. وسميته “مريم”. المحل بقى يدخل أضعاف اللي كان بيدخله زمان، عشان ربنا لما بياخد منك زيف، بيعوضك بالبركة والصح.
وأشرف؟
الست “شيرين” وأهلها رفعوا عليه قضية رد قيمة شبكة وهدايا كانوا جايبينها له، وبعد ما اكتشفوا إنه مكسور ومحيلتوش ولا مليم، سابوه ورموه زي الكارت المحروق. الحاجة زكية، اللي كانت بتدعى الفقر والمرض عشان تكسر نفسي، جتلها جلطة خفيفة بجد المرة دي من كتر الصدمة والفضايح اللي طالتهم في الحارة، وبقت قاعدة في شقة المنيرة، لا حيلتها قرش، ولا حيلتها الست اللي كانت بتخدمها بعينيها.




