
طول عمر أختي “صفاء” كانت بتقولي الكلمة دي وهي بتبص لمراتي “هدى” من فوق لتحت: “أنت كتير عليها يا كريم.. أنت مهندس أد الدنيا وهي يدوب معاها دبلوم وقاعدة في البيت، لولا إنك اتكرمت عليها واتجوزتها كانت زمانها مدفونة في حارة أبوها”.
-
اتجوز حكايات امانى السيد 2منذ ساعتين
-
اتجوز حكايات امانى السيد 1منذ ساعتين
-
حكايات امانى السيد 2منذ ساعتين
-
حكايات زهره الربيعمنذ 3 ساعات
الكلمة دي في الأول كانت بتعدي عليا عادي، بس مع الوقت، وبفعل زن صفاء المستمر، بدأت تتحول لـ “لطريقه حياتى مع مراتى وانى اشوفعا كده واتعامل معاها من المنطلق ده انها اقل منى . بقيت وأنا داخل البيت بشوف نفسي “المُنقذ” اللي نتشها من الفقر وقلة الحيلة، وبقيت أشوفها هي مجرد ست بيت محظوظة إن اسمي ارتبط باسمها.
كنت بتعمد أقولها في وسط أي خناقة: “أنا لولايا أنا ومستوايا الاجتماعى ، مكنتيش هتحلمي تعيشي في الكومباوند ده ولا تلبسي الهدوم دي”. كنت بشوف الكلمة وهي بتكسر قلبها . في الأول كانت بتحاول تفكرني إنها بتراعي بيتي وبتربي ولادي وبتشيلني في تعبي، بس مع تكرار المقارنات، بدأت تسكت. السكوت ده مكنش اقتناع.. كان استسلام لفكره إني فعلاً “كتير عليها”.
افتكر مرة كنا في عزوِمة عائلية، وكانت أختي صفاء بتتكلم عن شهادتها وشغلها وسفرها برة، وبصت لهدى وقالت بضحكة صفرا: “عقبالك يا هدى.. آه صحيح نسيت، أنتِ أخرك حدود المطبخ”. أنا يومها مدافعتش عنها، بالعكس، ضحكت وشاركت في الهزار وقلت: “الحمد لله إنها لاقية مطبخ زي ده أصلاً تقف فيه وتطبخ .
لمحت في عينيها نظرة انكسار رهيبة، بصت في طبقها وسكتت، وبلعت الإهانة مع لقمة الأكل اللي غصت في حلقها. ومن يومها، مبقتش تطلب تخرج معايا في تجمعات أصحابي أو زمايلي في الشغل، بقت تخاف تقعد وسطهم عشان متتحرجش بمؤهلها أو بطريقتها البسيطة.. وأنا كنت مرتاح لده، عشان مكسفش بيها قدام حد.
السيطرة دي خلتني أحس إني أملكها تماماً، طالما أنا اللي بصرف وأنا صاحب المستوى الأعلى. لحد ما في يوم، صفاء أختي جت وقعدت معايا وقالتلي: “طالما انت ضامن وجودها كده ومبتنطقش، ما تشوف حياتك وتتجوز واحدة من مستواك.. واحدة تشرفك قدام الناس وتفهم دماغك، وهدى تفضل هنا لتربية العيال والبيت”. كلام أختي نزل في عقلي زي البنزين على النار.. قلت لنفسي: “وهي هتعترض؟ هتروح فين بمؤهلها ده؟ تعيش عالة على أخوها؟”
ودخلت عليها بالليل ورميت الخبر
دخلت عليها بالليل ورميت الخبر في وشها ببرود تام، من غير تمهيد ومن غير ما أعمل أي اعتبار لمشاعرها. كنت قاعد على الكنبة، وباصص في تليفوني وهي بتمسح الطاولة، قلت لها بنبرة عادية كأني بطلب كوباية شاي: “هدى.. أنا قررت أتجوز.. العروسة مهندسة معايا في الشركة، ومن مستوايا، وبتفهمني.. وأنتِ طبعاً هتفضلي هنا مع العيال، والبيت هيفضل مفتوح بيا وبخيري”.
كنت متوقع منها صرخة، خناقة، تكسير، أو حتى إنها تلم هدومها وتعيط وتستعطفني. كنت مراقب رد فعلها ومستني أشوف الوجع الخفي في عينيها عشان يغذي إحساس السيطرة اللي جوايا ويأكد لي كلام صفاء أختي إنها “مضمونة”.
لكن اللي حصل زلزلني أنا..
هدى وقفت مكانها، الفوطة وقعت من إيدها في سكات تام. دارت بعينيها في أركان الصالة، كأنها بتدور على الأيام والشقا والتعب اللي ضاعوا في البيت ده. بصتلي نظرة طويلة أوي، نظرة خالية من أي دموع، نظرة باردة وناشفة لدرجة إنها خوفتني لأول مرة في حياتي. مكنش فيها انكسار المرة دي، كان فيها حاجة تانية خالص.. حاجة أشبه بالراحة بعد التعب.
بلعت ريقها، ووطت جابت الفوطة من الأرض، وقالت بنبرة هادية ومستقرة ومفيش فيها أي رعشة: “مبروك يا كريم.. اللي تشوفه، ربنا يسعدك”.
سابتني ودخلت نامت في أوضة العيال. في اللحظة دي، مكنتش عارف ليه محستش بنشوة الانتصار اللي كنت مستنيها. كلامها الهادي وسكوتها المفاجئ ساب جوايا علامة استفهام، بس كبريائي وجملة أختي “هتروح فين بمؤهلها؟” طمنوني.. قلت لنفسي دي الصدمة، وبكرة تظبط وتعرف مقامها لما تشرف ضرتها.
مرت الأسابيع وجه يوم الفرح، وطول الفترة دي هدى مكنتش بتتكلم، بتعمل واجبتها في البيت زي الآلة، مبتطلبش جنيه زيادة، ومبتعلقش على أي تفصيلة. اتجوزت “مروة”، المهندسة الشيك، اللي من مستوايا وتفهم دماغي زي ما كنت فاكر.
مرت الأسابيع وجه يوم الفرح، وطول الفترة دي هدى مكنتش بتتكلم، بتعمل واجبتها في البيت زي الآلة، مبتطلبش جنيه زيادة، ومبتعلقش على أي تفصيلة. اتجوزت “مروة”، المهندسة الشيك، اللي من مستوايا وتفهم دماغي زي ما كنت فاكر.
وطبعاً، عشان برستيجي قدام مروة وأهلها، وعشان أثبت لأختي صفاء إني عملت الصح، أجرت لمروة شقة تانية خالص في حي راقي وجديد، شقة تليق بمهندسة ومن مستوايا. ومن هنا، بدأ الفصل الحقيقي من الإهمال والنسيان لهدى.
بقيت مقسم وقتي بين الشقتين، بس في الحقيقة، أنا كنت عايش مع مروة، وهدى بقت بالنسبة لي مجرد “بيت قديم” بزوره تأدية واجب. بقيت أدخل شقة هدى يدوب يومين في الأسبوع، أدخل ببرود، عيني مش بتيجي في عينها، كأني زاير غريب. بقيت أصرف كل فلوسي واهتمامي على مروة.. خروجات، وسفر، ولبس براندات، وشياكة. أما هدى؟ فبقيت أرمي لها مصاريف البيت والعيال بنشفان ريق، وكل ما تطلب مصاريف زيادة عشان طلبات الولاد اللي بتكبر، كنت بزعق وأقولها: “أنا مش ملاحق على مصاريف الشقتين! لمي إيدك شوية، أنتِ قاعدة في البيت مبتعمليش حاجة ومبتصرفيش على لبس وخروج زي غيرك”.
كنت بشوف الكلمة وهي بتنزل عليها زي ، تبلع غصتها وتسكت وهي باصة في الأرض. الإهمال مكنش بس في الفلوس، ده كان في وجودي نفسه. بقيت لما أروح عندها، أقعد باصص في تليفوني، بكلم مروة أو بتابع شغلي، ولو هدى حاولت تفتح معايا أي موضوع يخص البيت أو العيال، كنت بصدها ببرود: “مش فاضي دلوقتي يا هدى، دماغي مش قايدة”.
أختي صفاء كانت دايماً تتصل بيا وتسألني عن الأحوال، ولما أقولها إني سايب هدى ومقضي كل وقتي مع مروة، كانت تضحك وتقولي: “أهو ده الصح يا كريم.. سيبها كدة مركونة على الرف عشان تعرف قيمتك، وتعرف إنك لولا كرمك وفلوسك مكنش هيبقى ليها سقف يداريها. هي أخرها تربي العيال، إنما الواجهة والشياكة لمروة”. كلام صفاء كان بيملا راسي بالغرور، ويخليني أشوف إن إهمالي لهدى ده حق من حقوقي، وهي لازم ترضى بيه وتستحمله وهي ساكتة لأن ملهاش بديل.
مرت الشهور، وهدى بدأت تنسحب تماماً من حياتي وهي في نفس بيتي. ملامحها اتمحت، وبقت تتحرك في الشقة زي الخيال، مبتطلبش، مبعاتبش، ومبتتكلمش. لو جيت بتلاقي الأكل جاهز والبيت نظيف والعيال ناموا، ولو مشيت بتقفل ورايا الباب في سكات من غير ما تسألني رايح فين ولا هترجع إمتى. بقيت ضامن وجودها لدرجة الموت، ومطمن إنها مهما شافت من إهمال وتقصير، هتقعد في ركنها وتستحمل.
لحد ما جه يوم، وكنت معزوم أنا ومروة عند قرايبنا، والموقف اللي حصل يومها…
والموقف اللي حصل يومها قلب كل الموازين.
كنا قاعدين وسط العيلة، ومروة بتتكلم بكل تفاخر عن شغلها وعن طقم الألماس الجديد اللي اشتريته لها، وسط نظرات الإعجاب والترحيب من الكل. وفجأة، دخلت “هدى”. مكنتش معزومة، لكنها جت عشان ابننا الصغير تعب فجأة وسخن جداً، ومكنتش عارفة تتصرف ولا تلاقيني لأن تليفوني كان صامت.
دخلت هدى الصالة بعبايتها البسيطة ووشها المرهق من قلة النوم والهم. مروة أول ما شافتها، سكتت ولت بؤها، وبصت لي بنظرة كلها قرف وتعالي وكأن هدى حشرة دخلت بوظت برستيجها. أما أختي صفاء، فوقفت بسرعة وبصوت واطي مليان غل وزعيق، أخدت هدى على جنب وقالت لها: “أنتِ إيه اللي جابك هنا بالمنظر ده؟ مكسفتيش وجايلنا وسط الناس بعبايتك دي؟ مكنش فيه تليفون تغوري تتصلي بيه بدل ما تعرينا!”.
أنا وقفت، وبدل ما أخد مراتي وأم عيالي في وأطمن على ابني اللي بيموت من السخونية، بصيت لهدى بغضب وقلت لها: “أنتِ معندكيش دم؟ جاية لحد هنا تقطعي علينا لمتنا؟ اطلعي برة واستنيني في الشقة، ولما أرجعلي حساب تاني معاكي على الجنان ده”.





