
هدى بصت لي.. النظرة دي عمري ما هساها. مكنتش نظرة كسرة ولا قلة حيلة زي كل مرة. كانت نظرة واحدة شافت جثتي قدامها ومبقاش يعني لها وجودي أي شيء. بصت لصفاء ول مروة وللكل بنظرة استحقار رهيبة،
بصت لصفاء ولـ مروة وللكل بنظرة استحقار رهيبة، وهزت رأسها ببطء شديد، ومن غير ما تنطق بكالمة واحدة، ولا حتى توضح إن الولد سخن وبين أيديها بيموت، لفت ظهرها ومشيت. خروجها كان هادي بشكل يرعب، صوت خطواتها وهي نازلة على السلم كان أقوى من أي صريخ أو خناق.
-
اتجوز حكايات امانى السيد 2منذ ساعتين
-
اتجوز حكايات امانى السيد 1منذ ساعتين
-
حكايات امانى السيد 2منذ ساعتين
-
حكايات زهره الربيعمنذ 3 ساعات
يومها، كملت القعدة بالعافية، ومروة قعدت تبرطم وتتحسبن على “البيئة اللي اقتحمت قعدتنا”، وسط ضحكات صفاء أختي وهي بتقول: “معلش يا مروة يا حبيبتي، ناس مبتفهمش في الأصول، أنتِ عارفة البئر وغطاه”. ضحكت معاهم بس طعم الضحكة كان ممرر في بقي. كان فيه حاجة مش مظبوطة، الحركة اللي عملتها هدى والنظرة اللي رمتهالي خلوا قلبي يتقبض على غير العادة.
سيبت العزومة بدري بحجة إن عندي شغل، وركبت عربيتي وطلعت على الشقة القديمة. طول السكة كنت بقوي نفسي وبحضر الكلام اللي ههينها بيه: “أنا ولازم أحط لها حد، لازم تفهم إنها مجرد خدامة للعيال وما تعتبش باب الشقة ده تاني ولا تفكر تحرجني قدام مراتي وأهلي”.
وصلت العمارة، طلعت السلم بخطوات سريعة وعصبية، فتحت الباب بالمفتاح ورزعته ورايا بجلطمة، وزعقت بصوت عالي هز أركان الشقة: “هدى! أنتِ يا هانم! تعالي هنا قوليلي إيه قلة الأدب اللي عملتيها دي؟ كيف تتجرأي وتجيلي وسط الناس كده؟”.
لكن الرد كان.. السكون.
الهدوء في الشقة كان مرعب، ريحة البيت اللي متعود عليها مكنتش هي هي. دخلت الصالة، مفيش حد. جريت على أوضة الولاد، لقيت ابننا الصغير نايم على السرير، وعلى أورته كمادات مية بردة، وحرارته بدأت تهدى، وأختها الكبيرة قاعدة جنبه ماسكة إيده. أول ما شافتني، البنت بصت لي بنظرة كره ووجع غريبة أوي.. نظرة أول مرة أشوفها في عين بنتي اللي عندها عشر سنين.
سألتها بصوت مخنوق: “أومال أمك فين يا مريم؟”.
مريم بصت لي ببرود وقالتلي: “ماما دخلت أوضتها تقفل شنطتها، وقالتلي ألم هدومي أنا وأخويا”.
كلمة “تقفل شنطتها” نزلت على دماغي زي المرزبة. أخدتني رجلي بسرعة لأوضة النوم، فتحت الباب بقوة، ولقيتها واقفة جنب دولابها مفتوح، بتلم هدومها البسيطة وتحطها في شنطة سفر قديمة. مكنتش بتعيط، مكنتش بتتحسر، كانت بتتحرك بسرعة وبنظام غريب، كأنها مرتبة للمشهد ده من شهور طويلة.
وقفت في نص الأوضة، وحاولت أسترد هيبيتي اللي حسيت إنها بتتسرق مني، وزعقت: “أنتِ بتعملي إيه يا هدى؟ اتجننتي؟ أنتِ فاكرة نفسك بتعملي إيه بالشو ده؟ قفلي الشنطة دي وغوري شوفيلك لقمة نعمليها، بلاش الحركات الرخيصة دي!”.
هدى وقفت، وقفت بظهرها مفروض.. ظهرها اللي كنت متعود أشوفه منحني من كثرة المسح والمسح والكسرة قدام أختي قدامي. لفت لي، وبصت في عيني مباشرة، ولأول مرة من سنين أكتشف إن عينين هدى قوية بالشكل ده.
قالت بنبرة حادة وواثقة زي المافيا، نبرة تخرج من واحدة مش خايفة من أي حاجة في الدنيا: “أنا مش بعمل شو يا كريم.. أنا بلم قرفي وبمشي. ابنك كان بيموت، وسخونيته عدت الأربعين، وكنت خايفة يجيله تشنجات، ولما ملقتكش ولا لقيت حد ينقذني، جيتلك عشان أنت أبوه.. بس اكتشفت إن ابنك معندوش أب، وأنا معنديش راجل”.
. حاولت أدافع عن نفسي وقلت بتهتة: “أنا.. أنا تليفوني كان صامت.. وبعدين ما كنتِ بعتيلي مسج! جاية قدام مروة وأختي و…”.
قاطعتني بصوت عالي هز الأوضة، صوت أهتزت له الشبابيك: “بلا مروة بلا صفاء بلا زفت! أنت فاكر إنك كاسر عيني بالقرشين بتوعك؟ فاكر إن الكومباوند والهدوم واللقمة اللي بتذلني بيها كل يوم هما اللي مخليني قاعدة؟ أنا كنت قاعدة عشان العيال، وعشان كنت فاكرة إن جواك بني آدم هينطق في يوم ويقول كلمة حق! لكن أنت مسخ يا كريم.. أنت شغال عند عقد أختك، وهي ممشياك بالريموت كنرف، وأنت زي الأعمى ماشي وراها فاكر نفسك راجل وهو مفيكش ريحة الرجولة!”.
كانت دي أول مرة في حياتنا هدى تعلي صوتها عليا أو تقول الألفاظ دي. إحساس العجز كبس على نفسي، كبريائي اتهان، قمت قربت منها ورفعت إيدي وعيني مليانة شر: “أنتِ اتجننتي يا بت؟ أنتِ بتعلي صوتك عليا؟ نسيتي نفسك ونسيتي أنتِ جاية منين؟ أنتِ ولا حاجة من غيري!”.
مسكت إيدي وهي طايرة في الهوا.. مسكتها بقوة وغضب، وزقت إيدي بعيد عنها بقسوة. بصتلي وقالت بابتسامة سخرية مرعبة: “إيدك دي لو اتفتحت عليا تاني هقطعهالك.. أنا مش هدى بتاعة زمان يا كريم.. أنت هدى بتاعة زمان اليوم اللي دخلت عليا تقول لي قررت أتجوز وشفتك فرحان بكسرتي. من اليوم ده، وأنا عايشة معاك باكل وبشرب وبخدمك وأنا حاطة جزمتي في بؤي، وبحوش كل قرش تسيبهولي، وبترتب مع أخويا اللي أنت بتقول عليه فلاح وجاهز في الحارة!”.
اتسمرت مكانها. أخوها؟ أخوها اللي كنت بتطنز عليه وبقول عليه “عالة” ومبيعرفش يفك الخط؟
كملت كلامها وهي بتسحب الشنطة وتفلها: “أخويا اللي يدوب معاه دبلوم زيا، وقف في ظهري، وأخدلي القرض، وفتحت مشروعي الصغير من وراك في منطقتنا.. مشروع تفصيل وتطريز بسيط، وبقى يدخلي دخل أكتر من المليمين اللي بتديهم لي بذلة كل شهر. أنا مش عالة يا كريم، ولا محتاجة لشهادة الهندسية بتاعتك اللي مخلية عقلك أصغر من عقل طفل. أنا اللي كنت مستحملة عشان البيت، والنهارده البيت ده اتهدم بإيديك”.
خرجت من الأوضة، وراحت لأوضة العيال، جابت مريم وأخوها الصغير اللي كان يادوب قادر يقف على رجله. الشنط كانت جاهزة ومحطوطة جنب الباب.
وقف قدام الباب عشان أمنعها، وجسمي كله بيرعش من الذهول والغضب: “أنتِ هتاخدي العيال وتروحي فين؟ هتروحي تقعدي في الحارة؟ أختي عندها حق.. أنتِ بيئتك هي دي، وعمرك ما هتنضفي!”.
هدى وقفت قدام الباب، وبصت لي من فوق لتحت بنفس الطريقة اللي صفاء أختي كانت بتبص لها بيها، بس المرة دي كانت النظرة مليانة قرف حقيقي، وقالتلي ببرود يذبح: “الحارة اللي مش عجباك دي، فيها رجالة بجد بياكلوا الشهد من عرقهم وبيصونوا كرامة ستاتهم.. مش زي الكومباوند بتاعك اللي مليان قسوة ونقص وعقد نفسية. العيال هيعيشوا معايا، ولو راجل قرب من باب بيت أبوي، المحاكم بيننا يا بشمهندس يا محترم”.
شدت الشنط، وأخدت الولاد من إيديهم، وفتحت باب الشقة، ومشيت.





