
سمعت صوت الباب وهو بيتقفل وراها، وكان الصوت ده عامل زي مكتوم في نص صدري. قعدت على الكنبة في الصالة الفاضية.. الشقة بقت واسعة بشكل يخوف، السكون بقى يصرخ في أذني.
التليفون رن في جيبي. سحبته بإيد بترعش.. كانت صفاء أختي.
-
اكتشفت حكايات رومانى مكرم 1منذ 26 دقيقة
-
اتجوز حكايات امانى السيد 2منذ 4 ساعات
-
اتجوز حكايات امانى السيد 1منذ 5 ساعات
-
حكايات امانى السيد 2منذ 5 ساعات
رديت بصوت مجهد: “أيوة يا صفاء..”.
جاءني صوتها المليان تهكم وسخرية: “إيه يا كريم؟ عملت إيه مع الجاهلة دي؟ طردتها ولا أدتها كلمتين ينفعوها؟ مروة زعلانة جداً ومضايقة من الموقف اللي حصل قدام القرايب، ولازم تتصالح يا كريم بشركة جديدة ولا طقم ذهب، وتفهم هدى دي إنها مجرد خدامة ملهاش كلمة!”.
سكت لحظة.. كلام صفاء اللي كنت بشوفه حكم ومواعظ، بقيت حاسس إنه سم. السم اللي شربته سنين وخلاني أخسر بيتي وعيالي وكرامتي.
قلت لها بنبرة ميتة: “هدى سابت البيت وأخدت العيال ومشت يا صفاء..”.
صفاء ضحكت بأعلى صوتها، ضحكة صفرا هزت سماعة الفون: “يا راجل! مشت راحت فين يعني؟ هتلاقيك كبرت الموضوع وهي راحت تهددك بأخوها الفلاح! بكرة الجوع يقرصها وهي والعيال، وتجيلك زاحفة على بطنها جزمتك عشان ترجعها! هي هتروح فين بمؤهلها ده؟ هي تطول أصلاً؟ سيبها أسبوعين تتأدب وتعرف مقامها.. تعالي بس اسهر معانا عند مروة وغير جو!”.
قفلت السكة في وش صفاء من غير ما أرد. لأول مرة في حياتي أكتشف إن أختي مش خايفة عليا ولا عايزه مصلحتي، أختي كانت بتغذي نقصها هي فيا، كانت بتستخدم ضعفي عشان تحس إنها الأحسن والشهادة الأكبر.
عدى الأسبوع الأولاني..
في الأول، الكبرياء كان واكلني. قلت لنفسي كلام صفاء صح، هدى معندهاش ملجأ، أخوها مش هيستحمل مصاريف العيال، والمشروع اللي بتتكلم عليه ده أكيد كلام فارغ بترعبني بيه. كنت بروح لمروة الشقة الجديدة، بس الجو هناك مكنش زي ما تخيلت.
مروة مكنتش هدى. مروة كانت مهندسة شيك ومثقفة، بس مكنتش بتعمل كوباية شاي من غير ما تطلب قصادها دليفري أو تطلب شغالة تنضف الشقة. مروة مكنتش بتسألني مالك لما أرجع تعبان، كانت بتسألني: “جبت الفلوس اللي قلتلك عليها عشان القسط؟”. مروة كانت طول الوقت بتتكلم عن زمايلها في الشركة، وعن سفرياتها، وعن برستيجها قدام أهلها.
حسيت لأول مرة إن البيت الجديد ده مش بيت.. ده مجرد معترض صفقات، مجرد واجهة اجتماعية عشان أتقال “جوز المهندسة”. مفيش دفا، مفيش ريحة الأكل الطيب، مفيش الست اللي كانت بتستناني عند الباب بتفرك إيديها وتسألني عن تعبي وتتحمل عصبيتي.
مرت ثلاثة أسابيع، وهدى مبعتتش رسالة واحدة، ولا اتصلت تطلب مليم.
العيال غابوا عن المدرسة أيام، ولما اتصلت بالمدرسة أعرف، قالولي إن أمهم نقلت ملفاتهم لمدرسة تانية جنب بيت جدهم!
الخبر نزل عليا زي الصدمة. نقلت العيال من غير إذني؟ من غير ما ترجعلي؟
جريت على العربية وطلعت على منطقتها.. الحارة القديمة اللي كنت بستحقّرها وبتكسف أدخلها.
وصلت هناك.. كانت المنطقة زحمة، بيوتها متقاربة، والناس عارفين بعضهم. ركنت عربيتي الحديثة في أول الحارة، ونزلت أدور على بيت أبوها. الناس كانوا بيبصولي بنظرات غريبة.. نظرات عرفت فيها إنهم عارفين القصة كاملة.
وصلت قدام البيت، لقيت محل صغير تحت البيت، عليه يافطة جديدة مكتوب عليها بخط عريض جميل: “أتيليه هدى – للأزياء والتطريز”.
وقفت مذهول.. المحل كان مليان إضاءة، وفيه مكن خياطة حديث، وجوا المطبخ واقفة هدى، مع أربعة ستات شغالين معاها، وهي بتمسك القماش وتقص بثقة وتوجههم، ولابسة طقم بسيط بس أنيق جداً، ووشها مليان حيوية ونور عمره ما كان موجود وهي عايشة معايا في الكومباوند!
كانت بتضحك.. ضحكة صافية من قلبها وهي بتتكلم مع زبونة، ضحكة أنا مسمعتهاش منها من سنين.
المشهد شل حركتي. هدى مش قاعدة بتصرخ ولا بتشحت، هدى واقفة على رجلها، وناجحة، ومبسوطة.
وفجأة، خرج أخوها من المحل، أول ما شافني واقف، ابتسم ابتسامة قاسية وقرب مني بخطوات هادية، وقف قدامي وقال بنبرة رجولية ثقيلة: “خير يا بشمهندس؟ جاي تدور على حاجة ضايعة منك هنا؟”.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”






