صحة و جمال

١٨ سنه حكايات اسما السيد 2

مرت ليلة أزل الأولى بعد ذلك اللقاء ككابوس طال أمره؛ لم تذق فيها طعم النوم. كانت أطياف شاهين تحاصرها في كل زاوية من زوايا البيت الكبير الذي بناه زوجها الراحل. ذلك البيت الذي طالما بدا لها كقصر عاجي بارد في الغربة، صار اليوم مجرد سجن جدرانه متخمة بالذكريات الأليمة.

مع بزوغ الفجر، جلست أزل في شرفة غرفتها تتأمل حقول القرية الممتدة. تحولت الفتاة الخائفة ذات الـ18 عاماً إلى استشارية يشار إليها بالبنان، لكنها في حضرة شاهين عادت تشعر بقلة الحيلة ذاتها. غير أن هذه المرة كان هناك شيء مختلف؛ لم تعد استسلامها السابق ممكناً، فلديها ولد يتوجب عليها حمايته، وكرامة طبية وإنسانية شيدتها بدموعها عبر خمسة عشر عاماً.

في الصباح الباكر، ارتدت أزل ملابسها العملية بحزم، وانطلقت إلى الوحدة الصحية قبل الجميع. كانت تريد أن تغرق نفسها في العمل كي لا تترك لعقلها مساحة للتحليل والأسى. دخلت مكتبها، وبدأت مراجعة الملفات المكدسة بكثافة، لكن الهدوء لم يدُم طويلاً.

في تمام التاسعة صباحاً، اقتحم صوت سيارات ضخمة باحة الوحدة الصحية. نظرت أزل من النافذة لتجد سيارة شاهين السوداء تقف في منتصف الساحة، يرافقها عدد من المهندسين والمشرفين المحملين بخرائط وأجهزة قياس مساحية.

لم يمضِ سوى درجات معدودة على السلم حتى سمعت وقع خطواته الثقيلة المعتادة في الممر. دخل شاهين رفقة مدير الوحدة، وكان يتحدث بصوت نافر يأمر ويوجه:

— الممر ده لازم يتوسع نص متر كمان.. المستشفى دي مش شغالين فيها للهواية، ده جناح أورام وأطفال، الدخول والخروج لازم يكون بمرونة كاملة.

توقف شاهين عند باب مكتب أزل، ونظر إليها وهي تجلس خلف مكتبها تحاول تجاهل وجوده.

ابتسم مدير الوحدة بقلة حيلة وقال:

— صباح الخير يا دكتورة أزل.. البشمهندس شاهين حب يبدأ المعاينة الميدانية من أول الساعات عشان يتفادى تعطيل الشغل.

رفعت أزل رأسها بثبات، ونظرت لعينيه الحادتين اللتين تحصنان نفسيهما ببرود مصنع:

— صباح النور. بس يا بشمهندس شاهين، التوسع في الممر ده هيجي على حساب غرفة الكشف الخارجي الخاصة بقطاع الأطفال، وده مرفوض طبياً.

توقف المهندسون عن الحركة، وساد صمت مشحون في الممر. خطى شاهين خطوات داخل المكتب، ووضع كفيه على طرف المكتب العريض ومال بجسده نحوها:

— مرفوض؟ كلمة مرفوض دي تقوليه في العيادة لمريض، لكن هنا فيه مهندسين ومخططين فاهمين يعني إيه مسارات حركة ورعاية مركزة. الجناح الجديد مش لعبة يا دكتورة.

ردت أزل بنبرة حازمة دون أن تتراجع إنشاً واحداً:

— والطب مش رسم هندسي على ورق يا بشمهندس! الراحة النفسية والمساحة المخصصة للأطفال وذويهم جزء من العلاج. لو التعديل هيأثر على جودة الرعاية الطبية، يبقى المعمار كله محتاج يتراجع.

تأملها شاهين لثوانٍ؛ كان واضحاً أن صلابتها ومواجهته بهذا الشكل تثير في داخله مزيجاً من الغيظ والإعجاب المكتوم. لم تكن هذه أزل التي تدعس على مشاعرها وتبكي في الزاوية؛ بل امرأة تقف أمامه كشريك وخصم في آن واحد.

اقترب منها أكثر، ونزل بصوته إلى نبرة خفيضة لا يطالها أذان المهندسين الواقفين بالخارج:

— أنتي فاكرة إنك لما تقفي قدامي وتحاولي تعطل الشغل، هتبيني إنك قوية؟ القوة مش في الكلام، القوة في إنك تحافظي على مكانيتك وتعرفي حدودك.

ردت أزل بهمس أشد قسوة:

— حدودي هي مصلحة المريض يا شاهين.. وأنا هنا مش عشان أثبتلك حاجة، ولا عشان أدخل معاك في تصفية حسابات قديمة. لو جاي تخدم البلد، أهلاً بيك، لكن لو جاي تتأنق بنفوذك وتكسرني.. فده مش هيحصل.

قبل أن يجيب شاهين، ارتفع صوت حركة غير طبيعية في الساحة الخارجية، وتبعه صوت صراخ نسائي يعلو بالدعاء والاستغاثة:

— الحقوني يا دكاترة!! الولد بيموت مني!!

ركضت أزل فوراً متجاوزة شاهين والمهندسين دون اهتمام. خرجت إلى الباحة لتجد امرأة قروية تبكي بحرقة وهي تحمل طفلاً لم يتجاوز السادسة من عمره، كان وجهه شاحباً كالأوراق الميتة، وجسده يرتجف بشدة وسط صعوبة بالغة في التنفس.

— ماله الولد؟ سألت أزل وهي تجثو على ركبتيها فوراً في التراب بجانب الأم، غير أبهة بثوبها الأبيض الذي اتسخ بالطين.

— أكل حتة أكل وسد نفسه يا دكتورة.. مش قادر يتنفس وشفايفه ازرقت!!

تجمهر الموظفون والمهندسون، وخرج شاهين إلى الباحة ليشاهد الموقف. انقلبت ملامح أزل في لحظة من المرأة المشدودة عاطفياً إلى الدكتورة المحترفة السريعة البديهة. لم تتردد؛ حملت الطفل ببراعة وسرعة وخبرة سنين طويلة في الطوارئ، وضعته على زاوية كرسي خشبي في الساحة، وبدأت تجري له مسعفات الانسداد الرغامي (مناورة هيمليك) بكل قوتها.

كانت تضغط على بطن الطفل وتصرخ للممرضة:

— هاتوا انبوبة أكسجين فوراً! وجهاز الشفط!!

كان شاهين يراقب المشهد بذهول مكتوم. رأى فيها نبل المهنة وإنسانيتها الفائقة؛ لم تفكر في هيئتها ولا في وجود الناس، كانت تقاتل لأجل روح ذلك الطفل وكأنها تدافع عن روح ابنها آدم. رأى تعرق جبهتها وشدة تركيزها وعينيها اللتين تلمعان بالخوف والإصرار.

وفجأة، سعال الطفل بقوة، وخرجت قطعة الطعام العالقة، وأخذ نَفَساً عميقاً متقطعاً وهو يبكي بصوت عالٍ.

تنفست أزل الصعداء، واحتضنت الطفل لرأسها بلطف وهي تهدئه:

— الحمد لله.. الحمد لله يا حبيبي، أنت كويس دلوقتي..

انهالت الأم على يدي أزل تقبلهما بالدموع، بينما رفعت أزل رأسها وهي تمسح جبهتها بكفها الاتسخ بالطين، لتلتقي بعيني شاهين الواقف على بعد أمتار.

كانت نظرة شاهين في تلك اللحظة مختلفة تماماً؛ خلت من البرود، وخلت من القسوة التهكمية. كانت نظرة تفيض بذهول وحنين قديم، وكأن الجدار الجليدي الذي بناه حِقداً طوال سنوات الفراق قد بدأ يتشقق أمام نبل هذه المرأة وصمودها.

أمرت أزل الممرضات بنقل الطفل للداخل لنقله على الأكسجين وتدفيئه، ثم وقفت ونسقت ثوبها.

اقترب شاهين منها ببطء، ومد يده بطريقة عفشية ليناولها منديل ورقي من جيبه:

— مسحي وجهك.. فيه طين.

نظرت أزل للمنديل ثم لعينيه، وأخذت المنديل بثبات دون أن تتلامس أيديهما:

— شكراً.

قال شاهين بصوت خفيض، خالي من أي تصنع:

— شغل عالي يا دكتورة.. الموقف كان محتاج جراءة وسرعة.

ردت أزل بنبرة هادئة تعلوها كبرياء جريح:

— ده واجبي يا بشمهندس.. أنا اتعلمت في الغربة إن الحياة غالية، وإن إنقاذ بني آدم يسوى كل فلوس الدنيا.. اللي تقدر تشتري كل حاجة إلا الروح والنخوة.

شعر شاهين بطعنة كلماتها الخفية، لكنه لم يرد بأسلوب هجومي هذه المرة. اكتفى بالنظر إليها وقال:

— الخطة الهندسية لممر الأطفال.. هتقعدي معايا ونراجعها سوا، عشان نضمن إن صحة الأطفال ما تتأثرش.

سرت موجة غريبة في ممرات الوحدة؛ لقد التقت القوتان، وبدأ الصراع يتحول من انتقام شخصي إلى مواجهة بين كبرياء رجل أثرى من العدم، وامرأة بنت نفسها من القاع.

في ظهر اليوم نفسه، استُدعيت أزل لمكتب مدير الوحدة لمراجعة تعديلات الخرائط. عندما دخلت، كان شاهين يجلس وحده يراجع المخططات. لم يكن المدير موجوداً.

توقفت عند الباب:

— فين دكتور سامح؟

— طلبته حالة طارئة في المجمع الطبي المالي، وقالنا نبدأ نراجع التفاصيل. قالها شاهين وهو يشير للكرسي المقابل له.

ترددت أزل، ثم تقدمت وجلست على طرف الكرسي. فتح شاهين الخريطة الكبيرة وأشار بسبابته:

— هنا.. لو حركنا القاطع ده مترين للورا، هنديكي المساحة اللي أنتي عاوزاها لعيادة الأطفال، وفي نفس الوقت هنحافظ على عرض الممر. إيه رأيك؟

مالت أزل فوق الخريطة لتدرس المخطط. كان قربها الجسدي منه يثير في الهواء توتراً لا يطاق. تنفست رائحة عطره الخشبي، وكان هو يراقب حركة عينيها وشعرها المربوط للورا بانتظام.

فجأة، نطق شاهين بغير مقدمات دون أن يرفع عينيه عن الخريطة:

— أمك.. لسه قاسية زي زمان؟

توقفت أزل عن النظر للخريطة، ورفعت عينيها إليه بذهول.

أكمل شاهين بنبرة شابة تعود لسنوات الخوالي:

— أصلها لما كانت بتشوفني معدي جنب بيتكم، كانت بترميني بأبشع الكلام.. كانت شايفاني نكرة. لما عرفت إنها هي اللي غصبتكي.. حسيت إن الدنيا اتكررت معايا تاني.

تجمعت الدموع في عيني أزل، لكنها حبستها بقوة:

— أمي اختارت اللي هي شايفاه صح يا شاهين.. كانت شايفه إن الفلوس والستر بييجوا من الراجل الغني المقتدر، وأن الحب كلام فارغ بيموت مع أول أزمة. وهي دلوقتي عيانة، كبرت وكرسيها المتحرك هو كل دنيتها.. والفلوس اللي مراد سابها ما جابتلهاش الصحة ولا رجعتلي سنين شبابي اللي ضاعت.

ساد صمت ثقيل بينهما. وضع شاهين القلم من يده، واستند بظهره للمقعد:

— أنتي فاكرة إن أنا عشت سديد ومبسوط؟ أنتي فاكرة إن الشركات والملايين دي جت بس هدايا؟ أنا اشتغلت في الفاعل.. شلت أسمنت على كتفي لحد ما ضهري اتكسر.. سافرت وعشت في حسرة، وكل ما كنت بطلع درجة في النجاح، كنت بقول لنفسي: “أزل باعتك عشان الفلوس.. لازم تبقى أغنى منه ومن بلدها كلها”.

صدمت كلماته الصريحة أزل. كانت هذه أول مرة يعترف فيها شاهين بالدافع الحقيقي وراء صعوده الصاروخي؛ لم يكن مجرد طموح، بل كان جرحاً ينزف يغذيه حب لم يمت ورغبة في إثبات الذات أمام امرأة ظن أنها خذلته.

قالت أزل بصوت مبحوح:

— أنا مابعتكش يا شاهين.. أنا اتكسرت. الفرق بيني وبينك، إنك طلعت من الكسرة دي ومعاك حرية تبني نفسك.. لكن أنا اتقفلت عليا أبواب وسلاسل، وكان مفروض عليا أكون زوجة لرجل أكبر مني بضعف عمري، وأم لطفل وأنا لسه طفلة. لو كنت تعرف النقطة دي.. كنت رحمتني شوية.

نهض شاهين من مقعده وفجأة، واقترب من النافذة يطل منها على الساحة، وظهر الشد الواضح في كتفيه العريضين. كان خوضه في هذا الماضي يفتت كل الدفاعات التي بناها.

وقبل أن تستطرد أزل، دخل آدم ابنهما فجأة إلى المكتب يحمل حقيبته المدرسية:

— ماما! أنتي لسه مخلصتيش؟ أنا مستنيكي بره من بدري عشان نروح نشتري مستلزمات المدرسة.

توقفت أزمة الحديث فوراً. التفت شاهين ليرى آدم يقف عند الباب، ينظر إليه بفضول واستغراب.

نظر شاهين إلى الولد، ثم التفت لأزل وقدم خطوة نحوها:

— نكتفي بكتة النهاردة يا دكتورة.. التعديلات دي هتنزل للموقع بكرة الصبح.

ثم التفت لآدم وناداه بصوت هادئ، محاولاً السيطرة على انفعالاته:

— تعال يا آدم.. تعال يا حبيبي.

تقدم آدم خطوات بحذر. وضع شاهين يده على كتف الفتى، وكانت يده عريضة ودافئة:

— أمك دكتورة عظيمة يا آدم.. حافظ عليها، واعرف إنك شايل اسم عيلة، بس لازم تطلع راجل بجد.. يعتمد عليه، وما يظلمش حد.

نظر آدم لشاهين بإعجاب شديد وقال:

— أنا باطلع الأول دايماً في المدرسة يا بشمهندس، وعاوز أطلع مهندس زيك عشان أبني شركات كبيرة!

ابتسم شاهين ابتسامة صادقة نادرة ظهرت على شفتيه، وانحنت الخطوط قرب عينيه:

— إن شاء الله هتطلع أحسن مني.. بس أتعلم الأول إن المباني العالية بتبدأ من أصل متين.. وأصلك هنا في البلد دي.

خرج شاهين من المكتب بخطوات ثقيلة، مفسحاً المجال لأزل وابنها.

ظلت أزل تنظر في أثره. لم يعد اللقاء بينهما مجرد مواجهة بين الماضي والحاضر، بل صار صراعاً بين حقائق غائبة وكبرياء متجذر. عرف شاهين الآن الحقيقة، لكن هل تتغلب الحقيقة على سنين الجفاء؟ وهل يستطيع قلب أزل المجروح أن يسامح قسوة شاهين الابتدائية، أم أن القدر يخبئ لهما مواجهة أشد وقسوة أعظم في قادم الأيام؟

خرج شاهين من الوحدة الصحية وترك خلفه جمرًا يتأكل تحت الرماد. بالنسبة لأزل، لم تكن حقيقة كشفها لسر مجيئها مجبورَة سوى خطوة أولى في طريق شائك؛ فشاهين الذي ظن لعقد ونصف أنها باعت حبه بالمال، أصبح يتأرجح الآن بين بقايا كبرياء مكسور وشكوك قاتلة حول قسوة الظروف التي مرت بها.

مرت الأيام التالية محملة بتوتر مكتوم. شاهين لم يبتعد، بل كثف وجوده في موقع بناء الجناح الجديد. كان يتردد يوميًا، يتابع أعمال الخرسانة والتجهيزات الفنية بنفسه، يوجه العمال بنبرة صارمة، لكن عينيه كانت تسرقان النظر باستمرار نحو شباك مكتب أزل في الدور الأول.

أما أزل، فقد انغمست في عملها بالوحدة بين رعاية المرضى ومتابعة حالات الأطفال، تحاول قدر الإمكان أن تبقي المسافة الرسمية بينها وبين هذا الرجل الذي يقلب كيانها برؤيته فقط.

في صباح يوم خريفي غائم، ورد بلاغ عاجل للوحدة الصحية عن وقوع حادث سير مروع على الطريق الزراعي السريع المتاخم للقرية. سيارة نقل اصطدمت بحافلة صغيرة تنقل عمالاً وأطفالاً متوجهين لمدارسهم.

انقلبت حالة الهدوء في الوحدة إلى استنفار تام. تعالت أصوات سيارات الإسعاف، وبدأت الحالات الوافدة تتدفق على أروقة المستشفى. خرجت أزل مسرعة بثوبها الطبي، تقود الطاقم الطبي بكفاءة عالية، تصنف الإصابات، وتوزع المهام بين غرف الطوارئ والعمليات الصغرى.

في غضون دقائق، امتص الممر والباحة الخارجية أعدادًا كبيرة من المصابين وأهاليهم الثائرين.

كان شاهين في موقع البناء القريب عندما سمع الفوضى وصراخ الأهالي. ترك خرائط الهندسية وركض فورًا نحو ساحة الوحدة. عندما دخل الممر الرئيسي، رأى أزل في منتصف الملحمة؛ شعرها الذي تحرر بعضه من العقدة، ووجهها المغطى بقطرات العرق، وثوبها الأبيض الذي تخضب بدماء المصابين وهي تجثو على الأرض لتنقذ مصابًا تلو الآخر.

لم يتردد شاهين لحظة. أشار لعماله ومشرفيه بالتدخول فوراً:

— ينزل كل العمال يساعدوا التمريض! شيلوا الأسرة الفاضية وجهزوا الممر الخلفي لاستقبال الحالات البسيطة!

تحول المهندس ورجل الأعمال المليونير إلى مسعف ومتطوع في ثوانٍ. شمر عن ساعديه، وبدأ يحمل المصابين بجسده القوي، يفسح الطرقات، ويوجه الأهالي الغاضبين بصوته الجهوري للابتعاد لفسح المجال أمام الأطباء.

في خضم تلك المعمعة، أُحضر طفل في الثامنة من عمره كان ينزف بشدة من شريان في قدمه، وكانت أمه تصرخ بهستيرية. جثت أزل إلى جواره وضغطت على موضع النزيف بكل قوتها، لكن الطفل كان يرتجف ويدخل في شوك إصابي (صدمة نزفية).

— محتاجة أربط الشريان هنا فورًا!! صرخت أزل للممرضة التي كانت مشغولة بحالة أخرى. — مسك معايا يا دكتور سامح!

لكن مدير الوحدة كان يصارع لإيقاف نزيف مصاب آخر في غرفة الملاحظة.

في تلك اللحظة، ظهر شاهين فجأة بجانبها، وجثى على ركبتيه في الدم والطين بجوارها دون أن يرف له جفن:

— أعمل إيه يا أزل؟ قوليلي أساعدك إزاي!

نظرت إليه أزل بذهول خاطف، لكن الموقف لم يكن يحتمل التردد:

— اضغط بكل قوتك على النقطة دي فوق الركبة يا شاهين! أوعى تسيبي إيدك مهما حصل لحد ما أجهز الخيط والأدوات!

وضع شاهين كفيه القويتين على ساق الطفل وضغط بصلابة، عينوه ثابته على يدي أزل التي تتحركان بسرعة فائقة ومهارة جراحية مذهلة. كانت تعمل تحت ضغط رهيب، وصوت صراخ الأهالي يملأ المكان، لكنها كانت كالمنارة في وسط العاصفة.

بعد دقائق من التوتر العالي، استطاعت أزل ربط الوعاء الدموي النازف وتثبيت حالة الطفل. رفعت رأسها وتنفست الصعداء، لتجد شاهين يمسك بساق الطفل بذات القوة، وعيناه لا تفارقان وجهها.

— خلاص يا شاهين.. النزيف وقف.. تقدر تخفف الضغط بالراحة. قالتها بصوت مبحوح من التعب.

أرخى شاهين يديه الملطختين بالدماء، ونظر للطفل الذي بدأ يستعيد أنفاسه الهادئة، ثم نظر إلى أزل. كانت وجهها قريبًا جدًا منه، ورائحة الدم والخوف تمتزج بعبير انفاسها المجهدة.

— أنتي بطلة يا أزل.. قالها بصوت خفيض عميق، لم يكن نابعًا من رجل أعمال يقيّم طبيبة، بل من عاشق يرى أميرته تضيء وسط ركام الحياة.

تلاقت أعينهما لثوانٍ معدودة، ذابت فيها كل حواجز السنين وقسوة الاتهامات. رأى في عينها التعب والوجع والحب المكتوم، ورأت هي في عينيه الخوف عليها والحنان القديم الذي ظنت أنه مات للأبد.

مع حلول المساء، بدأت الأوضاع تهدأ في الوحدة الصحية بعد نقل الحالات الحرجة إلى مستشفى المحافظة واستقرار باقي المصابين.

كانت أزل تجلس في مكتبها، منهكة كليًا، أطلقت شعرها للوراء وأسندت رأسها على المكتب. كانت يداها ترتجفان من أثر الإجهاد البدني والنفسي.

ُدق الباب ببطء.

— اتفضل..

دخل شاهين. كان قد غير قميصه الملطخ بالدماء وارتدى قميصًا داكنًا آخر، لكن نظرة التعب كانت واضحة على ملامحه الحادة. كان يحمل في يده كوبًا من الشاي الساخن ورغيف خبز دافئ من أحد المخابز المجاورة.

وضع الكوب والخبز على مكتبها بهدوء.

— اشربي ده.. أنتي مأكلتيش حاجة من الصبح.

نظرت أزل للكوب ثم إليه، وابتسمت ابتسامة باهتة خفيفة:

— شكراً يا شاهين.. تعبت نفسك معايا النهاردة. الوقفة اللي وقفتها في الساحة ما يعملهاش غير ابن بلد أصيل.

جلس شاهين على الكرسي المقابل، ونظر إليها بتمعن طويل، ثم قال بصوت هادئ خالي من القسوة:

— أنا شفتك النهاردة يا أزل.. شفت أزل الحقيقية. شفت إزاي بتعافري وتنقذي الناس ونانسية نفسك خالص.

ساد الصمت لبرهة، قبل أن يكمل شاهين وهو ينظر ليديه:

— أنا طول الـ15 سنة اللي فاتوا، كنت كل ما بنجح أو أعمل قرش، أقول لنفسي: أزل مشيت عشان الفلوس، أزل اختارت العز. كنت بصبر نفسي بالكره عشان أقدر أعيش وأكمل.. عشان لو ما كرهتكيش، كنت هموت من الشوق والوجع.

ترقرققت الدموع في عيني أزل، ولم تستطع هذه المرة مسحها.

أكمل شاهين ونبرته تخترق صدرها:

— بس لما شفتك بتنقذي الولد في الطين، ولما شفت القسوة اللي في عينيك لما بتفتكري اللي حصلك.. عرفت إن أنا كمان ظلمتك. أنا قسيت عليكي لما رجعتي، لأن الجرح كان لسه ينزف، وكنت فاكر إنك جاية تتكبّري عليا بدكتوريتك وفلوس مراد.

قالت أزل بصوت يخنقه البكاء:

— أنا عمري ما تكبرت عليك يا شاهين.. أنا رجعت هنا لأن دي بلدي، ولأن البيت ده هو المكان الوحيد اللي اقدر أربي فيه آدم بعيد عن طمع قرايب مراد في الخليج بعد وفاته. أنا خرجت من تجربة مراد ست مكسورة، ماليش غير شغلي وابني.. وأمي اللي راحت صحتها وما بقاش ليها غيري.

قام شاهين من مقعده وخطى خطوات هادئة حتى وقف بجانب مكتبها. مد يده ببطء شديد، ورغم كل التحفظات، وضع أنامله الخشنة على طرف يدها المرتجفة على المكتب.

شعرت أزل بكهرباء تسري في جسدها، لم تسحب يدها، بل تركتها تستكين تحت دفء كفه.

— أنا مش هقدر أغير اللي فات يا أزل.. قال شاهين بهمس موجوع. — ولا أقدر أرجع سنين شبابنا اللي ضاعت في القهر والغربة. بس أنا موجود دلوقتي.. ومش هسمح لأي حاجة تكسرك تاني.

رفعت أزل عينين مليئتين بالدموع والرجاء:

— بس فيه آدم يا شاهين.. وفيه كلام الناس، وفيه أمي اللي لسه شايفاك السبب في كل حاجة وحشة.. وفيه جدار كبير بيننا اتبنى في 15 سنة.

انحنى شاهين قليلاً، ونظر في عينها مباشرة بثبات صلب:

— الجدار ده أنا اللي بنيته يا أزل.. وأنا اللي ههدمه حجر حجر. وآدم ابنك هيبقى زي ابني، واللي يقربلك أو يمسك بكلمة، هسحقه قبل ما يوصلك.

في تلك اللحظة المشحونة بالأمل والاعترافات الدافئة، فتح باب المكتب فجأة دون أن يطرق.

كانت تسبق الدخول امرأة أربعينية بأناقة صارخة، ترتدي ثيابًا فاخرة وجواهر تلمع، وعلى وجهها علامات الغضب والتعالي. خلفها كان يسير “عدنان”، ابن عم مراد الشافعي، الرجل الذي طالما حاول السيطرة على تركة مراد في الخليج.

تجمعت أزل فوراً وسحبت يدها من تحت يد شاهين، ووقفت بصلابة:

— عدنان؟! إيه اللي جابك هنا؟

ابتسم عدنان ابتسامة خبيثة وهو ينظر لشاهين ثم لأزل:

— جيت أخد حق ابن أخويا يا دكتورة.. جيت أخد آدم وتركة مراد اللي رحتي تهرب بيها في الأرياف مع حبيبي القديم!

وقفت المرأة الأنيقة بجانب عدنان وقالت بنبرة حادة:

— ونحن مش هنسيب عيل من عيلة الشافعي يتربى في الفقر والإهمال ده، خصوصًا لما تكون أمه مش فاضية له ونازلة مع الهوانم والأفندية!

اشتعلت عينا شاهين بالنار، وتقدم خطوة واحدة حاسمة ليقف كالسد المنيع أمام أزل، وجسده الضخم يغطيها بالكامل:

— أنتي مين يا ست أنتي وهو؟ وبتتكلموا مع الدكتورة أزل بأمارة إيه وفي ملك مين؟!

رد عدنان بتحدٍ ووقاحة:

— أنا عم آدم والوصي الشرعي عليه وعلى أملاكه بعد وفاة مراد.. وأنت مين بقى عشان تدخل بيننا؟ ولا أقولك.. أنت البشمهندس شاهين اللي كانت الأخت أزل بتحب زمان وقبل ما تتجوز مراد؟

ساد صمت قاتل في الغرفة، وانقبضت يد شاهين لتتحول إلى قبضة حديدية، بينما شعرت أزل بأرض الغرفة تميد من تحت قدميها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى