
أول ما فتحت الباب، كان العريس واقف على رجليه ومستند بصعوبة على العكاز، وعينيه طالع منها شرار يكتوي بيه أي حد قدامه. وراه كان واقف الشاب اللي بيساعده ومعاه حارسين جسمهم زي الحيطة. أول ما شافني، ابتسامة السخرية والغل عادت على وشه من تاني، وقال بنبرة حادة وواثقة: “أهلاً يا ست العاقلة.. جيت لك في بيتك تاني عشان تشوفي بنفسك إن كلمتي هي اللي بتمشي، وإن الفلوس اللي تتسفهي بيها بتجيب أختك لرجلي زي الخدامة!”.
وقف قدامه بثبات وأنا حاطة إيدي في وسطي، وقفل مساحة الرعب اللي كان بيحاول يبثها في المكان، وقلت له بنبرة أبرد من التلج: “أنت فاكر لما تقف على رجليك بالعكاز وتجيب معاك حراسين وتزعق في نص الليل هترعبنا؟ أنت مجرد إنسان مريض وشبع بعد جوع، داخل البيوت تتفرد بعقدك النفسية وتضرب واحدة ست وتستقوى عليها بالخيزرانة لأنك عارف إنك في الحقيقة ضعيف ومش قادر تملا عين حد!”.
-
نظام الثانوية العامة الجديد 2024 في مصرأغسطس 7, 2024
-
أسعار الذهب اليوم وتاثيره علي الاقتصاد المصريأغسطس 7, 2024
كلامي نزل عليه زي الصاعقة، وشه اتغير وبقى أصفر من الغيظ، والحراس اللي وراه تباعدت نظراتهم بذعور من جراءتي. رفع العكاز في وشي وهو بيجز على أسنانه بصوت مرعب: “أنا هربيكي أنتِ وأهلك كلهم! أختك مراتي على سنة الله ورسوله، وكتبت الكتاب بمهري وفلوسي، يعني تخرج معايا فوراً وإلا والله العظيم هطلب لها البوليس بتهمة السرقة، وأقفل البيت ده عليكم وأرمي أباكِ في السجن بتهمة النصب!”.
أمي أول ما سمعت سيرة البوليس والسجن، خرجت تجري من جوه وبدأت تعيط وتوطي على إيده وهي بتقول بكسرة: “لا يا بيه.. أبوس إيدك، بلاش البوليس! إحنا ناس على قد حالنا ومش حمل الفضايح.. البنت غلطانة وخرجت من غير إذنك، بس وحياة ربنا هي كانت خايفة.. ارحمنا يرحمك ربنا!”.
زقيت إيد أمي بعيد عنه ومسكتها من كتفها وقومتها بثبات، وبصيت في عين أمي وقلت لها بصوت جهوري هز الطرقة: “ارفعي راسك يا أمي! ما توطيش لإنسان رخيص زي ده.. اللي بيطي له بيتداس بالأقدام، والبيت ده مش هيدخله ولا هياخد منه نملة غصب عنا!”.
لفت وشي للعريس وقلت له بعلو صوتي عشان الشارع كله يسمع: “أنت عايز أختي؟ أعلى ما في خيلك أركبه! طلب البوليس؟ اطلبه حالا! وتيجي النيابة وتشوف التقرير الطبي لجسد أختي والضرب اللي في وشها وجسمها بعصايتك! ونشوف ساعتها القانون هيحمي المريض اللي بيعذب مراته ولا هيجيب حقها.. وأنا بكرة الصبح هيكون المحامي بتاعي صابح في محكمة الأسرة برفع قضية خلع وتعدي، وبلاغ للنيابة بشرعك وطريقة معاملتك!”.
العريس رجع خطوة لورا بحيرة وضياع، ما كانش متوقع إن البنت الفقيرة اللي كان فاكر إنه هيدوس عليها هي اللي هتطلع له بالأسلحة دي وتعرف القانون أكتر منه. الحارس اللي جنبه قرب منه وهمس في أذنه بخوف: “يا بيه بلاش فضايح، الناس في الشارع بدأت تتجمع والقصة دي لو وصلت للصحافة أو العيلة عندك هتخرب الدنيا.. بلاش نيابة دلوقتي!”.
العريس بصلي ونظرة الغل في عينيه تحولت لكره أعمى ومسموم، رفع إيده وهزها بتهديد مباشر: “فاكرة نفسك شاطرة يا عفاف؟ فاكرة إنك كدة كسبتي الماتش؟ أنتِ فتحتي على أهلك باب جهنم مش هيتقفل.. أختك مش هتشوف يوم عدل، وحسابي معاكي أنتِ بالذات هيكون عسير أوي.. مش أنا اللي حتة بت فقيرة تتحداني!”.
لف ظهره ببطء ومشي وهو بيتسند على العكاز ومستند على الحارس بتاعه، وركبوا العربيات ومشيت بصوت فرامل مرعب رن في كل الشارع.
أول ما العربيات اختفت، أمي اترمى جسدها على الكنبة وهي بتبكي بدموع حارة، وبصت لي وهي بتضرب على صدرها: “يخرب بيتك يا عفاف.. دمرتينا! الراجل ده واصل ومش هيسيبنا في حالنا.. هيقطع عيشنا وهيشرّدنا في الشوارع!”.
أبويا قعد جنبها وعينه في الأرض، بس للمرة الأولى بصلي وقال بصوت هادي ومكسور: “عندها حق يا أميمة.. البت عندها حق، إحنا اللي بعنا شهد من الأول، وعفاف هي الوحيدة اللي وقفت تجيب حق اختها وكرامتنا.. أنا مش هسمح له يمس بت من بناتي تاني حتى لو هشتغل شغال في الشوارع!”.
شهد خرجت وحضنتني وهي بتبكي وتقول: “شكراً يا عفاف.. أنتِ أنقذتيني من الموت، بس أنا خايفة عليكي منه.. الراجل ده شرير ومش هيعديها بالساهل”.
ابتسمت لها وجسمي كله بيترعش من المجهود والضغط، وقلت لها: “اللي بيخاف من العفريت بيطلع له.. طالما إحنا على حق، ربنا مش هيسيبنا”.
عدت أيام قليلة، والهدوء اللي كان في البيت كان هدوء ما قبل العاصفة.. لحد ما في يوم الصبح، جالي إخطار رسمي على البيت، وباب الشقة اتخبط بقوة من راجل لابس بدلة سمرا.. واكتشفنا إن العريس بدأ خطة الانتقام الفعلية، بس المرة دي الضرب لم يكن لشهد ولا لأمي.. الضرب جه في أكتر حاجة تمسني أنا شخصياً!
فتحت الإخطار وإيدي بتهتز، وكانت الصدمة إن العريس ما اكتفاش بالتهديد، ده بدأ يتحرك بأساليب مسمومة عشان يقطع نفسي ونفس العيلة كلها. الإخطار كان إنذار بطردنا من الشقة اللي ساكنين فيها! اتضح إن العريس اشترى العمارة باللي فيها من صاحبها القديم بفلوسه، وطالب بإخلائها فوراً بحجة الترميم وبأوراق مسبوكة ومحامية مطلعين فيها كل الثغرات.
مش بس كده، أبويا اللي شغال محسباتي في شركة صغيرة، جه بالليل ووشه أصفر ومخطوف.. أخد استقالة مسببة تحت الضغط بعد ما الشركة جاتلها تعليمات من جهات أعلى بتنفيذ كشوفات وتقليص العمالة، والكل فاهم مين اللي واقف ورا القرارات دي!
أمي قعدت تلطم على وشها وتصرخ في الصالة: “شفتي يا عفاف؟ شفتي آخره معافرتك وناشفت راسك؟! أهو شردنا وبقينا في الشارع من غير لقمة عيش ولا سقف يسترينا! هنعمل إيه دلوقتي؟ نروح نشحت في الشوارع؟!”.
شهد كانت قاعدة في الزاوية، حاسة بالذنب والكسرة، والدموع ما بتفارقش عينيها وهي شايفانا بنتدمر بسبب الجوازة الشؤم دي. أبويا قعد على الكرسي وهو ساكت تماماً، عاجز إنه يبص في عينيا أو عين أمي.
بس الخوف المرة دي ما أخدش مني شبر واحد.. بالعكس، غضب كاسح اتولد جوايا. عرفت إن الحرب دي مش حرب شهد ولا حرب أمي.. دي حربي أنا! الراجل ده نازل بكل قوته ونفوذه عشان يخليني أركع وأروح له واستعطفه، وأنا مش هحقق له الأمل ده لو كانت دي آخر لحظة في حياتي.
نزلت من البيت فوراً وتوجهت لمكتب محامي شاب ابن حلال من منطقتنا، حكيت له كل حاجة بالتفاصيل وشاف الأوراق والتقرير الطبي الأولاني بتاع شهد اللي أثبتنا فيه إصابات الضرب. المحامي بصل وقال بثبات: “القضايا دي محتاجة نفس طويل يا عفاف.. هو معاه فلوس ونفوذ، بس أنتِ معاكي الحق والتقرير الطبي والمستندات.. موضوع إخلاء الشقة ده هنسجل فيه إشكال وعريضة مستعجلة، وقضية التعدي والضرب ماشية في النيابة وسحب قضية الخلع هيخليه في موقف دفاع مش هجوم!”.
رجعت البيت وأنا جوايا خطة جبارة.. ما اعتمدتش بس على المحكمة والقانون، قررت أبدأ اشتغل بنفسي. نزلت دورت على شغل في أكتر من مكان لحد ما لقيت عمل في مكتب ترجمة وإعداد أبحاث بالقطعة، وبقيت أشتغل ليل مع نهار عشان أصرف على البيت وأغطي مصاريف القضية وأوفر أكلنا وشربنا بعد ما أبويا انقطع رزقه.
مرت أسابيع وأنا بواصل الليل بالنهار.. هالات سودا تحت عيني، بس نفسي عزيزة وراسي مرفوعة فوق. شهد بدأت تسترد عافيتها وشجعتها تبدأ معايا ونتشارك الشغل من البيت.. بقينا نشتغل سوا ونوقف البيت على حيله بكرامة، وأمي لما شافت صلابتي وإني مش مستسلمة، بدأت تتكسف من نفسها وتهدى وتبطل لوم.
وفي يوم من الأيام، وأنا نازلة من مكتب الترجمة في وسط البلد بالليل، الشارع كان هادي جداً.. فجأة وقفت عربية سودا كبيرة جنب الرصيف، ونزل منها الشاب اللي بيساعد العريس، ومعاه راجل تاني.. وقفو في وشي وسدوا عليا الطريق.
الشاب قرب مني وبصلي بنظرة خبيثة وهو بيطلع من جيبه ظرف أبيض تقيل، وقال بنبرة مسمومة: “الباشا بيسلم عليكي.. وبيقولك اللعبة طولت وزادت عن حدها، الظرف ده فيه المبلغ اللي يخليكي تعيشي أنتِ وأهلك في الماظ.. والتنازل عن كل القضايا والتعهادت يخلص بكرة في الشهر العقاري.. غير كده، المرة الجاية مش هنسحب شقة ولا هنقطع عيش.. المرة الجاية الضرب هيطولك أنتِ شخصياً يا عفاف!”.
مسكت الظرف بإيدي، وبصيت في عين الشاب بكل احتقار، وقبل ما ينطق كلمة زيادة…
فتحت الظرف قدام عينيه ببرود تام، وطلعت حزمة الفلوس الشديدة الجديدة اللي كانت جواه.. بصيت للشاب وللراجل اللي جنبه بنظرة ازدراء خلتهم يتراجعوا خطوة لورا، وفجأة رميت الفلوس كلها في وشه وفي الشارع، الفلوس تطايرت في الهواء كأنها ورق مالوش أي قيمة.
قلت بصوت حاد يقطع سكون الشارع: “روح قول للباشا بتاعك، الفلوس دي يبلها ويشرب ميتها، ويسد بيها عقدة النقص اللي جواه! أنا كرامتي وكرامة أهلي مش للبيع.. تهديدكم ده بيثبت لي أد إيه هو مرعوب وضئيل قدامي، وقوله لو هو فاكر إنه يقدر يمس شعرة مني، يبقى ما يعرفش أنا مين.. القضية مكشوفة في النيابة والمحكمة، ولو حصلي أي حاجة، أول اسم هيتكتب في المحضر هو اسمه!”.
الشاب وشه اتغير وبقى أصفر من الصدمة والغيظ، جمع الفلوس من الأرض بقلة حيلة وهو بيتمتم بتهديدات فارغة، وركبوا العربية وطلعوا بيها بأقصى سرعة.
رجعت البيت وأنا جوايا قوة مش عادية.. الخطوة دي كانت البداية للرد القاسي على نفوذه وفلوسه. في اليوم التالي مباشرة، المحامي كلمني بصوت مليان حماس وقال لي: “يا عفاف! التقرير الطبي ومحضر التعدي اتحولوا للجلسة المستعجلة، والأهم من كده، الإشكال اللي عملناه ضد قرار إخلاء الشقة اترفض فيه طلب المالك لأن العقد بتاعكم قديم وموثق تماماً وقانوني، يعني مالوش أي حق يرميكم في الشارع!”.
الخبر نزل على البيت زي المطر اللي بيطفي نار الخوف. أمي قعدت تبكي بس المرة دي دموع ارتياح، وحضنتني وهي بتقول بصوت مكسور ومحرج: “سامحيني يا بنتي.. أنا كنت عامية، الفلوس كانت هتعمي قلبي وتضيع أختك، وأنتِ اللي صنتينا ورفعتِ راسنا فوق”.
بس العريس المريض ما سكتش.. استغلاله لنفوذه وصل لدرجة إنه حاول يلفق لأبويا قضية خيانة أمانة قديمة في الشركة اللي كان شغال فيها عشان يضغط علينا نتنازل. وفي يوم الجلسة الحاسمة في المحكمة، البيت كله كان على أعصابه.. كان يوم مفصلي بكل المقاييس.
دخلت قاعة المحكمة وبابا والمحامي معايا، وقعدنا ننتظر القضية.. وفجأة الباب اتفتح ودخل العريس على كرسي متحرك وهو بيتصنع الضعف، ومعاه كتيبة محامين ببدل غالية بيحاولوا يقلبوا الحق باطل ويطلعوا شهد هي المفترية وهو المجني عليه.
القاضي بدأ ينظر في القضايا المتبادلة.. ووقف محامي العريس يلقي كلمته بكل تبجح ويطعن في سمعة أختي ويدعي إنها سرقته وهربت. في اللحظة دي، المحامي بتاعنا طلب الكلمة وقدم المفاجأة الكبرى اللي كنا بنجهز لها طول الأسابيع اللي فاتت بكتُمان شديد!
المحامي قدم فلاشة للنيابة وللرئيس القاضي.. الفلاشة دي كان عليها تسجيلات كاميرات المراقبة المحيطة بالشارع وبوابة القصر بتاع العريس في الليلة اللي شهد هربت فيها، التسجيلات كانت موضحة بشكل قاطع وواضح وهو بيمشي على رجليه بكل صحة وقوة، وبيمسك الخيزرانة وبيضرب بيها شهد قدام باب البوابة قبل ما هي تملص منه وتهرب في التاكسي! التسجيل ده أخدناه عن طريق محامينا من كاميرا صيدلية مجاورة للقصر بتاعه كانت كاشفة مدخل الفناء.
القاعة كلها سكتت، والقاضي بص للشاشة بجدية وصارمة شديدة، وبعدين وجه نظره للعريس اللي وشه اتمسح منه كل أثر للكبرياء والغرور، وبقت معالمه عبارة عن رعب صريح وتشنج.
القاضي خبط بالشاكوش بقوة هزت القاعة، ونطق بالقرارات الأولى المبدئية اللي زلزلت كيان العريس ودمرت كل نفوذه في لحظة!
صوت الشاكوش لما خبط على المنصة كان زي القصاص الإلهي اللي بيرد لكل مظلوم حقه. القاضي بص للعريس بنظرة قاسية ووجهله الكلام بنبرة حازمة هزت القاعة: “المحكمة تبين لها زيف الادعاءات والمماطلة، وبناءً على الأدلة والتقرير الطبي والتسجيلات الموثقة، حكمت المحكمة بالحبس سنة مع الشغل للمدعى عليه بتهمة التعدي بالضرب وإحداث إصابات بالمجني عليها، مع قبول دعوى الخلع وإلزامه بكافة حقوقها المالية، وإحالة باقي البلاغات للنيابة العامة للتحقيق في التزوير والائتمان الباطل”.
الصمت أكل القاعة كلها لثواني، وبعدها العريس وشه اتمسح منه كل أثر للغرور والنفوذ، وبقت معالمه عبارة عن ذعر وتشنج أعمى.. المحامين بتوعه وقفوا عاجزين مش عارفين يداروا الخزي، والحراس اللي كانوا بيرهبونا بقوا بيبصوله بقلة حيلة وهو بيتسحب من القاعة عشان يتنفذ فيه الحكم.
خرجنا من القاعة ورأسنا مرفوعة للسما. أمي اترمت في حضني وهي بتبكي بدموع حارة ونقية، مسحت دموعها وقالت بصوت مكسور مليان ندم: “سامحيني يا بنتي.. أنا كنت فاكرة إن الفلوس هي الأمان، ونسيت إن الكرامة هي اللي بتعمل للبني آدم قيمة.. أنتِ اللي حمايتنا ورجعتي لنا شرفنا”. أبويا حضن شهد وقبل رأسها، وشهد بصت لي وهي حاسة إنها اتولدت من جديد بعد ما اتفك أسرها من الجحيم اللي كانت فاكراه عز.
رجعت لبيتنا الضيق بس المرة دي كان دافي ومسيور بفضل ربنا وجهدنا، اشتغلنا وتعبنا، وأبويا رجع اشتغل بكرامته، وعشنا بلقمة حلال صافية ماليها الستر وراحة البال.
الحكمة من القصة:
* الكرامة لا تُباع ولا تُشترى: الفلوس والمظاهر الزائفة ممكن تشتري كل حاجة في الدنيا، إلا راحة البال، الاحترام، والنفس العزيزة.
* الستر في القناعة مش في الجشع: البيوت ما بتتبنيش على القرشين، بتتبني على الأصل والطيبة والرحمة.. واللي يبيع كرامته عشان الشكليات، بيلبس الوهم وبيصحي على الجحيم.
* الحق صوته أقوى من أي نفوذ: مهما كان الخصم قوي ومعاه فلوس وسلطة، الوقوف في وجه الظلم وثباتك على الحق بيجبر أي متكبر إنه يركع في النهاية.

