روايات وقصص

حكاية نور 2

اتسعت عينا سارة وهي تتطلع لأخيها حسام، والبرودة تسري في أطرافها مجدداً رغم أنها بين أحضان أولادها داخل سيارة الإسعاف. الكلمة طعنتها في موضع آخر من روحها لم يسترح بعد.. “طرف ثالث؟ شخص أعرفه كويس؟”

 

مقالات ذات صلة

انحنى حسام ووضع يده على كتفها يحاول تهديئتها، لكن نظراته المضطربة كانت تفضح القلق المكتوم في صدره. التفتت سارة لتنظر من نافذة الإسعاف، ورأت أحمد يُسحب إلى داخل سيارة الترحيلات، وعلى وجهه ابتسامة هازئة مكسورة، وكأنه يقول لها: “المعركة لم تنتهِ بعد”.

سحبت سارة هاتفها بيدين ترتجفان، ونظرت إلى القائمة السوداء من الاتصالات والرسائل. المحامي الخاص بوالدها المتوفى، الأستاذ “مراد”، كان يقف على بعد خطوات قليلة بجانب ضابط المباحث، يتحدث بهدوء مريب وهو يمسك بحقيبته الجلدية. مراد لم يكن مجرد محامي العائلة، بل كان الرجل الذي اؤتمن على ثروة والدها بالكامل، وهو الوحيد الذي يملك الأصول الأصلية لعقود الملكية والفيلا والمصنع!

صعد حسام بجانبها في سيارة الإسعاف، وطلب من السائق التحرك فوراً إلى المستشفى لعمل إجراءات غسيل المعدة والفحوصات اللازمة لسارة والأولاد، للتأكد من خلو أجسادهم من آثار المواد السامة التي كان أحمد يدسها في الطعام والعصير.

في الطريق، همس حسام بصوت خفيض: “سارة.. الأوراق التي ضبطناها في سيارة أحمد لم تكن مجرد توكيلات بيع وشراء عادية. كان هناك عقد تنازل نهائي وموثق بالشهر العقاري بتاريخ القديم، ومباع فيه كل شيء باسم شركاء.. شريكة منهم نرمين، والشريك الثاني هو ‘سامح’.. ابن عمك!”

شهقت سارة وأمسكت برأسها الذي بدأ يعصر من شدة الصداع والذهول. سامح؟ ابن عمها الذي قطعت العائلة علاقتها به منذ سنوات بسبب خلافات الحصر والتركة؟ الشخص الذي كانت تظن أنه يعيش خارج البلاد؟

“سامح هو اللي تمويل العملية دي كلها يا سارة،” أكمل حسام بنبرة مشحونة بالغضب. “أحمد ونرمين كانوا مجرد أدوات لتنفيذ الجريمة من الداخل مقابل نسبة. سامح هو اللي اشترى القطرة والمواد السامة عن طريق معارفه في التموين الطبي، وهو اللي كان مستني التوقيعات عشان يظهر في الصورة بصفته المشتري حسن النية، ويطردك أنتِ وعيالك للشوارع بحكم محكمة ينفذ فوراً!”

وصلت السيارة إلى المستشفى، وتم نقل سارة فوراً إلى غرفة الطوارئ. أطباء الفحوصات والسموم بدأوا بسحب عينات الدم، بينما أخذ حسام يتنقل في الممرات ليجري اتصالاته السريعة لاستصدار أمر ضبط وإحضار لسامح قبل أن يهرب خارج البلاد.

أثناء وجود سارة بمفردها في الغرفة، أضاءت شاشة هاتفها برقم مجهول. مترددة، رفعت السماعة وضغطت زر الإجابة دون أن تتكلم.

جاءها صوت رجالي حاد، فيه نبرة ثقة مرعبة: “حمداً لله على سلامتك يا بنت عمي.. خرجتِ منها المرة دي بذكائك، بس للأسف، لعبتِ الكروت الغلط.”

سارة جمدت في مكانها، وضغطت على زر تسجيل المكالمة بكتفيها المرتجفين. “سامح؟ أنت تتجرأ وتكلمني بعد كل اللي عملته؟”

ضحك سامح بصوت خفيف عبر الهاتف: “أنا ما عملتش حاجة يا سارة، أحمد ونرمين هما اللي في القفص دلوقتي، والأوراق اللي مع المباحث مش هتثبت عليّ حاجة، لأن التوقيع اللي على العقد النهائي للفيلا.. توقيعك أنتِ الحقيقي من سنتين! لما وقعتِ على أوراق الوراثة مع الأستاذ مراد المحامي. أنتِ وقعتِ على بياض وأنتِ مش دريانة!”

سارة شعرت بالدنيا تدور بها. مراد المحامي كان يتآمر معهم منذ البداية!

أكمل سامح بنبرة وديدة كأنها تهديد صريح: “حسام أخوكي فاكر إن اللعبة خلصت بالقبض على أحمد.. بس القضايا هتبدأ بكرة، والفيلا والشركات هيروحوا مني أو منك للقضاء، وعيالك… أنا عارف هما في أي مدرسة، وعارف الساعة كام بيمشوا. لو عاوزة تحمي عيالك ونفسك، تنازلي عن المحاضر بكرة الصبح، واستلمي قرشين تسافري بيهم برة مصر.. وإلا الجولة الجاية مش هتبقى قطرة في العصير!”

قبل أن تنطق سارة بكلمة، أُغلق الخط.

سقط الهاتف من يدها على الفراش، واستدارت لترى باب الغرفة يفتح ببطء.. لم يكن حسام، بل كان الأستاذ “مراد” المحامي يدخل بخطوات هادئة، ويغلق الباب خلفه بالمفتاح، واضعاً يده في جيبه وهو يبتسم ابتسامة باردة: “سلامتك يا سارة.. سامح قالك على النصيحة الصح؟”

تسارعت أنفاس سارة واندفعت الدماء حارة في رأسها، بينما كان الأستاذ مراد يخطو بثبات ونعومة أفعى باتجاه الفراش، واضعاً عقبه الثقيل على بلاط الغرفة ليحدث صوتاً منتظماً ينبض بالرعب. كانت ليلة طويلة ومظلمة، لكن الخيانة التي تكشفت أقنعتها تدريجياً جعلت كل ما مرت به سارة في سيارة زوجها مجرد بداية صغيرة لكابوس أشمل وأعمق.

وقفت سارة ملتصقة بمسند السرير المخلوع، تحاول معالجة الشلل الذي أصاب أطرافها. النظر إلى هذا الرجل بالذات كان كفيلاً بإعادة شريط حياتها بالكامل؛ مراد لم يكن مجرد محامي العائلة، بل كان الرجل الذي شهد على دموع والدها وهو يحتضر، وهو الذي حلف على المصحف الشريف أمام الجميع يوم الجنازة أنه سيصون أمانة “عمي صالح” ويحمي حقوق سارة وحسام حتى آخر نفس في حياته.

ابتسم مراد ابتسامة هادئة، وخاطبها بصوت خفيض وخالٍ من أي تعاطف: “اهدي يا سارة.. الاندفاع مش هيتعب غيرك، إنتي شايفة حالتك وصحتك مش مستحملة أي ضغط زياد. حسام أخوكي طيب ورجل أمن كفء، بس ما يفهمش في ألاعيب الثغرات القانونية ولا الدفاتر المقفولة اللي سامح بيتحرك بيها. الشغل ده محتاج معلم.. وأنا اللي مدرب الجميع هنا.”

سارة مسكت طرف اللحاف بكتفها المرتعش، وعيناها تدوران في أركان الغرفة المغلوقة بالكامل، وتبحث عن أي شيء يصلح للدفاع عن النفس، متسائلة بصوت بحه الخوف والغل: “أنت يا مراد؟ بابا كان بيعتبرك ابنه! كان بيستأمنك على لقمة عيشنا وأسلينا! تدمر حياتي وتتآمر مع أحمد وسامح عشان تاخدوا شقا عمره؟”

تنهد مراد وضحك بتهكم وهو يسحب كرسياً أبيض بجانب الفراش ويجلس عليه ببرود، واضعاً حقيبته الجلدية على ركبتيه: “أبوكِ الله يرحمه كان فاكر إن الفلوس هي كل حاجة.. كان بيعمل الملايين وأنا باخد فتات الأتعاب عشان أطلعه من المأزق القانونية والتسريبات الضريبية. لما مات، ساب تركة تتجاوز الأربعين مليون جنيه! إنتي وحسام كنتوا فاكرين إن العز ده جه بالصدفة؟ سامح ابن عمك كان له حق قديم أبوكِ هضمه، وأنا كان ليا حق التعب. أحمد زوجك المحترم كان هو الحلقة الأضعف والأسهل.. مجرد شخص طماع ومغفل، كان محتاج زقة وشوية فلوس عشان يفتح دماغه للقطرة ويدسلك السم يومياً.”

سحب مراد من حقيبته ملفاً أصفر خفقت له أحشاء سارة، واستطرد بصوت جاف: “أحمد ونرمين انتهوا خلاص.. المباحث شغالة معاهم، وبكرة النيابة هتصدر أمر حبسهم. بس سامح برة اللعبة تماماً، والأوراق اللي معايا هي القول الفصل. العقد ده موثق بتوقيعك وبصمتك من سنتين يا سارة، يوم ما أقنعتك إنك بتوقعي على إعلام الوراثة وإجراءات الضريبة. الورق ده بيثبت إنك بعتي الفيلا والمصنع لشركة سامح بكامل إرادتك واستلمتي الثمن كاش. لو حسام حاول يلعب معانا، هانرفع التنازلات دي في المحكمة، وسامح يقدر يأخد قرار طرد فوراً، غير قضية بلاغ كاذب هتشيلك إنتي وأخوكي.”

صمتت سارة، وشعرت بأنفاسها تتقطع. استرجعت تلك اللحظة قبل سنتين؛ عندما جاء مراد إلى منزلها بوجوم المزيف عقب وفاة والدها بأيام، وهو يحمل مئات الأوراق ويطلب منها التوقيع والسير في الإجراءات بسرعة لأن “المصلحة تتطلب ذلك”. يومها كانت منكسرة ومغيبة بالزن والدموع، وبصمت حيث أشار لها بالسبابة دون أن تقرأ سطراً واحداً.

“أنت شيطان…” همست بها سارة والدموع تتحجر في عينيها. “أنتوا كلكوا شياطين! أحمد اللي كنت بفتكره أمني وسندي، ونرمين اللي كانت بتاكل معايا في طبق واحد، وسامح اللي أكل خير بابا، وأنت… أنت اللي المفروض تصون الأمانة!”

اقترب مراد نحوها بالملف وقلم جاف أسود، وقال بلغة حاسمة: “الشياطين هما اللي بيخسروا يا سارة. الشاطر هو اللي بيطلع بأقل الخسائر. الورقة الأخيرة دي تنازل عن المحاضر اللي اتعملت ضد سامح، وإقرار منك إن العقود دي صحيحة ومفيش تزوير، وفي مقابل كده.. سامح هيسيبلك الشقة دي ومبلغ مليوني جنيه تسافري بيهم برة مصر وتعيشي مع ولادك بعيد عن الدوشة دي كلها. قدامك دقيقتين توثقي التنازل، قبل ما حسام يرجع من مكتب النيابة وندخل كلنا في مفرمة مش هتطلعي منها سليمة.”

في هذه الأثناء، في الطابق السفلي للمستشفى، كان حسام يذرع الممر جيئة وذهاباً، والهاتف لا يفارق أذنه. كان يتحدث مع رئيس فرع الجيزة للبحث الجنائي.

“يا فندم!” صرخ حسام بصوت مكتوم حاد، “أحمد ونرمين اعترفوا في المعاينة المبدئية إن الشيكات والتوكيلات المتاخدة كانت بالتنسيق مع مراد المحامي! مراد هو رأس الأفعى، هو اللي صمم السيناريو وهو اللي كان بيمدهم بالقطرة عن طريق صيدلي صاحبه في القناطر!”

رد العقيد عبر الهاتف بنبرة حازمة: “هدئ نفسك يا حسام.. القوة في طريقها للمستشفى لتأمين أختك، وصدر للتو أمر بضبط وإحضار مراد وسامح وتجميد كافة الحسابات البنكية الخاصة بشركاتهم. متتحركش من جنم أختك لحد ما نوصل!”

سقطت الهاتف من يد حسام عندما تذكر شيئاً مرعباً: حينما نزل لإجراء الفحوصات، رأى سيارة مراد مركونة في الموقف الخلفي للمستشفى، لكنه ظن أنه جاء للوقوف بجانب العائلة كعادته!

ركض حسام كالدم المجنون ونزل درجات السلم قافزاً ثلاثة أسطر في المرة الواحدة، متجهاً نحو قسم الطوارئ والغرفة التي ترقد فيها سارة.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى