
اسم الراجل كان:
رجب عبدالعال.
فضلت باصة للاسم ثواني.
الاسم كان مألوف… بس مش عارفة منين.
لحد ما المحامي قال:
— استني… رجب عبدالعال؟
رفعت عيني له.
— تعرفه؟
قال:
— الاسم ده كان موجود في محضر حادث محمود.
حسيت الأرض بتتحرك من تحتي.
— أيوه… افتكرت. ده سواق العربية النقل.
شريف اتدخل بسرعة:
— وماله يعني؟ كلنا عارفين إن محمود مات في حادثة.
بصيتله.
الغريب إن شريف كان بيتكلم بسرعة زيادة عن اللزوم.
المحامي سأل:
— والسواق حصل له إيه؟
قلت:
— اللي فاكره إنهم قالولي إنه مات هو كمان.
المحامي سكت.
وبعدين رجع للرسالة.
— محمود كاتب إيه بعد الاسم؟
كملت وأنا بحاول أثبت إيدي:
“لو قالوا لكِ إن رجب مات… ما تصدقيش.”
بصيت للمحامي.
— إيه؟!
قرب مني وقرا بنفسه.
وتحت الجملة كان محمود كاتب:
“رجب ماكانش مجرد سواق. كان بيشتغل عند أبويا من سنين، وأنا قابلته قبل الحادث بثلاث أيام.”
نهى شهقت:
— مستحيل.
شريف قال بعصبية:
— كفاية هبل بقى! أخويا كان شاكك في كل الناس آخر أيامه.
المحامي رد:
— ليه كان شاكك؟
شريف سكت.
قلتله:
— رد يا شريف.
— معرفش.
— إنت كنت أخوه وشغال معاه ومع أبوك… معرفش إزاي؟
مراته قامت وقفت جنبه:
— سارة، إنتِ بتتهمي جوزي بإيه بالظبط؟
قلت:
— أنا لسه ما اتهمتش حد.
وبصيت لشريف.
— بس واضح إن محمود كان عايزني أسأل.
كملت الرسالة.
“رجب طلب يقابلني لوحدنا. قال إن عنده كلام عن الشركة وعن أوراق بتتعمل باسمي من غير علمي. كان خايف، وقال لي بالحرف: لو حصل لي حاجة، دور على التحويلات اللي باسم شركة الصفوة.”
المحامي رفع راسه فجأة.
— شركة الصفوة؟
شريف مد إيده:
— هات الورقة.
المحامي سحبها بعيد.
— قلت محدش يلمس حاجة.
شريف صرخ:
— أنا أخوه!
رد المحامي:
— وهي زوجته ووصية على أولاده القُصّر.
شريف بصلي بنظرة أول مرة أشوفها منه.
مش غضب.
خوف.
قلت:
— إيه شركة الصفوة يا شريف؟
— شركة قديمة واتقفلت.
— كانت بتاعة مين؟
— معرفش.
نهى بصتله باستغراب:
— إزاي معرفش؟ ما إنت كنت ماسك حسابات بابا!
لف عليها:
— نهى، اسكتي.
الجملة نفسها خلتها تتراجع.
المحامي فتح باقي الملفات الموجودة على الفلاشة.
لقينا مجلد كامل اسمه:
“الصفوة”.
جواه صور تحويلات بنكية وعقود وفواتير.
المحامي فضل يقلب فيهم حوالي عشر دقايق من غير ما يتكلم.
وبعدين قال:
— يا نهار أبيض.
قلت:
— فيه إيه؟
لف الشاشة ناحيتي.
— فيه مبالغ ضخمة كانت بتخرج من شركة والد زوجك وتدخل شركة الصفوة.
— قد إيه؟
قال رقم خلاني أبصله وأنا مش مصدقة.
— على مدار خمس سنين… إحنا بنتكلم في عشرات الملايين.
نهى صرخت:
— عشرات الملايين؟!
المحامي هز راسه.
— والكارثة إن جزء من التحويلات معمول بموافقات منسوبة لمحمود.
قلت:
— بس محمود ماكانش يعرف!
— واضح إنه اكتشفها قبل وفاته.
شريف قال:
— كلها صور! أي حد ممكن يفبركها.
المحامي رد:
— عشان كده الورق هيتراجع رسميًا.
وبعدين فتح ملف تاني.
كان اسمه:
“رجب — صوت”.
ضغط تشغيل.
سمعنا صوت محمود:
— قول اللي عندك يا رجب.
وصوت راجل غريب رد:
— يا أستاذ محمود، أنا هقولك… بس لو الحاج عرف إني كلمتك، أنا هضيع.
محمود قال:
— محدش هيعرف.
رجب سكت شوية.
وبعدين قال:
— الورق اللي باسمك… مش إنت اللي ماضيه.
— عارف.
— وفيه فلوس بتطلع من الشركة.
— عارف.
— لأ… إنت مش عارف بتروح لمين.
سكت محمود.
— لمين؟
صوت رجب نزل:
— لشركة باسم واحد من العيلة.
هنا التسجيل حصل فيه تشويش.
وبعدين رجع الصوت.
محمود كان بيقول بعصبية:
— إنت متأكد؟
رجب:
— أنا اللي كنت بوصل الملفات بنفسي.
— لمين؟
رجب قال اسم.
لكن في اللحظة دي الصوت اتقطع تاني.
نهى ضربت الترابيزة:
— الاسم إيه؟!
رجع التسجيل بعد ثانيتين.
وسمعنا محمود بيقول:
— لو الكلام ده صح، يبقى أنا لازم أواجهه.
رجب صرخ:
— لأ يا أستاذ محمود! أوعى!
محمود:
— ليه؟
وجت الجملة اللي خلتنا كلنا نسكت:
— لأنهم عارفين إنك اكتشفت.
التسجيل انتهى.
أنا كنت بترعش.
قلت للمحامي:
— “هم” مين؟
— التسجيل ما قالش.
شريف أخد مفاتيح عربيته من على الترابيزة.
— أنا ماشي.
المحامي وقف قدامه.
— الأفضل تفضل.
— وإنت هتحبسني يعني؟
— لأ.
المحامي بصله بثبات.
— لكني هسلم نسخة من المستندات للجهات المختصة، وأي محاولة للتصرف في أصول التركة دلوقتي هتزود المشكلة.
شريف قرب مني.
وقال بصوت واطي:
— اسمعيني يا سارة… اقفلي الموضوع ده.
بصيتله بصدمة.
— نعم؟
— إنتِ عايزة حق ولادك؟ هتاخديه.
مراته قالت:
— شريف!
لكنه ما بصش لها.
فضل باصصلي.
— شقة… فلوس… حساب باسم الولاد. اللي تطلبيه.
سألته:
— مقابل إيه؟
سكت.
قلت:
— مقابل إني ما أكملش؟
قال:
— مقابل ما نفضحش اسم العيلة عشان شوية ورق قديم.
ضحكت غصب عني.
— من ساعة كنتوا بتقولوا إن أنا وولادي مش من العيلة.
وشه اتغير.
قلت:
— دلوقتي بقيت خايف على اسم العيلة؟
المحامي تدخل:
— مدام سارة، ما ترديش على أي عروض دلوقتي.
شريف بصله:
— محدش كلمك.
المحامي رد:
— بالعكس… من اللحظة اللي شوفت فيها المستندات دي، الموضوع بقى قانوني.
شريف خرج وهو بيخبط الباب.
مراته جريت وراه.
نهى فضلت مكانها.
كانت بتعيط.
قالتلي:
— سارة… أنا والله ما كنت أعرف
ما رديتش.
كنت لسه ماسكة رسالة محمود.
وقلبت آخر صفحة.
كان فيها عنوان مكتوب بخط إيده.
وتحته جملة:
“لو عايزة تعرفي رجب عايش ولا لأ… روحي للعنوان ده.”
المحامي قال فورًا:
— ما تروحيش لوحدك.
قلت:
— أنا لازم أعرف.
بعد يومين، وبعد ما سلمنا نسخ المستندات واتعملت الإجراءات اللازمة، رحت مع المحامي للعنوان.
كان بيت قديم في قرية بعيدة.
خبطنا.
فتحت لنا ست كبيرة.
المحامي سأل:
— بيت الأستاذ رجب عبدالعال؟
وشها اتغير.
— إنتوا مين؟
قلت:
— أنا مرات محمود فؤاد.
الست مسكت الباب كأنها هتقفله.
لكن قبل ما تقفله…
سمعنا صوت راجل من جوه:
— مين يا أم حسن؟
جسمي كله اتجمد.
راجل في أواخر الخمسينات خرج وهو بيمشي بصعوبة.
أول ما شافني…
وقف مكانه.
الكوباية اللي كانت في إيده وقعت على الأرض.
بصلي كأنه شاف شبح.
وقال:
— إنتِ… مرات الأستاذ محمود؟
دموعي نزلت.
— إنت رجب؟
ما ردش.
قلت:
— قالولي إنك مت في الحادثة.
وشه اصفر.
بص للمحامي.
وبعدين بص حواليه بخوف.
وقرب مني وهمس:
— ادخلي بسرعة.
دخلنا.
قفل الباب بالمفتاح.
وسحب الستارة.
قلت:
— أنا عايزة أعرف جوزي مات إزاي.
رجب قعد على الكرسي.
إيده كانت بتترعش.
قال:
— أربع سنين وأنا مستني اليوم ده.
المحامي سأله:
— ليه اختفيت؟
رجب بصلي وقال:
— لأني لو كنت ظهرت… كان زماني متأذي زي جوزك.
حسيت قلبي وقف.
قلت:
— الحادثة ما كانتش حادثة؟
سكت فترة طويلة.
وبعدين قال:
— أنا مش هقولك حاجة من غير دليل.
قام ودخل أوضة صغيرة.
رجع بعد دقايق شايل كيس بلاستيك قديم.
طلع منه موبايل مكسور.
وقال:
— ده موبايل الأستاذ محمود.
شهقت:
— موبايله؟!
— لقيته مرمي بعيد عن العربية ليلة الحادث.
قلت:
— ليه ما سلمتوش للشرطة؟
رجب ضحك بمرارة.
— لأني لما فتحته… فهمت ليه العربية خبطته.
المحامي سأله:
— فيه إيه عليه؟
رجب بصلي.
— تسجيل اتعمل قبل الحادث بأقل من ساعة.
مد الموبايل ناحيتي.
وقال:
— بس قبل ما تسمعيه… لازم تعرفي حاجة.
— إيه؟
— جوزك ليلة ما مات ماكانش راجع البيت زي ما قالوا لكِ.
بلعت ريقي.
— أمال كان رايح فين؟
رجب رد:
— كان رايح يقابل الشخص اللي اكتشف إنه سرق حصته وبيزور إمضته.
قلت بسرعة:
— مين؟
رجب سكت.
وبعدين قال:
— شريف.
حسيت الدنيا لفت بيا.
لكن رجب كمل:
— بس شريف ماكانش لوحده.
المحامي قرب منه.
— مين كان معاه؟
رجب بصلي مباشرة.
وقال:
— شخص إنتِ تعرفيه كويس جدًا.
— مين؟
فتح الموبايل القديم، وشغل التسجيل.
طلع صوت محمود واضح:
— أنا وصلت… انزل.
وبعد ثواني جه صوت راجل:
— محمود، اسمعني الأول.
عرفته فورًا.
لكن قبل ما أنطق اسمه…
ظهر صوت ست في التسجيل.
وصوتها كان أوضح من صوت أي حد.
وقتها حسيت إن رجلي مش شايلاني.
لأن الست قالت:
— محمود… بالله عليك ما تقولش لسارة إني أنا اللي جبتك هنا.
والصوت ده…
كان صوت أمي




