
الفصل الأخير
القهوة وقعت من إيد حماتي على الأرض.
والكوباية اتكسرت.
الصوت كان عالي…
لكن اللي كان أعلى منه هو الصمت اللي نزل على المطبخ بعدها.
مرات أخو جوزي، نجلاء، فضلت قاعدة مكانها.
حماتي بصتلها وقالت:
— نجلاء… بلاش نفتح كلام قديم.
نجلاء ردت:
— قديم بالنسبة لمين؟
جوزي دخل بسرعة.
— في إيه؟
نجلاء بصتله.
— اسأل أمك.
حماتي اتعصبت.
— أنا ما عملتش حاجة تستاهل كل الدراما دي.
أنا كنت واقفة في النص.
بصيت لنجلاء وقلت:
— ممكن أفهم؟
نجلاء أخدت نفس طويل.
وقالت:
— أنا أول ما اتجوزت أخو جوزك، كنت ساكنة فوق برضه.
بصيت لحماتي.
ما ردتش.
نجلاء كملت:
— وفي الأول كنت بعمل زيك. أنزل، أساعد، أطبخ، وأحاول أرضي الكل.
— وبعدين؟
ضحكت بمرارة.
— وبعدين المساعدة بقت فرض.
اتجمدت.
نفس الجملة.
تقريبًا نفس اللي حصل معايا.
قالت:
— مرة كنت تعبانة ونمت لحد تسعة. حماتك طلعت صحتني وقالتلي إن البيت مش فندق.
حماتي قاطعتها:
— وإنتِ كنتِ بتنامي للضهر!
نجلاء بصتلها.
— مرة واحدة.
سكتت حماتي.
نجلاء كملت:
— وبعدها بدأت تدخل شقتي من غير ما تستأذن.
أنا قلت:
— زي ما حصل معايا؟
قالت:
— بالظبط.
قلبي بدأ يدق.
— والليلة اللي قلتي عليها؟
ملامح نجلاء اتغيرت.
قالت:
— كانت ليلة كنت فيها عند أمي.
حماتي قالت بسرعة:
— نجلاء!
لكن نجلاء ما سكتتش.
— رجعت بدري من غير ما أقول لحد.
وبعدين بصتلي.
— ولما طلعت شقتي… لقيت حماتك جوا أوضة نومي.
بصيت لحماتي.
قالت بعصبية:
— كنت برتب!
نجلاء ردت:
— كنتِ فاتحة دولابي.
حماتي سكتت.
نجلاء كملت:
— وكنتِ ماسكة شنطة فيها حاجتي الخاصة وأوراقي.
جوزي قال:
— أوراق إيه؟
نجلاء ردت:
— ورق الشغل بتاعي.
وبصت لحماتي.
— كانت عايزة تعرف مرتبي كام.
حماتي قالت:
— عشان كنت عايزة أعرف البيت ماشي إزاي!
نجلاء ضحكت.
— بيتي أنا وجوزي ماشي إزاي.
حماتي رفعت صوتها:
— ابني كان بيصرف عليكي!
نجلاء قالت:
— وأنا كنت بشتغل وبشارك في البيت.
جوزي قرب من أمه.
— ماما… إنتِ فعلًا فتشتي في حاجتها؟
حماتي قالت:
— ما كنتش بفتش.
نجلاء ردت:
— وأنا لما قلتلها ما تدخليش من غير إذن، قالتلي نفس الجملة اللي قالتها لمرات أخوك:
«ده بيت ابني.»
ساعتها أنا فهمت.
حماتي ما كانتش خايفة إني أبعد ابنها عنها عشان تجربة نجلاء.
الحقيقة كانت أعقد.
نجلاء ما بعدتش جوزها عنها من غير سبب.
هي كانت بتحاول تحمي بيتها.
قولت بهدوء:
— وبعدين حصل إيه؟
نجلاء قالت:
— طلبت من جوزي نسكن لوحدنا.
حماتي قالت:
— وأخدتيه ومشيتي!
نجلاء ردت:
— هو اختار يمشي بعد ما شاف اللي حصل بعينه.
سكتت حماتي.
جوزي قال:
— أخويا عمره ما قالنا الكلام ده.
نجلاء قالت:
— لأنه ما كانش عايز يكرهكم في أمكم.
ثم بصت لحماتي.
— لكنه فضل سنين يحاول يفهمها إن خصوصية البيت مش عقوق.
حماتي قعدت على الكرسي.
لأول مرة…
شوفتها صغيرة.
مش المرأة القوية اللي صوتها دايمًا أعلى من الكل.
بالعكس.
كانت باينة متعبة.
قالت بصوت واطي:
— يعني أنا بقيت الوحشة؟
نجلاء سكتت.
أنا قربت منها.
وقلت:
— محدش قال كده.
بصتلي.
قولت:
— بس حضرتك غلطتي.
نزلت عينيها.
— أنا ربيت ولادي لوحدي بعد أبوهم.
جوزي قعد جنبها.
قالت:
— تعبت عليهم سنين. وكل واحد فيهم لما اتجوز حسيت إنه بيتسحب مني.
نجلاء قالت:
— محدش كان بيسحبهم منك.
حماتي بصتلها.
قالت نجلاء:
— إنتِ اللي كنتِ خايفة تخسريهم… ففضلتي تمسكي فيهم لحد ما بعدوا.
الجملة وجعت حماتي.
بان في وشها.
لكنها ما ردتش.
جوزي مسك إيدها.
قال:
— يا أمي… إحنا مش هنسيبك.
بصتله.
قال:
— بس إحنا كبرنا. وبقى لكل واحد بيت وحياة.
دموعها نزلت.
وقالت:
— وأنا هبقى لوحدي؟
قولت من غير تفكير:
— لأ.
بصتلي.
قولت:
— أنا مش عايزة أعيش معاكي في .
— بعد كل اللي حصل؟
— آه.
سكتت.
قولت:
— بس لازم نفهم بعض.
قربت منها أكتر.
— أنا عمري ما هقول لجوزي ما ينزلش لأمه. ولا همنعه يقف جنبك. بالعكس.
وبعدين قلت:
— بس أنا كمان عايزة لما أقفل باب بيتي أحس إني في بيتي.
دموعها زادت.
وقالت:
— وأنا أضمن منين إنك مش هتاخديه وتمشي؟
جوزي رد قبل ما أتكلم:
— تضمني مني أنا.
بصتله.
قال:
— لو أنا ابن كويس، هفضل ابنك سواء ساكن فوقك أو في آخر البلد.
سكتت.
— ولو أنا ابن مش كويس، وجودي فوق راسك مش هيغير حاجة.
نجلاء بصتله وابتسمت.
وأنا حسيت إن الجملة دي كانت أهم حاجة اتقالت في اليوم كله.
حماتي فضلت ساكتة.
وبعدين بصت لنجلاء.
قالت:
— أنا ظلمتك؟
نجلاء ما ردتش بسرعة.
عينيها دمعت.
قالت:
— أوي.
حماتي غمضت عينيها.
وبعدين قالت كلمة…
واضح إنها كانت تقيلة جدًا عليها.
— حقك عليا.
نجلاء اتجمدت.
حتى جوزي بص لأمه بدهشة.
حماتي كملت:
— أنا كنت فاكرة إني بحافظ على بيتي.
نجلاء قالت:
— البيت ما بيتحافظش عليه بالخوف.
حماتي هزت راسها.
— عارفة دلوقتي.
وبعدين بصتلي.
— وإنتِ كمان… حقك عليا.
ما قدرتش أرد للحظة.
مش عشان أنا مستنية اعتذار.
لكن عشان ساعات الإنسان لما يستنى كلمة كتير…
ولما يسمعها فعلًا، ما يعرفش يعمل إيه.
قولتلها:
— وأنا لو كلامي زعلك، سامحيني.
قالت:
— إنتِ دافعتي عن نفسك.
وبعدين ضحكت وسط دموعها.
— بس لسانك طويل شوية.
ضحكت.
— حاضر، هقص منه حتة.
نجلاء ضحكت.
وجوزي قال:
— الحمد لله، أخيرًا حد هيعرف يعيش في البيت ده.
بصيتله.
— ما تفرحش أوي.
ضحكنا كلنا.
يمكن كانت أول مرة نضحك فيها سوا من قلبنا.
بعد اليوم ده…
ما بقيناش عيلة مثالية.
وده شيء مهم أقولكم عليه.
كان بيحصل اختلاف.
وكانت حماتي ساعات تنسى وتحب تدخل في حاجة مش تخصها.
لكن بدل ما نسكت وننفجر…
بقينا نتكلم.
بعد أسبوع، حماتي خبطت على باب شقتي.
قلت:
— مين؟
قالت:
— أنا.
فتحت.
كانت ماسكة طبق محشي.
قالت:
— عملتلكم محشي.
ابتسمت.
— تسلم إيدك يا ماما.
دخلت خطوة…
وبعدين وقفت.
قالت:
— ينفع أدخل؟
فضلت باصة لها ثانية.
وبعدين وسعت الباب.
— طبعًا ينفع.
دخلت.
وأنا وقتها فهمت إن المشكلة عمرها ما كانت في دخولها شقتي.
المشكلة كانت إنها تدخل من غير ما تشوف إن ليا حدود.
بعد شهرين…
أنا اللي بقيت أنزل لها الصبح أوقات كتير.
مش الساعة سبعة.
ولا بأمر.
أنزل لما أحب.
أعمل معاها الفطار.
أساعدها في البيت.
وساعات نختلف.
وساعات نزعل من بعض.
لكن عمرها بعدها ما قالتلي:
«طالما عايشة في بيتي تسمعي كلامي.»
لأنها فهمت أخيرًا…
إن احترام زوجة ابنها ما بينقصش من مكانتها كأم.
وجوزي فهم إن بره بأمه ما معناهش إنه يسيب مراته تواجه لوحدها.
وأنا فهمت إن الاستقلال مش معناه القطيعة.
ممكن يكون لكل بيت بابه…
وتفضل القلوب مفتوحة لبعض.
وفي يوم كنت قاعدة مع حماتي في المطبخ، وأهلي بعتولي زي عادتهم فاكهة وحلويات.
حطيت قدامها طبق.
قالت وهي بتضحك:
— أهلك هيبطلوا يبعتولك إمتى؟
قولتلها:
— دول كده لحد ما أخلف ويمكن بعدها كمان.
قالت:
— ربنا يخليهملك.
وبعدين مدت إيدها وأخدت قطعة حلوى.
وقبل ما تاكلها قالت:
— بالمناسبة…
قولت:
— نعم؟
ابتسمت.
— بكرة ما تنزليش بدري.
ضحكت.
— ليه؟
قالت:
— عشان أنا عازمة نجلاء على الفطار… وأنا اللي هطلعلكم فوق.
ضحكت من قلبي.
قولتلها:
— بس تخبطي الأول.
قالت:
— حاضر يا ست الحدود.
ومن يومها…
لما حد يسألني عن أول شهر جواز…
ما بقولش إنه كان أسوأ شهر.
بقول:
كان الشهر اللي اتعلمنا فيه كلنا إن البيت مش حيطان وملكية.
البيت الحقيقي…
هو المكان اللي ما تضطريش فيه كل يوم تحاربي علشان تثبتي إن ليكي مكان.
وإن المحبة اللي تيجي بالأمر…
ما تبقاش محبة.
أما المعروف اللي يطلع من القلب…
فهو اللي بيخلي الناس تخدم بعضها وهي مبسوطة، من غير ما حد يحس إنه أقل من حد.
تمت
#الكاتبه_اسما_السيد
#حكايات_اسما_السيد
ممنوع النسخ دون ذكر المصدر.




