
ت أقرا الخطاب من أوله لآخره، وكل ما كنت أوصل للسطر اللي فيه اسم الشخص، أحس إن قلبي بيدق أسرع.
الاسم كان مكتوب بخط واضح محمود عبدالسلام، مدير الروضة اللي كانت ندى بتروحها.
فضلت باصة للاسم وأنا مش قادرة أفهم. محمود كان راجل محترم، عمره ما اتكلم معايا بطريقة تخليني أشك فيه، وكان دايمًا بيطمني على ندى، ويقولي إنها طفلة ذكية وبتحب تساعد أصحابها.
إيه اللي ممكن يكون عرفه عن اليوم ده، ومخبيّه عني كل الوقت ده؟
اتصلت بالمحامي، وقلتله إني موافقة أرجع القاهرة، لكن بشرط إنه يكون موجود في أي مقابلة، وإن كل الكلام يتقال بوضوح ومن غير ضغوط.
وافق، وحجزت أول رحلة مناسبة.
طول الطريق، كنت بفكر في ندى. كنت بحاول أقنع نفسي إن رجوعي مش معناه إني برجع لحياتي القديمة، ولا معناه إني مستعدة أفتح باب آسر من جديد. أنا كنت راجعة عشان أعرف الحقيقة، وأقفل الصفحة دي وأنا عارفة كل حاجة.
لكن أول ما وصلت القاهرة، لقيت رسالة من مريم بتقول فيها
أمل، أوعي تقابلي محمود قبل ما تشوفي آسر. هو عرف حاجة جديدة، ومش عارف يقولها لك إزاي.
ما رديتش عليها.
ركبت العربية اللي كانت مستنياني، وطلبت من السواق يوديني لمكتب المحامي مباشرة.
وهناك، لقيت آسر قاعد لوحده، قدامه ملف كبير، وشكله اتغير بشكل واضح عن آخر مرة شفته فيها.
أول ما دخلت، وقف.
أمل.
قلتله وأنا بحط شنطتي على الكرسي
إنت اللي طلبت إني أرجع؟
هز راسه.
أيوه.
طيب، اتكلم.
بص للمحامي، وبعدها فتح الملف وطلع منه ورقة.
محمود مدير الروضة سلّم إفادة مكتوبة، وقال إنه محتفظ بسجل المكالمات اللي حصلت يوم الحاډثة. وفيه مكالمة اتعملت من تليفون الروضة لرقم شخص تاني، غير رقمي ورقمك.
بصيتله باستغراب.
مين الشخص ده؟
آسر نزل عينيه.
محمود بيقول إنه اتصل بيه بعد ما فشل يوصل لنا، وإن الشخص ده قال له إنه هيبعت حد ياخد ندى.
حسيت ببرودة في جسمي.
حد ياخد ندى؟ مين؟
آسر مد إيده ناحية الورقة، لكنه ما قدرش يبصلي.
الشخص اللي اتصل بيه كان كريم.
اتسمرت مكاني.
كريم؟ أخويا؟
أنا اللي كنت بوصيه على ندى، وهو اللي كان بيشتري لها الألعاب، ويقعد معاها بالساعات، وكنت بعتبره أقرب شخص ليا بعد أمي.
قلت بصوت واطي
إنت متأكد؟
المحامي تدخل وقال
لسه بنتحقق من تفاصيل المكالمة، لكن سجل الروضة بيثبت إن فيه اتصال بالرقم المذكور في الإفادة. ومحمود مستعد يشهد باللي سمعه بنفسه.
بصيت لآسر.
وكريم قال إيه؟
رد
أنكر في البداية إنه اتصل بالروضة، لكن لما واجهناه بالسجل، قال إنه كان بيحاول يساعد.
يساعد إزاي؟
آسر قفل الملف.
دي الحاجة اللي لسه ما فهمتهاش.
قمت من مكاني.
أنا عايزة أقابل محمود.
المحامي وافق إنه يرتب المقابلة في مكتبه، لكن قبل ما نخرج، آسر ناداني.
أمل، فيه حاجة تانية.
الټفت له.
إيه؟
قال بصوت متعب
كريم ما كانش بس اتصل بالروضة. هو كمان اتصل بيا يوم الحاډثة قبل ما المستشفى تتصل بيك، وأنا ما رديتش عليه.
حسيت إن كل حاجة جوايا وقفت.
إنت بتقول إيه؟
المكالمة كانت الساعة اتنين وسبعتاشر دقيقة. ما شفتهاش غير بعد ما وصلت المستشفى.
بصيت للمحامي، وبعدها رجعت بصيت لآسر.
يعني كريم كان عارف إن فيه مشكلة؟
آسر هز راسه.
مش عارفين إذا كان يعرف إن ندى خرجت من الروضة أو إن فيه حاډثة حصلت. لكنه اتصل بيا في نفس الوقت تقريبًا.
في اللحظة دي، فهمت إن مقابلة محمود مش هتكون مجرد إجابة عن سؤال قديم.
يمكن تكون بداية الحقيقة اللي كل واحد فيهم كان بيخبي جزءًا منها.
المشهد الخامس عشر شهادة مدير الروضة
وصلنا لمكتب محمود الساعة واحدة ظهرًا.
كان راجلًا في أواخر الخمسينات، شعره أبيض من الجانبين، وملامحه متعبة. أول ما شافني، قام من مكانه، لكنه ما مدش إيده يسلم عليا.
قال بصوت مكسور
البقاء لله يا أستاذة أمل. أنا عارف إن كلمة زي دي مش هتخفف عنك حاجة، بس أنا بقالي أيام مش عارف أنام.
قعدت قدامه.
أنا مش جاية ألومك يا أستاذ محمود. أنا جاية أعرف إيه اللي حصل بالضبط.
فتح درج مكتبه وطلع دفترًا قديمًا.
إحنا في الروضة عندنا سجل للمكالمات والمواقف الطارئة. يوم الحاډثة، لما ندى اتأخرت في الخروج، حاولنا نتصل بيكم أكتر من مرة. ولما ما حدش رد، اتصلت برقم كان موجود في ملف الطوارئ باعتباره رقم خال الطفلة.
بصيت للدفتر.
كان اسم كريم مكتوبًا بالفعل.
محمود كمل
كريم رد عليا، وقال لي إنه في طريقه للمكان، وطلب مني أخلي ندى جوه الروضة لحد ما يوصل. وأنا وافقت.
سألته بسرعة
طب إزاي ندى خرجت؟
وشه اتغير.
دي الحاجة اللي أنا ندمان عليها لحد النهارده.
سكت شوية، وبعدها كمل
في الوقت ده، كان فيه طفل اټعور في ساحة اللعب، وواحدة من المشرفات احتاجت مساعدتي. سبت ندى مع موظفة الاستقبال، وقلت لها ما تخرجش من البوابة مهما حصل.
وبعدين؟
لما رجعت، اكتشفت إن ندى مش موجودة.
حسيت إن
إيدي بدأت ترتعش.
يعني محدش شافها وهي خارجة؟
محمود هز راسه.
موظفة الاستقبال قالت إنها شافت ندى بتجري ناحية الشارع، وإنها افتكرتها شافت حد تعرفه. خرجت وراها، لكن كل حاجة حصلت بسرعة.
سألته
وكريم؟ وصل؟
وصل بعد الحاډثة بوقت قصير.
آسر اللي كان ساكت طول الوقت، رفع راسه فجأة.
إنت بتقول إيه؟ كريم وصل للروضة بعد الحاډثة؟
محمود هز راسه.
أيوه. لكنه ما دخلش يسأل عن ندى في البداية. وقف قدام البوابة، واتكلم مع موظفة الاستقبال، وبعدها مشي بسرعة.
بصيت لمحمود بعدم تصديق.
هو كان عارف إنها خرجت؟
مش قادر أجزم. هو سألني في التليفون إذا كانت ندى لسه موجودة، وأنا قلت له إنها معانا وإنه ييجي ياخدها. لكن لما وصل، ما سألنيش عنها بشكل مباشر.
المحامي كتب الملاحظات، وبعدها سأله
هل فيه أي تسجيلات أو مستندات تانية؟
محمود فتح درجًا آخر، وطلع منه ورقة صغيرة.
فيه حاجة لقيتها بعد الحاډثة، في درج مكتب الاستقبال. مش عارف مين حطها هناك.
مد الورقة للمحامي.
كانت ورقة مطوية، مكتوب عليها بخط سريع
لو اتأخرت، ما تسلموش الطفلة لأي حد غير أمها أو أبوها.
وتحت الجملة، كان فيه توقيع مش واضح.
قربت الورقة مني، وحاولت أتعرف على الخط.
ما عرفتش.
لكن آسر أول ما شافها، وشه اتغير.
قلتله
إنت تعرف الخط ده؟
فضل ساكت.
كررت السؤال.
آسر، إنت تعرف الخط ده؟
رفع عينيه ليا، وقال
أيوه.
خط مين؟
بلع ريقه، وبعدها قال اسمًا ما كانش موجودًا في حساباتي أصلًا.
خط نورهان.
المشهد السادس عشر ليه نورهان كتبت التحذير؟
خرجنا من مكتب محمود، وأنا حاسة إن كل معلومة جديدة بتزود الأسئلة بدل ما تجاوب عنها.
لو نورهان هي اللي كتبت التحذير، فليه كانت مهتمة بإن ندى ما تتسلمش لأي حد غيري أو أبوها؟ وهل كانت عارفة إن كريم هيروح الروضة؟ ولا كانت بتحاول تمنع حاجة تانية؟
في العربية، بصيت لآسر.
إنت كنت تعرف إنها اتصلت بالروضة؟
لأ.
طب تعرف ليه كانت بتكتب تحذير بالشكل ده؟
هز راسه.
مش عارف.
ما كنتش مصدقاه بالكامل، لكنه للمرة الأولى ما حاولش يطلع من السؤال بحجة إنني فاهمة غلط.
رجعنا لمكتب المحامي، وطلبنا منه يتواصل مع نورهان عن طريق محاميها، لأن اختفاءها السابق انتهى بعد ما قدمت المستندات، لكنها كانت لسه رافضة تقول مكانها أو تقابل أي حد من غير ترتيبات رسمية.
بعد ساعات، وصل رد من محاميها.
نورهان مستعدة تدلي بإفادة، لكن بشرط إن
المقابلة تكون في مكان رسمي، وبحضور محاميها.
وافق المحامي.
تحدد الموعد في اليوم التالي.
رجعت الفندق، وقعدت جنب الشباك، ببص على القاهرة




