قصص وروايات

حماتي مثّلت إنها في غيبوبة 2

لم يكد صوت صراخ حماتي يعلو في أرجاء الشقة الفارغة حتى تناهى إلى أسماعنا صوت أصوات غريبة تأتي من جهة باب الشقة الخارجي.

قبل أن يدرك أحمد أو أمه ما يجري، فتح الباب المفتوح على مصراعيه ليدخل منه ثلاثة رجال يرتدون بدلات رسمية، يتقدمهم محامٍ شاب يحمل حقيبة جلدية سوداء ثقيلة، وخلفه اثنان من رجال التنفيذ القضائي ومعهم قوة أمنية مصغرة بناءً على الطلبات المستعجلة التي تقدمت بها مسبقاً فور حصولي على التسجيل الصوتي.

تجمد أحمد في مكانه، وفتحت الحاجة نادية فمها من الصدمة وهي مذهولة من سرعة الأحداث التي تتسارع فوق راسيهما كالصواعق.

تقدّم المحامي بثبات، وفتح ملفاً ورقياً كبيراً، ثم نظر إلى أحمد وقال بصوت رسمي وحازم:

— السيد أحمد محمود… بناءً على مستندات الطلاق للضرر، وثبوت النصب والاحتيال والتدليس الموثق بالتسجيلات الصوتية، فضلاً عن إثبات التخلي عن الواجبات الزوجية والإهمال المتعمد خلال فترة النفاس للموكلة السيدة مريم، صدرت اليوم أوامر قضائية مستعجلة تتضمن الآتي:

التفت المحامي نحوي وأنا أقف بكل هدوء واثقة من خطواتي، ثم تابع قراءة القرارات بصوت عالٍ يسمعه الجميع:

1. إثبات الطلاق البائن للضرر مع الاحتفاظ بكامل الحقوق الشرعية والمؤخر والنفقة الكاملة للصغير.

2. التمكين الفوري لمسكن الحضانة لي ولابني، وإلزام المذكور بإخلاء الشقة فوراً وتسليمها خالية من أي منقولات تخصه أو تخص والدته خلال ساعتين فقط.

3. حجز تحفظي على كافة الحسابات البنكية المشتركة والخاصة به لضمان سداد مستحقات الصغير ونفقات تعويض الضرر النفسي والجسدي.

فقدت الحاجة نادية صوابها تماماً، ووقفت ترتجف من شدة الغضب والذهول، وصرخت بصوت خشن ومبحوح:

— إخلاء إيه؟! ومن مين؟! دي شقة ابني وعرقي وتعب سنينه! إنتي مفكرة نفسك مين يا بت إنتي عشان تطردينا من بيتنا؟! إحنا ما عملناش جريمة، دي مجرد… مجرد سفره صغيرة!

رد عليها المحامي ببرود وتراخٍ مهني:

— السفر والتمثيل بادعاء غيبوبة وهمية للهروب من النفقة وتلفيق الأكاذيب يُعاقب عليها القانون تحت بند التدليس المالي والمعنوي الجسيم، والقرارات القضائية صادرة ونافذة فوراً ولا مجال للنقاش فيها هنا.

أما أحمد، فقد انهار تماماً، وسقط على ركبتيه أمام قدمي وهو يمسك بطرف فستاني، ودموعه تنهمر بغزارة، وقال بصوت متقطع ومبحوح من كثرة البكاء:

— عشان خاطري يا مريم.. بالله عليكِ ما تعملي فيا كدة! أمي كبرت في السن ومش هتتحمل الشارع.. وأنا.. أنا من غيرك ولا حاجة! الشيطان ضحك عليا، والله أعملك اللي تدينيه كله.. سامحيني للمرة الأخيرة!

نظرت إليه، ووجدت في عينيه ذل الخداع الذي تجلى على حقيقته. لم يشعر بي وأنا أتألم، ولم يرحمني وأنا أنزف على سرير المستشفى، ولم يحترم دمعة أمي الطيبة التي خدمتهم بصمت.

انحنيت قليلاً، ورفعت ذقنه بأصابع يدي بثبات وقوة، وقلت بصوت هادئ ولكنه جارح:

— لما كنت في عز ضعفي، وكنت محتاجة لكلمة حنان أو إيد تسندني، كنت بتضحك وتستمتع على الشواطئ مع أمك… ولما طردت أمي اللي شالتني تلاتين يوم، مكنش في قلبك رحمة. دلوقتي جاي تطلب الرحمة؟ الشقة دي بقت باسمي وباسم ابني بقوة القانون، وحضرتك وحضرتكِ أمك اتفضلوا بره، الوقت انتهى.

التفت رجال التنفيذ القضائي نحو أحمد وحماتي، وبدأوا في إخراج متعلقاتهم الشخصية ووضعها في حقائب سفر كبيرة ألقيت خارج عتبة الباب، بينما كانت الحاجة نادية تلطم وجهها وتسب وتلعن الحظ والزمان، وأحمد عاجزاً عن النطق بكلمة واحدة وسط نظرات الاحتقار من الجميع.

بعد أقل من ساعتين، كانت الشقة فارغة تماماً منهم، وهادئة بشكل مريح يبعث على السلام لأول مرة منذ شهور طويلة.

فتحت النوافذ كلها على مصراعيها ليدخل الهواء النقي وأشعة الشمس الدافئة تملأ أركان البيت.

دخلت أمي الغرفة، وفي عينيها دمعة فرح وارتياح، وحضنتني بقوة وقالت:

— رفعتي راسنا يا بنتي.. وربنا نصرك على من ظلمك. الحق ممكن ينام شوية، لكنه عمره ما يموت.

ابتسمت وأنا أحتضن ابني الصغير الذي كان نائماً بسلام وهدوء تام، وحمدت الله كثيراً على تلك الصدمة التي كشفت لي الوجه الحقيقي لكل من أحاطوا بي، وأدركت حينها أن نهاية الكذب ليست سوى بداية جديدة لحياة حقيقية نقية، لا مكان فيها لأناني أو مخادع.

مرت الأيام والأسابيع بسرعة، وكأن الشقة بكل ذكرياتها السيئة قد غُسلت بالكامل وطُويت صفحتها للأبد. مع مساعدة أمي التي لم تفارقني والدعم القانوني القوي الذي حصّل لي ولابني كل حقوقنا ونفقاتنا فوراً، استعدت صحتي وعافيتي، وبدأت أخطو خطواتي الأولى في مشروعي الخاص بالتصميم والديكور الرقمي الذي كنت قد أجلته طويلاً بسبب الزواج ومشاكله.

أما أحمد وحماتي، فقصتهما انتشرت في العيلة كلها كالنار في الهشيم. لم يعد أحد يجرؤ على النظر في عينيهما، وانفضّ عنهما الجميع بعدما انكشفت حقيقتهم وأخلاقهم المزيفة. حماتي اضطرت للجلوس في بيت قديم لا يسكنه أحد في البلد بعيداً عن أضواء المدينة التي كانت تعشق التفاخر فيها، بينما أحمد، فقد طرده مديره في العمل بعدما كثرت شكاوى زملائه من تصرفاته المهتزة، وأصبح يقضي أيامه في ندم مرير لا ينفع بشيء.

وفي يوم مشمس هادئ، كنت قاعدة في البلكونة أشرب قهوتي بهدوء، وابني الصغير بيضحك وهو بيلعب بللعبه الجديدة. سمعت صوت جرس الباب بتردد، وكأنه خايف يرن.

قمت بهدوء وفتحت الباب.

كانت هي… عمة أحمد الكبيرة التي كانت في العربية وسمعت التسجيل بحذافيره. كانت واقفة وعينيها مليانة بالدموع والكسرة، وماسكة في إيديها شنطة صغيرة.

بصت لي وقالت بصوت مكسور:

— يا بنتي.. يا مريم.. أنا عارفة إن ملوش أي لزوم إني أجي، وإني عمتهم، بس أنا ما قدرتش أعدي من غير ما أجي وأعتذر لك بالنيابة عن العيلة كلها.

بصيت لها بهدوء من غير ما أتكلم، فكملت بدموع بتنزل على خدودها:

— أحمد بيضيع.. أمه جابت عاليها واطيها ووصلته للمرحلة دي، وهو قاعد دلوقتي لوحده ندمان ندماً ما بعده ندام، وبيقول إنه مستعد يعمل أي حاجة في الدنيا بس عشان تسامحيه وترجعي له، أو حتى تشوفيه مرة واحدة يبرر فيها موقفه.

ابتسمت ببرود، وبصيت لها وأنا بقول بثبات وقوة:

— يا عمتي، الرحمة والندم بيجوا في وقته، مش لما الإنسان يدوس على غيره وهو في عز ضعفه ويستمتع. أنا سامحته.. بس بيني وبينه، سامحته عشان أرتاح مش عشان أرجع. وحياتي أنا وابني اللي جايين دول أغلى بكتير من إني أضيّعهم مع واحد كداب وأنانية مثلت الغيبوبة عشان تهرب من مسؤولية.

عمت أحمد نزلت راسها باحترام وقالت بصوت خافت:

— عندك حق يا بنتي.. اللي زيكم خسارة فيهم ابننا. ربنا يعوضك خير ويبارك لك في ابنك.

قفلت الباب بهدوء، ورجعت قعدت مكاني، وحضنت ابني الصغير وأنا باصة للسماء. حسيت لأول مرة إني حرّة تماماً.. كأن كل قيود الماضي اتكسرت، وإن اللي جاي أحسن بكتير، لأن اللي بيعتمد على الكدب، نهايته دايماً الخراب، واللي بيقف مع الحق، ربنا بينصره مهما طال الزمن.

مرّت سنة كاملة على تلك الليلة الفاصلة التي غيرت مجرى حياتي إلى الأبد. سنة كاملة من الهدوء والسلام الداخلي والنجاح المتسارع. خلال هذه المدة، لم أكتفِ فقط بتربية ابني ورعايته، بل استطعت أن أؤسس شركتي الخاصة الصغيرة للتصميم والديكور الرقمي، والتي بدأت تحظى بشهرة واسعة وعملاء مميزين من داخل مصر وخارجها. أمي كانت الحصن الحصين والسند الدائم لي، وكانت عيونها تلمع فخراً وهي ترى ابنتها التي سحقها الإحباط والظلم تنهض من جديد وتبني إمبراطوريتها الصغيرة بكل قوة وثبات.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى