
أما في الجانب الآخر، فقد كان واقع أحمد وحماتي يعكس بدقة مقولة “كما تدين تدان”. فبعد طرد أحمد من عمله، عجز عن إيجاد وظيفة مرموقة تليق بغروره القديم، واضطر للعمل في وظيفة متواضعة وبأجر زهيد لا يكفي حتى لسداد أقساط ديونه الكثيرة التي تراكمت عليه بعد القضايا والأحكام المالية التي فرضتها المحكمة لصالحي وصالح ابني. أما الحاجة نادية، فقد انعزلت تماماً عن العالم الخارجي في بيتها القديم بالبلد، بعدما هجرها الجميع وتجنبوا التعامل معها بسبب لسانها السليط وأفعالها المشينة، ولم يتبقَ لها سوى حسرة مريرة على ابنها الذي دمرت مستقبله بيدها.
وفي أحد أيام الربيع الدافئة، بينما كنت منغمسة في متابعة بعض التصاميم الجديدة على جهازي اللوحي في مكتبي الأنيق بالمنزل، وابني الصغير – الذي بدأ يخطو خطواته الأولى وينطق بكلماته الأولى ببهجة – يلعب حول الكرسي، سمعت صوت جرس الباب.
لم يكن جرسًا متردداً هذه المرة، بل كان خفيفاً ومتكرراً، وكأن الشخص الواقف بالخارج يجمع شتات شجاعته بصعوبة بالغة.
قمت بهدوء، وفتحت باب الشقة.
كان الواقف هو أحمد… لكنه بدا شخصاً آخر تماماً. لم يتبقَ شيء من ذلك الرجل المتغطرس الممتلئ غروراً. كانت الكتفان منحنيتين، والشعر مخالطاً للشيب المبكر، والوجه شاحباً تعلوه هالات سوداء عميقة، وملابسه بسيطة ومستهلكة. وقف وهو يفرك بيديه المرتجفتين، وعينيه مرفوعتان بتوسل وانكسار شديدين.
نظر إليّ لفترة طويلة كأنه لا يصدق أنني أقف أمامه بكل هذه الثقة والقوة والنضارة، ثم بلع ريقه وقال بصوت مكسور يكاد يُسمع:
— ازيك يا مريم.. وأخبار ابننا إيه؟
وقفت في منتصف العتبة، وكتفت ذراعي بهدوء تام، ونظرت إليه نظرة خالية من أي غضب أو حقد، لأن الغضب يحتاج إلى طاقة، وهو لم يعد يستحق مني حتى مجرد الانفعال.
رددت بصوت هادئ وثابت:
— أنا بخير.. وابني بيحقق كل يوم خطوات جميلة في حياته، الحمد لله. خير يا أحمد؟ إيه اللي جابك هنا؟ هل في أوراق جديدة تخص المحكمة؟
انهمرت الدموع بغزارة من عيني أحمد، وسقط على ركبتيه أمام الباب تماماً كما فعل قبل سنة، لكن هذه المرة لم يكن يمثل ولم يكن يطلب مجرد الرحمة، بل كان يبكي بحرقة إنسان فقد كل شيء في هذه الدنيا.
قال بصوت متقطع ومبحوح:
— أنا عارف إني ملوش عين أقف قدامك، ولا أطلب منك تسامحيني.. حياتي كلها انهارت يا مريم. الشركة راحت، والفلوس طارت، والناس كلها بقت تبص لي بعين الاحتقار والازدراء. أمي.. أمي مريضة دلوقتي وطريحة السرير ومحدش بيبص في وشها. الندم بياكل في قلبي ليل نهار.. كل دقيقة بتعدي وأنا بفتكر إزاي ظلمتك، وإزاي كنت أناني وغبي وضحيت بأسرتي عشان خاطر نزوة وكدبة سخيفة اخترعتها أمي.
توقف قليلاً وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، ثم مد يده المرتجفة نحوي وقال بانكسار:
— أنا مش جاي أطلب منك ترجعي لي.. أنا عارف كويس إني خسرتك للأبد، ومستحيل وحدة زيك بقيمتها وقوتها تقبل ترتبط بوانسان فاشل وخائن زيي. أنا كل اللي جاي أطلبه.. إنك تسامحيني بقلبك، عشان أعرف أعيش بالباقي من عمري، وتسمحي لي أشوف ابني من وقت تاني.. والله العظيم ما هأذيه، وهدفع كل اللي أقدر عليه عشان خاطره.
بصيت له وهو بالمظهر ده، وحسيت بمشاعر مختلطة، لكن الغلبة كانت للسلام النفسي الذي عشته طوال السنة الماضية. أدركت أن الانتقام الحقيقي لم يكن في المحاكم ولا في الطرد، بل كان في أن أصبح أفضل، وأن أرى الظالم ينال جزاءه العادل من أفعاله وحدها دون أن ألوث يدي به.
تنفسفت بعمق، وابتسمت ابتسامة خفيفة وصافية، وقلت له:
— يا أحمد.. أنا سامحتك من زمان. مش عشانك، بل عشان نفسي، عشان أرتاح وأقفل الصفحة دي بكل ما فيها وما أشيلش في قلبي كره يعطلني عن حلمي. أما عن ابنك.. هو طبعاً له أب، وممنوعش عنه يشوفك لو ده هيكون في مصلحته وبشروط واضحة ومحددة قانونياً، بس علاقتنا أنا وإنت انتهت تماماً، ومستحيل ترجع، ولا حتى كأصدقاء.
سمع كلماتي، فانحنى وقبل الأرض من أمام باب الشقة بامتنان ودموعه لا تنقطع، وقال بصوت خانقه البكاء:
— شكراً يا مريم.. شكراً لإنك أرحم بكتير من اللي أستحقه. ربنا يعوضك خير عن كل دمعة نزلت بسببنا.
تحرك بخطوات بطيئة وثقيلة، ودار ومشى في ممر العمارة، نازلاً الدرج واحدة تلو الأخرى، كأن السنين كلها محفورة على ظهره.
قفلت الباب بهدوء، وأغلقت القفل وراءه، ودخلت إلى الصالة حيث كان ابني يبتسم لي ويلوح بلعبه. رفعته بين أراعي وحضنته بكل قوتي، شكرت الله في سري على نعمة القوة، والوعي، والنجاة، وأدركت أن الإنسان مهما بلغ به الظلم والكذب، فإن نهاية الطريق للظالم خراب، ونهاية الصابر هي النور المبين.




