روايات وقصص

حكايات نورهان العشرى1

عمي اتنفض وقالي بغضب:

ـ ولاء! اتكلمي مع أخت عمك بأسلوب أسن من كده! جواد ظابط ومتربي وميمدش إيده غير لما تكوني جننتيه!

مقالات ذات صلة

ابتسمت بسخرية وقعدت حاطة رجل على رجل قصادهم ـ حركة كانت بالنسبة لهم كفر صريح بالعرف والعيلة ـ وقلت لعمي:

ـ يا عمي اللوا.. الأسلوب الحسن دا كان زمان لما كنت بصون العيلة. إنما دلوقتي، ابنك لو متخيل إنه الظابط الكبير اللي مفيش زيه، فأن بذكرك إن معايا ليسانس حقوق.. وعارفة كويس أوي يعني إيه بلاغ في النيابة العسكرية أو مذكرة في التفتيش والمتابعة عن ظابط بيعتدي على مراته ويضربها ويتسبب لها في إهانات بتبس سمعه وسمعة شغله!

عمي وشه جاب ألوان! جواد شغلانته هي كل حياته، والسبب اللي خلاه يسيب خطيبته الأولى كان الخوف على شغله ومستقبله. حماتي وقفت وصرخت:

ـ إنتِ بتهددينا يا صايعة؟! بتهددي حضرة الظابط؟!

أبويا وقف وضرب بإيده على الترابيزة وقال بصوت زي الرعد:

ـ اتعلمي تتكلمي مع بنتي يا أم جواد! بنتي مش صايعة.. بنتي ست أسيادكوا، واللي كنتوا شايفينها هبلة ومستسلمة كانت بتعمل كده عشان أصلها وعشان بتحب ابنكوا.. إنما لما تحطوا كرامتها في الطين، يبقى تلزموا حدودكوا! وبلاغ النيابة دا أنا اللي هقدمه بإيدي لو ابنك ما جاش هنا واعتذر لها قدام العيلة كلها!

عمي اتوتر جداً، ورسم ابتسامة مزيفة وقال:

ـ صلوا على النبي يا جماعة.. الكلام مياخدناش لبعيد كده. إحنا أهل، وجواد ابننا وولاء بنتنا..

رديت عليه فوراً:

ـ لا يا عمي.. أنا مش بنتكوا. أنا ولاء عبد العزيز.. واللي بيني وبين جواد مش هينتهي بالسهولة دي، بس مش هيرجع زي زمان. لو جواد عايزني أرجع، ييجي هو هنا بنفسه، ويجيب معاه شبكة جديدة وشقة باسمي تكتبوها كترضية عن القلم اللي اتضربته، ويتعهد قدام أهلي كلهم إنه ملهوش كلمة عليا تشين كرامتي. وغير كده.. ورقتي تجيلي، والمحاكم بيننا!

حماتي شهقت وقالت:

ـ شقة وشبكة لمنكسرة الزعنفة دي؟! دا بعينك! ابني مش هييجي ولا هيعبرك!

قلت لها ببرود قاتل:

ـ يبقا ينفذ كلامك يا طنط.. ويوريني الألف واحدة اللي يتمنوه، ويتجوز الصبح بنت بنوت زي ما قلتِ! بس يعرف إن المحاكم هتاخد منه نص مرتبه ونصف شقته نفقة وأجر حضانة وأنا قاعدة معززة مكرمة في بيت أبويا.

خرجوا من البيت وهما شايطين.. عمي كان بيتكلم في التليفون بغضب وهو نازل، وحماتي كانت بتتحسبن.

مر أسبوع.. أسبوع كامل جواد ما اتصلش. كان يمارس لعبة “حرب النفوس” اللي متعود عليها.. متوقع إن السكوت والجهل هيخلوني أضعف وأبكي وأتصل بيه. بس أنا مكنتش ولاء بتاعة زمان. في الأسبوع دا، نزلت قطعت شعري القصير اللي كان بيحبه، وغيرت طريقة لبسي، ونزلت قدمت على شغل في مكتب محاماة كبير تبع واحد زميل أبويا القديم. بدأت أسترد ذاتي اللي ضاعت في خدمته وخدمة أهله.

في اليوم التامن.. التليفون رن. كان هو!

سيبت التليفون يرن لحد ما فصل. رن تاني.. وثالث.. في المرة الرابعة رديت بنبرة رسمية وباردة جداً:

ـ أيوة يا جواد.

صوته كان مخنوق، ومزيج بين الغضب والصدمة من طريقة ردي:

ـ إيه المعاملة دي؟ أومال مبترديش ليه من أول مرة؟

ـ كنت مشغولة.. خير؟ في حاجة تخص الولاد؟

سكت ثواني مش مصدق النبرة، وبعدين قال بعصبية:

ـ ولد إيه وزفت إيه! إيه الكلام اللي قلتيه لأمي وأبويا دا؟ إنتِ اتجننتِ يا ولاء؟! بتهدديني بشغلي؟ عايزة تاخدي شقة وشبكة وترضية؟! إنتِ فاكرة نفسك مين؟!

ضحكت بصوت عالي.. ضحكة سخرية وصلته عبر التليفون وولعت فيه:

ـ أنا مين؟ أنا اللي كنت شايفاك كل حاجة في الدنيا وأنت شايفني كرسي في بيتك. بس دلوقتي أنا عرفت قيمة نفسي كويس أوي يا حضرة الظابط. والكلام اللي قلته لعمي هو اللي هيتنفذ.. حرف بحرف.

جواد صرخ في التليفون:

ـ إنتِ بتحلمي! أنا مفيش ست تملي عليا شروطها! ولاء، اعقلي وارجعي بيتك بدل ما أبقيكِ على المفيش وترجعي تندمي!

رديت بمنتهى الجمود:

ـ الندم دا كان زمان يا جواد.. لما ضيعت 8 سنين من عمري بأفصل نفسي على مقاسك وأنت مش شايفني. دلوقتي إنت اللي قدامك الاختيار.. يا تجيلي بيت أبويا وتعتذر وتنفذ شروطي، يا نلتقي في محكمة الأسرة.. وساعتها البلاغ اللي هيتقدم للنيابة العسكرية بخصوص ضربك ليا ومعاملتك هيخلي مستقبلك اللي خفت عليه من خطيبتك الأولى يضيع على إيد المكسورة اللي كنت مستحقرها!

قفلت السكة في وشه! لأول مرة في حياتي أقفل السكة في وش جواد الراوي!

إيدي كانت بتترعش من التوتر، بس قلبي كان حاسس بنصر صغير.. نصر إن الهيبة اللي كان بيمارسها عليا اتكسرت.

مرت 3 أيام كمان.. وفوجئت بزميلة ليا في مكتب المحاماة بتقولي إن في واحد بره عايز يشوفني ومصمم. خرجت.. ولقيت جواد واقف في الصالة بتاعة المكتب!

كان شكله متوتر، وشها باين عليه الإرهاق.. لأول مرة أشوفه مش ببدلته المنسقة أو بكبريائه المعتاد. عينيه كانت بتدور عليا، ولما شافني بالشكل الجديد.. باللبس الأنيق والشعر المتغير ونظرة الثقة اللي في عيني، اتسمر مكانه.

قربت منه بثبات وقفت قدامه وقلت:

ـ خير يا جواد؟ جاي المكتب هنا ليه؟

بصلي بذهول وقال بصوت خفيض:

ـ إيه اللي إنتِ عاملاه في نفسك دا؟ وإيه شغلك دا؟ إنتِ بجد اتغيرتِ يا ولاء؟

ابتسمت بثقة وقلت:

ـ لا يا جواد.. أنا متغيرتش.. أنا بس رجعت ولاء الحقيقية اللي إنت وأهلك دفنتوها من 8 سنين. ها.. قررت إيه؟ المحكمة ولا الأصول؟

جواد بلع ريقه.. الكبرياء اللي كان جواه كان بيموت بالبطيء وهو شايف إن الست اللي كانت بتتمنى نظرة منه، بقت هي اللي بتمشيه على عجين مبلخ ما يلغبطوش. قرب مني خطوة وقال بنبرة فيها انكسار لأول مرة ألمحه في حياتي:

ـ أمي زعلانة.. وأنا عمري ما تويلت إني أقف الموقف دا.. بس إنتِ لويتي دراعي باللي عملتيه.

قلتله بحدة:

ـ أنا ملوتش دراع حد.. إنت اللي ضربت، وأمك هي اللي أهانت. وإلي يعتدي يستحمل النتيجة.

جواد بص للأرض، وبعدين رفع عينيه في عيني وقال كلمة واحدة هزت المكتب كله:

ـ ماشي يا ولاء.. هنيجي بكره أنا وأبويا وأمي بيت أهلك.. وهعمل كل اللي إنتِ عايزاه.. بس افتكري إنك كده بتفتحي بيننا صفحة جديدة مش هتعرفي أخرها إيه!

مشيت وسبته واقف، وأنا حاسة إن ناري بدأت تبرد.. دي كانت مجرد بداية الحرب، والخطوة الأولى في رجوع كرامتي، بس المرة دي.. أنا اللي بمسك اللعبة، وأنا اللي بحدد القواعد!

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى