
عصام بقى عايش طريد بين بيت أبوه اللي ما بقاش يطيق يبص في وشه، وبين بيت نسيبه اللي قافل الباب في وشه. الشغل بتاعه بدأ يتأثر، غيابه كثر، وتركيزه ضاع، وبقى يقضي نص اليوم قاعد على القهوة تحت العمارة، يداري خيبته من نظرات الجيران اللي سمعوا بوشوشات عن المشكلة.
وفي يوم من أيام الجمعة، جاء حمايا يزورنا في الشقة الجديدة.
-
مكتوب كتابنا حكايات رومانى مكرم 1منذ 8 دقائق
-
ومكتوب كتابنا حكايات رومانى مكرم 2منذ 14 دقيقة
-
سلفتى حكايات رومانى مكرم 3منذ 3 ساعات
-
سلفتى حكايات رومانى مكرم 2منذ 3 ساعات
قعد مع أحمد في الصالة، وأنا دخلت أعملهم القهوة. سمعت حمايا بيكلم أحمد بنبرة تقيلة مليانة حسرة: “يا أحمد يا ابني.. أنا عارف إن أخوك غلط غلطة عمره، وعارف إن اللي عمله ما يداويهوش مية بحر. بس البيت من غيره ومن غيركم فضي عليّ وعلى أمك. عصام بيدمر، ومراته طالبة الطلاق، والبيت قرب يتخرب على الآخر. أنا مش بقولك سامحه ولا حبه، بس العيلة بتتفكك يا ابني قدام عينيا وأنا راجل كبرت وما بقتش حيلتي حيل للهموم دي.”
أحمد سكت فترة طويلة، كان ماسك فنجان القهوة بيمسح حوافه بصابعه، وبعدين بص لأبوه وقال: “يا أبا، أنت على رأسي، ولو طلبت عينيا أدهالك. بس أنا لو سامحت عصام النهاردة ورجعت المياه لمجاريها زي الأول، هبقى بقدم رخص لمراتي ولنفسي. عصام ما خاننيش في فلوس بس، عصام هتك ستر بيتي وكان بيتفرج على حاجات مراتي الخاصة ويبتسم بكل برود! أنت عارف يعني إيه راجل يتساب برة بلده ومستأمن أخوه على عرضه، فيرجع يلاقي أخوه هو اللي بينبش وراه؟ المفروض لو حد براني عمل كده، كنت أكلته بسناني.. أنا عشان خاطر دمك وشيبتك سكت وما لمستوش، إنما ترجيع العلاقات زي زمان ده في أحلامه.”
حمايا طأطأ رأسه وقال: “مش عايزك ترجع معاه زي زمان يا أحمد.. أنا بس عايزك تحضر القاعدة اللي هتحصل بيننا وبين نسيبه الأسبوع الجاي. نسيبه شرط إنك تحضر وتعلن بنفسك إنك مسامحه في الفلوس وإن المشكلة اتفلتت بين الأخوات، عشان يرضى يرجع بنته وما يحسش إن جوز بنته حرامي أو مسروق منه.”
أحمد بص لي وهو محتار، وعينيه كانت بتسألني: “نعمل إيه؟”.
أنا رغم كل اللي عصام عمله فيّ، ورغم الدموع والإحراج اللي عشته بسبب سخافته وفتحه للشنط، ما كنتش أتمنى إنه بيته يتخرب أو بنته الصغيرة تتشرد بين الأب والأم. قربت من حمايا وقلت له: “يا عمي، اللي أحمد يشوفه صح يعمله.. بس عشان خاطرك أنت وخاطر طنط، أحمد مش هيتأخر عن قاعدة الصُلح، بشرط واحد: عصام يعرف حدوده وما يحاولش يتخطاها معايا أو مع أحمد تاني أبداً.”
أحمد بص لي باستغراب من تسامحي، بس هز رأسه موافق احتراماً لرجائي ولأبوه: “تمام يا أبا.. هحضر القاعدة. بس الكلام اللي هيتقال هناك هيكون حساب جديد.”
وجاء يوم الأحد، يوم قاعدة الصُلح في بيت أهل منى.
البيت كان مليان؛ كبار العيلتين موجودين، وأبو منى قاعد صدر القاعة وعلى يمينه كبار المنطقة. دخل عصام وهو حاني رأسه، شكله خاسس وجسمه مكسور. بعده بدقايق، دخل أحمد.. دخل بقامته المرفوعة وهيبته، والكل قام وقف عشان يسلم عليه ويحيوه على وقفته ورجولته.
القعدة بدأت، وأبو منى فتح الكلام بصراحة وقسوة: “إحنا جمعناكم النهاردة عشان نضع النقاط على الحروف. بنتنا ما طلعتش من بيت عيلتها عشان تتربى على الفضائح، وإحنا سمعنا إن عصام مد إيده على حاجة أخوه المسافر، وده كلام لو ثبت، إحنا ما نأمنش بنتنا مع راجل بالمنظر ده!”.
الصمت نزل على القاعة، وعصام وشّه احمرّ وعينيه جت في الأرض من الكسوف، ما قدرش يفتح بؤه بربع كلمة.
هنا، الكل اتجه بنظره لأحمد.. الحقيقة كلها كانت في إيد أحمد، لو قال “أيوه سرقني”، عصام كان هيتدمر نهائياً ومراته تتطلق منه في نفس اللحظة. ولو قال “لا”، هيكون بيغطي على الحقيقة.
أحمد أخد نفس عميق، وبص لعصام بنظرة ثقيلة، وبعدين التفت لأبو منى وقال بصوت جهوري هز القاعة: “يا حاج.. اللي حصل بيني وبين أخوي عصام سوء فهم وإبليس دخل بيننا في لحظة شيطان. عصام أخويا الكبير، والفلوس اللي كانت بيننا كانت جمعية وحسابات بين أخين، ومفيش سرقة بين الأخوات.. أنا خدت حقي كاملاً وزيادة، وأخويا ما يمدش إيده على حاجة مش بتاعته.”
عصام رفع رأسه بسرعة وبص لأحمد بذهول ودموعه نزلت من غير ما يحس! ما كانش متوقع إن أحمد، بعد كل اللي حصل، يستر عليه قدام نسيبه ويحفظله ماء وشه قدام الناس اللي قاعدة.
كمل أحمد كلامه بنبرة حاسمة: “أما عن بيته ومراته، فعصام راجل وسند، والشهادة لله عمره ما قصر في حق بيته. لكن لو فيه شروط عشان العيشة تستمر بالاحترام، فإحنا كبار العيلة وموافقين عليها عشان خاطر البنت الصغيرة.”
أبو منى ابتسم وهز رأسه بإعجاب وقال: “أصيل يا أحمد.. طول عمرك ولد أصول وعارف قيمة العيلة. طالما أنت شهدت بكده وأنت صاحب الشأن، يبقى إحنا القول قولك، وبنتنا ترجع لبيت جوزها مرفوعة الراس.”
اتفضت القعدة، والناس كلها بدأت تبارك وتسلم. لما الناس مشيت وما بفضلش غير حمايا وأحمد وعصام في الصالة، عصام قرب من أحمد بخطوات مكسورة، ومسك إيده عشان يبوسها وهو بيعيط بحرقة: “سترترني يا أحمد.. سترتني قدام الناس وأنا اللي كشفت ستر بيتك! والله ما أستاهل أظفرك يا أخويا.. سامحني، سامحني يا أحمد!”
أحمد سحب إيده ببطء وأدب، وبص له وقال بنبرة هادية بس جافة: “أنا عملت كده عشان خاطر أبا وأمي، وعشان البنت الصغيرة ما تترباش بعار مالوش ذنب فيه. أنا سترتك قدام الناس يا عصام.. بس القلوب مش بترجع بسهولة. أرجع لبيتك ومراتك، وابدأ نضيف، وما تخليش الشيطان يلعب في دماغك تاني.”
ورجع عصام لمراته، ورجعت المياه لمجاريها بشكل ظاهري. لكن في نفس الأسبوع، جاء تليفون لأحمد من الشركة في السعودية ببلغه بضرورة قطعه لإجازته والرجوع فوراً لمباشرة شغل جديد وترقية كبيرة كان بانتظارها من سنة.
أحمد بص لي وقال لقلقي: “أنا هسافر يا سميرة.. بس المرة دي وأنا مطمن. أنتِ في شقتك المقفولة عليكِ، وأبوكِ واخد باله منك، وأنا مش هبعت شنط ولا هدايا مع حد تاني.. كل حاجة هتجيلك لحد باب شقتك عن طريق الشحن الخاص المباشر باسمك أنتِ وبس.”
سافر أحمد، ورجعت لحياتي الهادية مع ابني منير في شقتنا، وشهرين مروا بسلام. لحد ما في يوم، خبط باب الشقة.. ولما فتحت، لقيت مندوب الشحن واقف ومسكني طرد كبير مقفول بختم مصنع رسمياً باسمي.
شكرت المندوب وأخدت الطرد ودخلت. فتحت الطرد وأنا ببتسم، ولقيت جوه هدايا جميلة ليا ولمنير، وتحتها كارت صغير بخط أحمد: “إلى زوجتي الغالية سميرة.. الستر اللي أتبنى على أصول ما يهزوش ريح. الحاجة دي جاية من إيدي لإيدك علطول، ومحدش يقدر يفتح سوستة حياتنا تاني.”
ابتسمت وأنا بضم الكارت لصدي، وحسيت إن كل وجع العيشة القديمة وفتحة الشنط والكسوف قدام العيلة اتبخر خلاص. بس اللي ما كنتش أعرفه، إن عصام، رغم إنه رجع لمراته وعقل، كان لسه بيحاول يدور على طريقة يسدد بيها دينه لأحمد ويسترد بيها مكانته في عين أخوه.. طريقة هتفتح باب جديد من الأحداث غير متوقع بالمرة!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”






