روايات وقصص

حكايات زهره الربيع 2

حمايا مسك تليفونه، وطلب عصام. فتح السبيكر عشان الكل يسمع.

أول ما عصام رد بصوت متلعثم: “أيوه يا أبا..”

رد حمايا بصوت قاطع زي السيف: “خمس دقائق تكون واقف قدامي في الصالة يا عصام. أحمد نزل من السفر، والحساب جه.. ولو متجمعتش فوراً، اعتبر نفسك ماليش ابن بالاسم ده ليوم الدين.”

دقايق قليلة وكانت أبطأ دقايق مرت علينا. الباب خبط، ودخل عصام.

أول ما دخل ورأسه في الأرض، شفت راجل ثاني غير عصام المغرور اللي كان بيقف في نص الصالة يفتح الشنط ويصّفر بقلة أدب. كان شكله مكسور، خاسس، وعينيه مطفية.

أول ما عين أحمد جت في عين عصام، الهوا اتكتم في الشقة. أحمد قرب منه بخطوات بطيئة وثقيلة، وعصام واقف مكان مش قادر يرفع عينيه في عين أخوه الصغير.

أحمد وقف قدامه بالظبط، وسأله بصوت واطي جداً، بس النبرة دي كانت أرعب من الزعيق: “ليه يا عصام؟”

سكت عصام وما ردش.

كررها أحمد بصوت أعلى هز الشباك: “ليه يا عصام؟! أنا قصرت معاك في إيه؟ أنا سبت بلدي وأكلي وعيشتي وغربت نفسي عشان أ أمن مستقبلي، وكنت مع كل شنطة ببعتلك أنت ومراتك وبنتك أحسن الهدايا وأغلاها! أكلت من خيري، وكنت بفاخر بيك وبقول أخويا الكبير ضهري وسندي في غيابي.. تقوم تفتح ستر مراتي وتتفرج على حاجاتها الخاصة قدام الناس؟ تقوم تمد إيدك على درجي وتسرق عرق سنيني؟ هو أنا كنت أكلت حقك ولا أكلت مال أباك؟!”

عصام هنا انهار، قعد على ركبه في الأرض، وبدأ يعيط بصوت عالي ويبكي بحرقة: “حقك عليّ يا أحمد.. الشيطان غماني! الغل والغيرة قتلوني يا أخويا! شفتك بتكبر وتبعت وتعمل وأنا قاعد مكاني مش عارف أتحرك ولا أعمل حاجة، العظمة والفضول والغل عموا عينيا.. سامحني يا أخويا وحقك على رأسي، اضربني، افعل فيّ اللي أنت عايزه بس ما تتبرأش مني!”

أحمد بص له وهو على الركب، والنظرة اللي كانت في عين أحمد ما كانتش غضب، كانت خيبة أمل قاتلة. النظرة اللي بتيجي لما تتطعن من أطهر مكان كنت فاكره أمانك.

أحمد توطى جاب كيس القطيفة اللي فيه الدهب والفلوس، وحطه في إيد حمايا، وبعدين بص لعصام وقال له بكلمات نزل زي الصاعقة:

“الفلوس والدهب رجعوا.. بس الستر اللي اتكشف ما بيرجعش يا عصام. والكرامة اللي أتهانت والرجولة اللي اتكسرت في غيابي مفيش فلوس الدنيا كلها تقدر تصلحها. أنت أخويا على الورق وبس، وأنا مش هرفع إيدي عليك عشان خاطر شيبة أبونا ودم أمنا اللي جري في عروقنا.. بس من النهاردة، أنت بالنسبة لي زي الغريب. لو شفتك في الشارع مش هسلم عليك، ولو دخلت مكان أنا فيه تخرج منه.”

التفت أحمد لأبوه وقال له: “يا أبا، أنا هنسحب من البيت ده. أنا هاخد مراتي وابني ونأجر شقة برة لحد ما نجيب شقتنا. البيت ده خلاص، جدرانه بقت شايلة ذكريات توجع، وكل ركن فيه بيفكرني بالخيانات.”

حمايا حاجة في قلبه اتكسرت، بس ما قدرش يعارض أحمد، لأنه عارف إن أحمد معاه كل الحق، وإن الجرح أعمق من إن أي اعتذار يداويه.

عصام قام من على الأرض، يجر خيبته وعاره، وخرج من البيت وهو عارف إنه خسر كل حاجة: خسر أخوه، خسر احترام أبوه وأمه، وخسر هيبته قدام العيلة كلها بسبب لحظات طمع وغيرة ودناءة نفس.

وبعد أسبوع واحد، كنا بنعبي شنطنا أنا وأحمد وابننا منير عشان ننقل لشقتنا الجديدة. شقة صغيرة وبسيطة، بس كانت بالنسبة لي أحسن وأطهر من أي قصر. وأحنا بنقفل شنطنا، مسك أحمد إيدي وبص لي وقال: “سامحيني يا سميرة.. شيلتك هم فوق طاقتك وأنتِ لوحدك، وعشتي أيام متوترة بسبب حمايتي اللي كانت ناقصة.”

رديت عليه وأنا بحضنه: “أنت كفيت ووفيت يا أحمد، وربنا يخليك ليا ولابنك، والمهم إننا مع بعض، وإن الأصول في الآخر هي اللي انتصرت.”

خرجنا من بيت العيلة، وسبنا وارانا درس مش هينساه حد فيهم: إن السَتر أمانة، وإن اللي يفتح ستر غيره، ربنا بيكشف ستره قدام الكل، وإن بيت العيلة مش مجرد جدران، بيت العيلة أصول ونخوة.. ولما النخوة تضيع، الجدران نفسها بتبقى غريبة على أصحابها.

مرت الأيام الأولى في الشقة الجديدة هادية بزيادة، شبه الهدوء اللي بيرمي شبكته بعد الحروب. الشقة كانت في عمارة هادية على أطراف المنطقة، متواضعة لكن ريحتها ستر وأمان. لأول مرة من أربع سنين، أنام وأنا مش خايفة من بكرة، مش حاطة مفتاح الدرج تحت المخاد، ولا شايلة هم شنطة هدايا توصل ولا حركة بايخة من عصام تعكر صفو يومي. أحمد كان بحكم إجازته بياخدنا ويخرجنا، يحاول ينسينا الأيام المرة اللي فاتت، لكن جوا عينيه كانت فيه غشاوة حزن مابتروحش؛ كسرة الأخ من أخوه مش حاجة بتتمحي بمجرد تغيير العتبة.

وفي وسط المحاولات دي عشان نبدأ صفحة جديدة، بدأ يتسرّب لنا الأخبار من بيت العيلة عن طريق حماتي.

حماتي كانت بتيجي تزورنا من وقت للتاني، تقعد مع ابننا منير وتجيبله معاها حاجات حلوة، بس وشتها كان دايماً دبلان. عصام بعد ما اتردله قلمه وانكشف قدام الكل، ما رجعش لبيته بسهولة. منى مراته كانت خدت بنتها وراحت بيت أهلها وغضبت، وقالت لأبوها وأمها: “أنا أتجوزت راجل يسترني ويحميني، مش راجل أرجع ألاقيه مد إيده على حاجة مرات أخوه وانطرد قدام البيت كله!”. أهلها طبعاً مسكوا في الموضوع ورفضوا يرجّعوها إلا بشروط تعجيزية؛ طالبين شقة مستقلة بعيد عن بيت العيلة خالص، وكتب مؤخر جديد، واعتذار رسمي من عصام لأبوها على الفضيحة اللي طالتهم.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى