
بعد ما خرج عصام من البيت ومجرور وراه الخيبة والكسوف، خيم سكون تقيل على الشقة. سكون شبه اللي بييجي بعد العاصفة. منى مراته كانت بتجمع هدومها وهدوم بنتها وهي بتعيط بحرقة وصوت مكتوم، كسرة عينها كانت تصعب على الكافر، لكن محدش من العيلة كان قادر يسامح أو يغطي على المهزلة اللي حصلت. حمايا قعد في الصالة ماسك سبحته، عينه مثبتة في الأرض وشريط السنين بيمر قدامه؛ إزاي ابنه البكر، اللي كان المفروض يكون سند البيت وراسه المرفوعة، يوصل بيه الغل والدناءة إنه يمد إيده على سرير أخوه وياخد شقاه وعرقه في الغربة؟
-
حكايات زهره الربيع 3منذ 57 دقيقة
-
حكايات زهره الربيع 1منذ ساعة واحدة
-
أول حاجة عملها جوزي2منذ 3 ساعات
-
أول حاجة عملها جوزي 1منذ 3 ساعات
خرج عصام مع مراته وبنته، وقفل الباب وراهم بصوت مكتوم. في اللحظة دي، حماتي دخلت أوضتي، قعدت جنبي على السرير، مسكت إيدي وهي بتترعش والدموع مالية وشها وقالت لي: “سامحينا يا سميرة يا بنتي.. حقك على رأسي من فوق. ربنا يعلم إننا ربينا على الأصول، بس النفس أوقات بتميل للشيطان، وأخو جوزك الشيطان غماه وعماه الغل.”
رديت عليها وأنا ببوس إيدها: “يا أمي أنتِ وعمي فوق رأسي، أنتم ما قصرتمش، وموقف عمي النهاردة يتاقل بالدهب. أنا اللي زعلانة إن الموضوع وصل لكده وعمي ضغطه ارتفع بسبب الحوار ده.”
لكن القصة ما انتهتش عند باب الشقة اللي اتقفل ورا عصام؛ دي كانت مجرد بداية لمرحلة جديدة أشد وأصعب، لأن أحمد جوزي ما كانش يعرف أي حاجة من اللي حصلت!
أنا وحمايا اتفقنا إننا ما ننطقش بحرف لأحمد وهو في الغربة. أحمد كان فاضل على إجازته السنوية أقل من شهر، وكان بيشتغل شغلين في السعودية عشان يجمع قرشين نأمن بيهم مستقبلنا ونشتري شقة مستقلة. حمايا قال لي بنبرة حاسمة: “يا سميرة، أحمد لو عرف وهو هناك، دمه حيفور وما بعيد ينزل قطوع أو يعمل مشكلة تأذيه في شغله. سيبيه يركز في شغله، ولما ينزل بالسلامة، يقعد معايا وأنا اللي هحكيله كل حاجة راجل لراجل، وحقه هيجيله لحد عنده.”
مرت الأسابيع الأربعة دول وكأنهم أربعة سنين. كل ما أحمد يتصل فيديو عشان يطمن علينا وعلى ابنه منير، كنت بحاول أبتسم وأبين إن كل حاجة تمام. بس هو بذكائه وحسه العالي كان حاسس إن فيه حاجة غريبة.
“مال صوتك يا سميرة؟” كان يسألني بنبرة قلقانة. “وفين عصام وأمي؟ بقالي فترة بطلب عصام تليفونه مغلق، ولما بسأل أمي عنه بتقولي إنه مشغول في الشغل؟ هو فيه حاجة مخبيينها عليّ؟”
كنت أتهرب وأقوله: “مفيش يا حبيبي، الشغل ضاغط عليه شوية، وأنت عارف البيت من غيرك هادي. المهم أنت ترجع بالسلامة، منير كل يوم يسأل عليك.”
وفي اليوم الموعود، وصل أحمد مصر.
دخل من باب الشقة والشوق مالي عينيه، شايل ابنه منير بين إيديه وبيحضن أمه وأبوه. لكن الفرحة ما كملتش لحظات لحد ما عين أحمد لفت في الصالة ولمحت غياب عصام ومراته وبنتهم. الشقة كانت فاضية من حركتهم وضحكهم اللي كان مالي المكان.
قعد أحمد في الصالة بعد ما سلم علينا، وبص لأبوه وقال باستغراب: “أمال فين عصام يا أبا؟ ومنى والبنت؟ هي خالتي تعبانة ولا منى عند أهلها؟”
حمايا حط كباية الشاي من إيده، وبص لأحمد بنظرة ثقيلة جداً، وقال بصوت هادي بس مليان حزن: “ادخل غير هدومك يا أحمد، ارتاح من سفرك وتعبك، وبعد العشاء تقعد معايا في الصالة.. فيه كلام لازم يتقال.”
أحمد بص لي، وبعدين بص لأمه اللي وشت وشها الناحية الثانية وتحاشات تلافي عينيه. هنا أحمد فهم إن فيه مصيبة حصلت. دخل الأوضة وغير هدومه وهو ساكت، وكان بيتحرك زي النمر المحبوس في قفص. حاول يسألني جوة الأوضة: “سميرة.. فيه إيه؟ عصام جرى له حاجة؟ حد جراله حاجة؟”
سكت ونزلت رأسي في الأرض وقلت له: “اسمع من أبوك يا أحمد.. أبوك هو اللي عنده القول الفصل.”
بعد صلاة العشاء، قعدنا كلنا في الصالة: حمايا، وحماتي، وأحمد، وأنا. الجو كان مشحون بكهرباء متوترة.
بدأ حمايا الكلام من الأول خالص. حكى لأحمد عن تصرفات عصام القديمة، عن فتح الشنط وقعدته يقلب في الهدوم الخاصة والبرفانات، وعن السخافة والقلة الأدب اللي كان بيعملها قدام العيلة. حكاله عن الموقف اللي دخل فيه أبويا بالصدفة وشافه، وعن الهدية القفل والمراية اللي أبويا بعتهاله عشان يوقفه عند حده.
أحمد كان قاعد يسمع، وعروق رقبته بتنتفخ وتدق بشكل يرعب، إيديه كانت متكلبشة في إيد الكنبة لحد ما أطراف صوابعه بيضت من كثر الضغط.
وقال بصوت مكتوم زي الرعد: “كل ده يحصل؟ وكل ده وأنا برة زي الأطرش في الزفة؟ وأنت يا أبا ساكته؟ وأنتِ يا سميرة مخبية عليّ؟”
رد حمايا وقاله: “استنى يا أحمد.. التقيل لسه أختام. أنا سكت وسلكت عشان كنت فاكر إن الأصول هتربيه، لحد ما الشيطان ركبه للاخر.”
وكمل حمايا وحكى عن اليوم اللي اختفى فيه كيس القطيفة بالدهب والفلوس، وعن كسر الدرج، وعن الطريقة اللي فتش بيها أوضة عصام ولقى الفلوس والدهب مخبيين فوق الدولاب تحت البطاطين.
أول ما حمايا نطق بالجملة دي، أحمد قام وقف مرة واحدة! الكنبة اتهزت من تحتيه، وعينيه بقت حمراء زي الدم.
صرخ بصوت زلزل البيت كله: “سرقني؟! أخويا الكبير يكسر درج أوضة مراتي ويسرق دهبي وعرقي وأنا متغرب؟! أخويا يمد إيده على ستر بيتي؟!”
أحمد كان هيخرج من باب الشقة زي المجنون، كان عايز يروح لبيت أهل منى اللي عصام قاعد فيه عشان يربيه بجد. لكن حمايا وقف قدامه ومسكه بقوة وقال له: “اقف مكانك يا أحمد! البيت ده ليه كبير، وأنا اللي أطردت وأنا اللي أحاكم. أنت مش هتروح له، هو اللي هييجي هنا يوطي على إيدك ورجلك ويطلب العفو، ويا عالم إذا كنت هسيبك تسامحه ولا لأ!”








