
حماتي وقفت مرة واحدة، وعينيها برقت: “تمشي تروحي فين؟! جوزك قالك تقعدي هنا!”
“جوزك قال.. جوزك قال!” صرخت فيها لأول مرة في حياتي، الصوت طلع من وجعي: “جوزك بياع! جوزك ساب مراته وهدومه وأسراره تحت رجلين أخوه ومراته! لو محمود خايف من أخوه عشان مكتوبة باسمه، أنا مش خايفه من حد! هدومي الشخصية وأكلي وشربي وحاجات ابني مش ملك لأخوه.. ملكه، إنما الهدوم والخصوصية ملكي أنا!”
-
حكايات 1منذ 6 ساعات
-
ياسين ومريم 3منذ 7 ساعات
-
ياسين ومريم 2منذ 7 ساعات
-
ياسين ومريم 1منذ 7 ساعات
قبل ما حماتي ترد، سمعت صوت خطوات على السلم. كانت سلفتي نازلة، ولابسة روب من روابي البيتي اللي كنت جايباه في جهازي، ووراه أخو جوزك وهو بيمسح وش ببرود.
سلفتي قالت وهي بتبصلي بتهكم: “إيه الصوت العالي ده يا طنط؟ هي نهى بتزعق ليه؟ مش عاجبها إننا في شقتنا ولا إيه؟”
أخو جوزك وقف على آخر درجات السلم، حاطط إيده في جيبه ومسك سيجارة ولعها، وقال بصوت مليان تكبر: “جرى إيه يا مدام نهى؟ محمود مقالكيش إن البيت ده بيتي؟ ولا فاكرة إنك لما تقعدي في الشقة ثلاث سنين تبقى بتاعتك؟ إحنا سايبينكم لقمة سائغة وعايشين في خيرنا، وجميلنا مغرقكم.. بدال ما تستقبلونا بكلمة حلوة وتعملولنا لقمة ناكلها، طالعة تعملي مشكلة على قميص نوم وترنج؟”
الكلام كان بيتقال كأنه طعنات. هما مش بس خدوا ، دول كانوا عايزين يذلوني، يخلوني أحس إن وجودي كله كان صدقة منهم.
قربت من أخو جوزك ووقفت قصاده، وقولتله وأنا بصالي في عينه مباشرة: “البيت بيتك والشقة شقتك.. ربنا يهنيك بيها. بس الهدوم اللي مراتك لابساها دي بفلوس أبويا أنا! الجهاز اللي جوه ده بفلوس أهلي! الترنج اللي أنت لابسه ده جوزي جايبه من عرقه.. لو هتقعدوا في الشقة، اتفضلوا قعدوا فيها فاضية! إنما كرامتي وحاجتي مش ملكك ولا ملك مراتك!”
سلفتي ضحكت بصوت عالٍ ومستفز: “يا حبيبتي هدوم إيه وجهاز إيه؟! هو أنتِ فاكرة إن محمود جاب حاجة من جيبه؟ كل حاجة في الشقة دي مدفوع تمنها من فلوس جوزي اللي كان بيبعتها له من السفر! حتى عفشك وجهازك محمود كان واخد منه سلفة عشان يكملهم! يعني من الآخر كده.. انتِ عايشة في خيرنا من ساسك لراسك!”
الجملة دي نزلت عليا زي الصاعقة. حسيت بغثيان.. هل يعقل إن محمود كان بياخد فلوس من أخوه عشان يتجوزني؟ هل كل حاجة حواليا كانت وهم؟ هل جهازي وعفشي وحياتي كلها كانت مجرد دين محمود مش قادر يدفعه، وعشان كده سايبهم يدوسوا عليا؟
بصيت لحماتي اللي كانت واقفة مبتسمة بـ نصر، وكأنها مبسوطة اللي أنا فيها. وقفت في نص الصالة، ابني بدأ يصحى ويعيط تاني من الصوت العالي.
مسحت دموعي بإيدي، وبصيت لسلفتي وقولت لها بصوت هادي جداً، هدوء ما بعد العاصفة: “طلما كل حاجة هنا بفلوسكم.. وطالما محمود باعني وباع كرامته عشان الشقة والفلوس.. أنا مش هقعد في مكان يتقال لي فيه الكلمة دي.”
حماتي اتكلمت بسرعة وبصوت مليان تهديد: “لو مشيتي دلوقتي يا نهى من غير إذن محمود، مش هتعرفي تدخلي الباب ده تاني! وما تلوميش إلا نفسك لما يرمي عليكِ اليمين!”
بصيت لها وقولت: “اللي يبيع مراته عشان وفلوس.. اليمين منه مش هيفرق معايا. بس وحياة ابني اللي شايلته ده، كل حق ليّا هنا هاخده بالقانون والشرع.. ومش هسيب قميص واحد ولا قطعة خشب واحدة يتقال لي فيها إنها من خيركم!”
مشيت ناحية الباب، وأنا حاسة إن قلبي اتقطع ميت حتة، بس رجليا كانت ثابتة. سلفتي صرخت ورايا بقلة أدب: “مع ألف سلامة يا حبيبتي.. فضيت لنا خلاص، وخلي أمك بقى تصرف عليكِ وعلى ابنك!”
خرجت للشارع في نص الليل، وأنا جثه من غير روح. ركبت أول تاكسي قابلني وقولت له على عنوان بيت أمي. طوال الطريق، كانت مكالمة محمود بتتعاد في دماغي..، بروده، كلام أخوه ومراته عن إنه عايش في خيرهم.
وصلت بيت أمي، فتحت لي الباب وأول ما شافت وشي والدموع المنشورة على خدودي والولد اللي بينهج من العياط، اتخضت ومسكتني من إيدي: “في إيه يا نهى؟! إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ وابنك ماله؟!”
دخلت وأنا مش قادرة أقف على رجليا، انهرت على الأرض في الصالة وبكيت بكسرة عمري ما بكيتها. أمي أخدت الولد مني ونيمته، وقعدت جنبي تمسك إيدي وتهديني لحد ما قدرت أتنفس وأحكي لها كل كلمة حصلت.. من أول اتصال حماتي، لسلفتي والقميص، لأخو جوزي والترنج، ولمكالمة محمود الكارثية.
أمي كانت بتسمع ووشها بيتحول من الصدمة للغضب الشديد. لما خلصت كلامي، أمي سكتت فترة طويلة، وبعدين وقفت وقالت بصوت مليان قسوة وثبات عمري ما شفته فيها: “محمود افتكر إنك مالكيش ظهر عشان أبوك متوفي.. وافتكر إنه يقدر يبيعك ويشتريكِ عشان خايف من أخوه. بس وحياة دموعك دي يا نهى، لأخليه يندم على اليوم اللي استقوى فيه عليكِ.”
في الصباح الباكر، التليفون رن. كان محمود. أمي هي اللي ردت عليه، وفتحت المايك عشان أسمع.
صوت محمود كان مليان غضب وقسوة: “أيوة يا حماتي.. بنتِك عندك؟ خليها تجهز نفسها عشان أنا نازل مصر بكرة، وهاجي أطلقها وأرمي لها حاجتها، طالما مش محترمة أهلي ولا مقدرة ظروفي!”
أمي ردت بصوت ثابت زي الجبل، صوت خلى محمود يسكت فوراً: “تطلق مين يا محمود؟ أنت فاكر نفسك راجل وتقدر ؟ أنت طلعت مش راجل لما سبت مراتك وسترها يداس عليه تحت رجلين أخوك ومراته. بكرة لما تنزل.. مش أنت اللي ، إحنا اللي هنرفع عليك قضايا تبديد قائمة ومؤخر ونفقة.. وهتشوف القانون هيعمل فيك إيه أنت وأخوك اللي فاكر نفسه اشترى كرامة الناس بفلوسه!”
أمي قفلت السكة في وش محمود قبل ما يرد. وبصتلي وقالت: “يا نهى.. بدأت، واللي جاي مش هيبقى سهل، بس حقك وحق ابنك مش هيروح.”






