عام

رجع البيت حكايات رومانى مكرم 1

— العيال بكيوا في حضني بكا عمري ما شفته في حياتي.. طلعوا كل العياط اللي كان محبوس في صدرهم بقاله سنة وزيادة، لحد ما جسمهم خف وناموا من التعب. هم مكنوش محتاجين جداول ولا دكاترة بفلوس.. كانوا محتاجين يحسوا إن الأوضة دي مش مقبرة، وإن أمهم مشيت وهي بتحبهم.

“أحمد” بص لـ “سليم” اللي كان لسة مدروخ في حضن صباح، وبعدين بص لـ “مالك” اللي كان باصص للأرض ودموعه بتنزل بسكوت.

“أحمد” زحف على ركبتيه لغاية ما بقى قصاد “مالك” بالظبط. مسك إيديه الصغيرة بكل حنين الدنيا، وعينه بتخر دموع:

— مالك… بص لي يا حبيبي.

“مالك” رفع عينه ببطء، وعينيه الصغيرة كانت مليانة خوف ورعب مستني العقاب.

— أمكم بتحبكم أكتر من أي حاجة في الدنيا… وأنا… أنا اللي كنت غبي وغشيم. أنا اللي آسف يا مالك.. أنا اللي قفلت الباب وسيبتكم لوحدكم في الضلمة.

“مالك” شفايفه بدأت تترعش، وفجأة رمى نفسه في حضن “أحمد” وصرخ بأعلى صوته، صرخة طلعت كل وجع الـ 14 شهر. “أحمد” ضم الولد لقلبه جامد، وبإيده التانية شد “سليم” من حضن “صباح” وضمهم هم الاتنين في حضنه، وقعد يبكي معاهم في نص الصالة، بكي زي ما مبكاش يوم الجنازة.

“صباح” وقفت على جنب، مسحت دموعها بطرف جلابيتها، وانسحبت بشويش ناحية المطبخ عشان تسيبهم في لحظتهم.

بعد نص ساعة، كان الهدوء ساد البيت، بس المرة دي كان هدوء سكينة مش هدوء خوف. التوأم كانوا ناموا في حضن “أحمد” على كنبة الصالة من كتر العياط. “أحمد” كان قاعد ساند رأسه على الكنبة، بيملّس على شعرهم ويهديهم، وعينه مش مفارقة الباب المفتوح بتاع أوضة “أمنية”.

“صباح” خرجت من المطبخ وهي شايلة كوباية شاي سخنة، حطتها على الطاولة جنبه بصوت واطي وقالت:

— الشاي يا أستاذ أحمد… أنا خلصت مسح المطبخ وجايز أستأذن عشان الوقت تأخر.

“أحمد” رفع رأسه وبص لـ “صباح”. في لحظة، حس إن الست البسيطة دي اللي جاية بجلابية مستعملة وشنطة هدوم مقطوعة، كانت سبباً في نجاة بيته وعياله من الخراب النفسي.

— تقعدي فين يا صباح؟ — أحمد قالها بصوت بحاح من كثرة العياط.

— هروح يا أستاذ.. أنا ساكنة في الأوضة اللي فوق السطوح في الشارع اللي وراكم، وآجي بكرة الصبح بدري أكمل شغل البيت.

“أحمد” هز رأسه بالرفض وقام بشويش عشان ميعيطش العيال، ووقف قصادها:

— شغل البيت إيه يا صباح؟ انتي من النهاردة مش شغالة هنا.

“صباح” وشها اتخطف وافتكرت إنه  عشان فتحت  المقفولة:

— والله يا أستاذ أنا مكنش قصدي أتدخل في اللي ماليش فيه.. أنا بس صعبوا عليا العيال.. أرجوك متقطعش عيشي!

“أحمد” بص لها بهدوء ونفى برأسه:

— انتي مش شغالة في البيت ده يا صباح.. انتي من النهاردة المسؤولة عن البيت ده وعن العيال دول. الورشة والفلوس وكل اللي حيلتي ميسووش لمسة أمان واحدة من اللي إديتيها لعيالي النهاردة. المرتب اللي كنتي بتاخديه هيتضاعف خمس مرات، والأوضة اللي جنب العيال هتتفتح وتتوضب عشان تقعدي فيها بكرامتك، ومفيش خروج من البيت ده.

“صباح” كانت مبهولة ومردتش، بس “أحمد” سكت لحظة وبعدين كمل بصوت واطي ونبرة جادة:

— بس في حاجة واحدة فاضلة يا صباح.. لازم تعرفيها قبل ما تقرري تقعدي معانا.

“صباح” استغربت وقالت:

— حاجة إيه يا أستاذ أحمد؟

“أحمد” تلفّت ناحية أوضة “أمنية” اللي بابها مكسور، وقرب من “صباح” وقال بصوت واطي جداً عشان العيال متسمعش:

— السر اللي العيال قالوهولك عن برطمان المربى… مش هو السبب الوحيد اللي خلي “أمنية” تنزل زعلانة الصبح ده.

“صباح” عقدت حواجبها:

— أومال إيه؟

“أحمد” حط إيده في جيبه وطلع مفتاح قديم ونحاسي، عين “صباح” وسعت أول ما شافته.

— ده مفتاح الدرج المقفول اللي جوة التسريحة في  “أمنية”… الدرج اللي محدش فتجه من 14 شهر. “أمنية” الصبح ده، قبل ما تخرج وتتحط في الحادثة، سابتلي جواب جوة الدرج ده… جواب هي كتبته لما اكتشفت سر عن شغلي وعن ناس في المنطقة الشعبية هنا.. سر لو اتعرف، مش بس حياتي أنا اللي هتبقى في خطر… دي حياة كل واحد عايش في البيت ده!

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى