
وساعتها بس، “أحمد” فهم إن الخوف اللي في عين “صباح” مكنش عشان نامت على السرير.
كان في تانية.
— “صباح”.. انطقي في إيه؟
بصت للعيال الأول قبل ما تتكلم، وقالت بصوت واطي:
— في حاجة عيالك بقالهم كتير أوي محبوسة في قلبهم ومستنيين يقولوهالك.
“صباح” نزلت على ركبتها، وسحبت “مالك” ناحيتها، وبصت لـ “أحمد” وعينيها مليانة دمع محبوس.
— “مالك” و”سليم” مكنوش بيصرخوا كل ليلة عشان أمهم ماتت يا أستاذ أحمد… العيال دول كانوا بيصرخوا عشان فاكرين إنهم هم اللي قتلوها.
الكلمة نزلت على “أحمد” زي الصاعقة. الصالة اللي كانت دافية بشمس المغربيتين فجأة بقت أبرد من التلاجة. رجله مشيلتهوش، وسند إيده على الحيطة وعينه متسعة من الصدمة:
— قتلوها؟! انتي بتقولي إيه يا صباح؟ العيال كانوا في الحضانات وقت الحادثة! أمهم ماتت في حادثة ميكروباص على طريق السريع!
“صباح” طبطبت على ظهر “مالك” اللي بدأ جسمه يترعش ومسك في جلابيتها بأقصى قوته، ورفعت رأسها لـ “أحمد” وقالت:
— الدكاترة النفسيين بتوعك يا أستاذ كانوا بييجوا يقعدوا مع العيال بساعة بالفيزيتة، يسألوهم بتشوفوا إيه في الأحلام وينظموا لهم مواعيد النوم.. محدش فيهم نزل لمستوى قلبهم وسألهم: “أنتم خايفين من إيه؟”. الدادات اللي جاو بضمانات وورق مظبوط كانوا بيقفلوا الأوضة ويشغلوا التلفزيون عشان العيال تسكت. لكن أنا النهارة، لما سمعت عياط “مالك” المحبوس في الصالة، أخدتهم في أيدي ودخلت بيهم الأوضة المقفولة.
“أحمد” اتعصب ونبرة صوته عليت:
— ودخلتيهم أوضة “أمنية” ليه؟! أنا مش محذر ألف مرة الأوضة دي متتفتحش؟!
— عشان الأوضة دي كانت البُعبُع بتعهم! — صباح زعقت بنبرة أمومة حقيقية خلت “أحمد” يتسمر — الأوضة اللي أنت قافلها بالمفتاح وبتقول عليها ذكريات مقدسّة، العيال كانوا فاكرين إنك حابس فيها سر موت أمهم! “مالك” قال لي إن الصبح اللي أمهم ماتت فيه، هم الاتنين كسّروا برطمان المربى على السجادة وكانت “أمنية” زعلانة منهم جداً وهي نازلة، وقالت لهم وهي بتزعق: “أنا ماشية ومش راجعة تاني عشان أنتم أشراء!”.
سكتت “صباح” وبلعت ريقها، ودمعة نزلت من عينها:
— أمهم نزلت جرت على شغلها وهي متضايقة، وبعدها بساعتين الحادثة حصلت ومجتش تاني. بقالهم 14 شهر، الطفلين دول عايشين بذنبيين يهدوا جبال.. الأول: إنهم فاكرين إن زعيمهم وشقاوتهم هي اللي موتت أمهم، والثاني: إنك أنت يا أحمد بتبص لهم ومبتحضنهمش، ففاكرين إنك عارف سرهم وبترفضهم وتكرههم عشان كده!
“أحمد” حس الأرض بتلف بيه. صور الـ 14 شهر اللي فاتوا عدت قدام عينه زي الشريط السريع. افتكر كل مرة كان “سليم” بييجي يمسك في رجله وهو راجع من الورشة، فكان بيبعده بشويش ويقوله “بابا تعبان ومحتاج يرتاح”. افتكر كل مرة “مالك” كان يبص له فيها بنظرة مكسورة قبل ما يترمي في حضن أي دادة، وهو كان فاكر إن دي مجرد “عصبية أطفال” ومحتاجة دكتور شاطر.
هو اللي هرب.. الفلوس، والورشة، وقطع الغيار، والصفقات اللي بالملايين كانت مجرد شماعة استخبى وراها عشان ميمسحش دموعهم ويواجه وجعه هو الشخصي.
“أحمد” نزل على ركبتيه قدام عياله لأول مرة من يوم الحادثة. الصالة كانت ساكتة تماماً، ومش باين فيها غير صوت نفسه العالي.
مد إيده يلمس إيد “مالك”، فالولد أخد خطوة لورا وخاف، واستخبى ضهر “صباح”.
القطعة دي من قلب “أحمد” اتكسرت ميت حتة. بص لـ “صباح” بصة رجاء مفيهاش أي حاجة من كبرياء صاحب المحلات والورش:
— كملي يا صباح… عملتي إيه جوة؟ وليه ناموا في حضنك؟
“صباح” بصلت له بهدوء وقالت:
— فتحت الأوضة يا أستاذ أحمد.. مسكت إيديهم ودخلتهم، وخليتهم يلمسوا الهدوم اللي متسابة على الكرسي، وريحة البرفان اللي في الملاية. قعدت على السرير وأخدتهم في حضني وقلت لهم: “أمكم راحت الجنة عشان ربنا بيحبها، ومش زعلانة منكم، والمربى اللي اتكسرت هي كانت جابت غيرها وهي راجعة بس الطريق كان بعيد”.
مسحت “صباح” دموعها وكملت:



