
في صباح اليوم الرابع، وأنا أجلس في مقهى هادئ على المارينا، رن هاتفي. كان المتصل هو الأستاذ سامح.
“صباح الخير يا أستاذة شهد،” جاء صوته يحمل تحولات جديدة. “في تطورات مهمة جداً في القاهرة لازم تبقي على علم بيها.”
أخذت رشفة من عصيري وقلت بهدوء: “أهلاً يا أستاذ سامح. خير؟ النيابة عملت إيه مع مدام ثريا؟”
“النيابة أفرجت عن مدام ثريا بكفالة مالية على ذمة قضية البلاغ الكاذب العمدي، لكن الإجراءات شغالين فيها وميعاد الجلسة اتحدد. بس الجديد مش هنا.. الجديد يخص حسام نفسه.”
عدلت جلستي وقلت: “ماله؟ فاق من العناية؟”
“أيوة، فاق إمبارح بالليل، وتدهور حالته استقر، لكن الأطباء بلغوا النيابة إنه يقدر يتكلم. والنيابة فتحت محضر تحقيق معاه هو شخصياً بشأن العقاقير المجهولة ومصدرها، ولما استجوبوه عن ادعاءات أمه، حسام اعترف بالحقيقة كاملة.”
سكت الأستاذ سامح لثوانٍ وكأنه يجهز مفاجأة، ثم أكمل: “حسام أنكر تماماً إنك ليكِ أي علاقة باللي حصّله، واكتشفوا من تفريغ تلفونه رسائل بينه وبين المورد اللي اشترى منه المواد دي. بس يا أستاذة شهد إن النيابة وجهت لحسام جديدة كلياً بكتيب رسمي!”
عقدت حاجبي باستغراب: “تهمة إيه؟”
“تضليل المحكمة ومحاولة التستر على شبكة توزيع مواد محظورة! اتضح إن الشلة اللي كان قاعد معاها بالليل دول مش مجرد أصحاب، دول شبكة مشبوهة وهو كان متورط معاهم في معاملات مالية كبيرة جداً، وكان بيدين ليهم بمبالغ ضخمة! والقصة بتاعة ‘الفرح بكرة’ ما كانتش مجرد كذبة عشان يضايقك بس.. ده كان بيهم أمه والمحيطين بيه إنه بيتجوز واحدة ميسورة الحال عشان يداري على الديون والشيكات اللي كتبها على نفسه ولما الخطة فشلت والديانة ضغطوا عليه بالليل، شرب المواد دي بغزارة في محاولة للهروب أو إنهاء حياته!”
اتسعت عينيّ بذهول، وحاولت استيعاب حجم الخديعة التي كنت أعيش فيها.
تابع المحامي: “يعني بالعربي كده يا أستاذة شهد، حسام ما كانش بيكذب عليكِ بس وقت الطلاق عشان يضايقك.. حسام كان غرقان في ديون وقضايا شيكات بدون رصيد، وكان بياخد من فلوسك اللي بتوفريها وميزانية البيت عشان يسدد لشبكات النصب دي! وحالياً هو تحت الحراسة المشددة في المستشفى، ومطلوب للتحقيق في ثلاث قضايا شيكات بمبالغ خيالية!”
وضعت الكوب من يدي على الطاولة، وشعرت بقشعريرة باردة تسري في جسدي.
الرجل الذي كنت أحرم نفسي من أجله، وأعيش في تقشف وأمنع نفسي من أبسط ملذات الحياة تحت شعار “عقدة القرش الأبيض لليوم الأسود”، كان يأخذ شقائي ليغطي به على مستنقع من الديون والنزوات والأعمال المشبوهة!
“أستاذ سامح،” قلتها بصوت قاطع وثابت كالحديد، “الشقة اللي تقسمت بيننا ورسيت عليا بحسب الاتفاق والورق اللي مضيناه عند المأذون.. موقفها إيه دلوقتي؟”
“أوراق الطلاق وتقسيم الممتلكات مسجلة وموثقة قبل أي بلاغات وقبل التحفظ على أملاكه، حقك الخالص بنسبة 100% ومحدش يقدر يلمس منها طوبة. وده اللي مخلّي أمه بغيظها؛ لأنها كانت فاكرة إنها لما تضغط عليكِ بالبلاغ الكاذب، هتنازلي عن الشقة وتبيعها عشان تسدد ديون ابنها قبل ما !”
ضحكت بسخرية مريرة: “عشان كده كانت بتقولي ‘تعالي اجري إلحقيه وكوني ممرضة الباشا’! كانوا عايزين يلبسوني التهمة أو يبتزوني عشان أنقذهم من والديون!”
“بالظبط كده يا أستاذة شهد. ودلوقتي الأستاذة مروة ومحامي مدام ثريا بيترجوني عشان نعمل جلسة صلح، ومستعدين يدفعوا تعويض مالي مقابل إنك تتنازلي عن قضية البلاغ الكاذب والتشهير ضد أمه، لأن الحكم فيها وجوبياً.”
وقفت على قدمي ونظرت إلى البحر الممتد أمامي.
“قولهم إن شهد بتاعة زمان يوم ما الخاتم اترمى وقسيمة اتمضت. مفيش تنازل، ومفيش صلح، والقانون هياخد مجراه للآخر.”
أغلقت الهاتف وأنا أنفس عن حنق سنوات طويلة. أخرجت من حقيبتي النظارة الشمسية وارتديتها، وقررت أن أقطع إجازتي في الغردقة لأمر واحد فقط: العودة إلى القاهرة، ليس لخوف أو مواجهة ضعيفة، بل لأقف أمام باب النيابة وأشاهد سقوط القنبلة التي حاولا زراعتها في طريقي، ولأضع الحد النهائي لهذه المأساة التي كادت أن تبتلع حياتي.



