
## الجزء الثالث
بعد الموقف ده، البيت بقى هادي شوية من بره، بس من جوه، النار كانت تحت الرماد. حماتي وسلفتي حسوا إن السيطرة بتاعتهم اتهزت، وإن “الشغالة المطيعة” اللي كانت بتنفذ من غير ما تفتح بقها مبقاش هي هي. حماتي بقت تقابلني بوش ناشف وكلمتين في الجنب، وسلفتي بقت تبص لي بنظرات كلها غل وحقد، وكأنها بتنتقم مني لمجرد إني رافضة أكون خادمة تحت رجليها.
بس أنا مكنش مهمني نظراتهم ولا طريقتهم، اللي كان فارق معايا فعلاً هو بيتي وولادي اللي بقوا بيشوفوا ملامح الاستقرار والكرامة لأول مرة. جوزي محمود كمان وقف جنبي في الأول، بس ضغوط أمه اليومية وكلامها المستمر بدأت تأثر عليه وتخليه في حالة شحن دائم.
عدا شهرين، وسلفتي دخلت في الشهر السابع من الحمل. كسلها ودلعها زادوا الضعف، وبدل ما تقعد في شقتها، حماتي قررت تنقلها تقعد في الأوضة الفاضية اللي جوه في الشقة الكبيرة عندنا! قالت إيه: “علشان أبقى جنبها طول اليوم، وأخدمها وأنا مرتاحة، وأهي في نفس الوقت تساعدني”.
لما سمعت الكلام ده حسيت إن الدنيا بتلف بيا. يعني إيه تعيش معايا في نفس الشقة؟ يعني جحيم اليوم كله هيتحول لجحيم أربعة وعشرين ساعة! دخلت لممود بالليل وقلت له بصوت كله اعتراض:
ـ “يا محمود، مش للدرجة دي! سلفتي تيجي تعيش معانا في نفس الشقة؟ دي مش عيشة، أنا كده مش هعرف أخد وسطي ولا أربي عيالي براحتي، وحماتي هتعملها حجة لكل صغيرة وكبيرة”.
محمود تنهد بتعب وقال:
ـ “معليش يا أم فلان، أعمل إيه يعني؟ أمي بتقول أخويا مسافر وخايف عليها لوحدها، وأهو كام شهر لحد ما تولد وتخلص النفاس وترجع بيتها. استحملي عشاني وعشان أخويا الغلبان اللي شقيان برا”.
سكتّ وبلعت القهر بتاعي للمرة المليون، وقلت لنفسي: “ماشي يا محمود.. أخرتها إيه؟ كلها كم شهر وتولد”.
بس للأسف، الوضع كان أصعب بكتير مما تتخيلوا. من أول يوم سكنت فيه سلفتي معانا، والحياة بقت عبارة عن تفتيش ومراقبة. الهانم بتقوم الساعة اتنين الظهر، تلاقي الأكل جاهز، والمواعين متغسلة، والبيت متنضف، وتقعد تطرطق في لبانها وتبص لكل حاجة بعين مليانة غرور وكأنها هي ست البيت وأنا الضيفة أو الخادمة التانية.
في يوم، كنت عاملة غدا كويس ومكلفة فيه، وولادي جعانين وقاعدين على الأفرة مستنيين الأكل. دخلت حماتي ومعاها سلفتي، وبكل بساطة حماتي فتحت الحلة وقالت:
ـ “ايه ده؟ طابخة ايه يا بنتي؟ تعالي يا بنتي يا سلفتي، كلي اللحمة دي علشان الواد اللي في بطنك يتغذى، اصل الأكل اللي بره ده مبيعجبكيش”.
سلفتي مدّت إيدها بكل برود وخدت أحلى حتة لحمة من الحلة وقعدت تاكل، وولادي بيبصوا للاكل بقلب مقصور وعينين مكسورة. هنا بقى.. السكينة اللي في رقبتي اقطعت خالص! الدم غلي في عروقي لدرجة إني حسيت بصوت طنين في وداني.
جريت على الحلة، مسكتها وغطيتها، ووقفت قدام حماتي وسلفتي وعيوني بتطلع شرار. صوتي طلع حاد وعالي لأول مرة بالمنظر ده قدام الكل:
ـ “لحد هنا وبس! عيالي هما اللي أولى بالاكل اللي تعبانة فيه من طاقيتي ومن صحتي! سلفتك لها بيت جوزها ولها أهل، تيجي تاكل لقمة عيالها بالعين الحمرة دي؟! لأ، كفاية لحد كدة، السكوت الطويل ده هو اللي جرّأكم عليا!”
سلفتي قامت بصدمة وسابت اللقمة من إيدها وقالت بغيظ:
ـ “شايفه يا خالتو؟ بتطردنا من الاكل! بكرة أقول لجوزي وأخلي أخوه يربيها!”
وحماتي زعقت بأعلي صوتها:
ـ “يا قليلة الأصل يا جحيدة! بتعلي صوتك في بيتي وعلى ضيفتي؟! ده أنا هعرف أخليك تندمي على الساعة اللي دخلتي فيها بيتنا!”
في اللحظة دي، دخل محمود على صوت الصراخ والعياط. وقف في نص الصالة مبرق وعينيه طايرة من كتر المشاكل اللي مش بتخلص، وبص لنا كلنا بصدمة وهو مش عارف يبدأ منين ولا مين يصدق!
## الجزء الرابع (ما قبل الأخير)
وقف محمود في نص الصالة، عيونه طايرة من كتر الصراخ والمشاكل اللي بقت بتخبط في بيته كل يوم. بص لأمه الغاضبة، وبص لسلفتي اللي كانت واقفة بتمثل الدموع وبتزود في الكدب، وبعدين بص لي وأنا واقفة زي اللي ماسك جمر نار في إيده وعيوني مليانة قهر السنين.
حماتي جريت عليه أول ما شافته، وبدأت تعيط وتلطم بطريقة درامية:
ـ “الحقني يا محمود يا بني مرتك قلبت علينا البيت وعايزة تطردنا وتجوع البت الحامل! دي بقت تقلع عينيها فينا وعايزة تمشي كلمتها على الكل.. شايف مراتك عملت فينا إيه؟!”
سلفتي كملت الدور وقالت بصوت مكسور مصطنع:
ـ “أنا غلبانة وماليش ذنب.. جوزي مسافر وكنت مفكرة إني وسط أهلي، تطلع تطردني من الأكل وتقولي خدي عيالك واطلعي برة؟! ده أنا في الشهر الثامن وتعبانة!”
محمود بص لي بغضب مؤقت وقال بعصبية:
ـ “إيه اللي حصل ده يا أم فلان؟! للدرجة دي مبقاش فيه احترام لأمي ولا لبيتي؟! عيب عليكي تعملي كدة في ضيفتنا!”
الجملة نزلت على قلبي زي ضربة السكينة. بعد كل اللي استحملته، وبعد ما شاف ولاده جعانين ومحرومين من لقمة أكلهم عشان الهانم تاخدها على الجاهز، جاي يلومني أنا؟!
ضحكت بوجع، ضحكة مليانة قهر السنين، وقربت منه خطوة وبصيت في عيونه مباشرة:
ـ “للدرجة دي بقيت أعمى يا محمود؟! مش شايف ولادك اللي قاعدين محرومين من أكلهم عشان هانم فندم تأكل اللحمة الباردة وهي حاطة رجل على رجل؟! مش شايف مرارتي اللي اتفقعت وأنا بخدم وبشيل فوق طاقتِي ثمان سنين؟!”
كملت بصوت مهتز بس حاد كالنصل:
ـ “لو فاكر إن سكوتي كان ضعف، تبقى غلطان.. سكوتي كان احترام ليك ولبيتي، بس لما توصل إن كرامة عيالي تنزل في الأرض عشان ست هانم تدلع، يبقى مفيش لا بيوت ولا عشرة تجمعي بيكم! يا إما أنا يا إما الهانم دي في البيت دا!”
محمود اتصدم من قوة كلامي وصرامتي. شاف النار في عيوني والوجع الحقيقي على وش ولاده اللي قاعدين منكمشين خايفين. حماتي زعقت بصوت عالي:
ـ “أنتِ بتخير ابنك يا بت؟! طبعاً هيختار أمه وبيتي، اقلعي هدومك واطلعي برة!”
لكن محمود.. ولأول مرة، عمل حاجة محدش كان متوقعها.
رفع إيده وطلب منهم السكوت بحركة قوية، وبص لأمه وسلفتي وقال بصوت جاد وثابت ما فيهوش هزار:
ـ “لحد هنا وكفاية يا أمي.. مع احترامي ليكِ، البيت ده بيتي ومراتي وولادي هما أولى الناس بيه. أنا سكتّ كتير عشان خاطر العيش والملح، بس مراتي مظلومة، ومن النهاردة.. سلفتي لازم ترجع شقتها، أو جوزها ينزل يشوف لها حل، أنا مش هخرب بيتي بيدي!”




