
حماتي اتجننت من كلامه، وسلفتي صرخت: “بقى ده جزائي يا محمود؟ طرطدني وأنا حامل؟!” وراحت جارية على أوضتها بتلم هدومها، وحماتي خدت بعضها وهي بتزعق وتتوعد، وقالت لجوزي وهي ماشية: “يا أنا يا هي في النكد ده!”
محمود دخل وقفل الباب وراهم، وبص لي وقال بصوت مكسور: “حقك عليا.. سامحيني، مكنتش أعرف إن وصل بيهم القرف لكدة”.
بصيت له وسكتت، وكنت حاسة إن المعركة لسه مخلصتش، وإن الجاي هيكون أصعب بكتير.
## الجزء الخامس والأخير
الحركة اللي عملها محمود كانت بمثابة الزلزال اللي هدم جدران التسلط اللي حماتي وسلفتي بنوها على مدار الشهور اللي فاتت. سلفتي فعلاً لمّت هدومها في نفس الليلة وهي بتبرق لي بعيون مليانة حقد، وراحت شقتها، وحماتي مشيت وراها وهي بتزعق وتتوعد وتقول: “مبقاش أنا لو ما رجعتش الحق لبنته، وما خليت вашей الست مراته تندم!”
البيت هبط عليه سكون غريب.. سكون راحة لأول مرة أحس بيه من سنين. ولادي كلوا في طبقهم بهدوء، ومحمود قعد معايا بالليل، لأول مرة نقعد قعدة صافية من غير صراخ ولا تليفونات بترن تطالبنا بخدمة حد. بص لي وقال بأسف: “أنا عارف إن اللي فات كان قاسي عليكي، بس خلاص يا أم فلان، اعتبري الصفحة دي تقفلت ومش هسمح بحاجة تضايقك تاني”.
قلت له بنبرة هادية بس فيها عبرة السنين: “أنا عمري ما قصرت في حق أُّمك ولا في حق بيتكم يا محمود، بس الكرامة مش لعبة.. الإنسان لو فرط في كرامته مرة، بيفقد احترامه طول عمره”.
عدت أسبوعين وهما مقاطعينا تماماً. حماتي مبقتش تكلم ابنها ولا تسأل فينا، وسلفتي كانت قاعدة في شقتها لوحدها وجوزها كان قرب ينزل إجازة من الكويت. وفعلاً، بعد أسبوعين وصل جوز سلفتي، وبدل ما يجي يسلم على أخوه أو يبارك له على وقوفه جمب مراته وهي تعبانة، حماتي وسلفتي عبّوا دماغه بأكاذيب وأقاويل لا تقبَلها عقل: إن أنا طردت مراته الحامل من البيت، وإني هنيت أمه وقلت كلام كبير يقلل منها!
في يوم الجمعة، واحنا قاعدين فجأة لقينا باب الشقة بيخبط بعنف شديد، وخبطات ورا بعضها تدل إن في شجار. محمود قام فتح، لقى أخوه الأصغر واقف وفي عيونه الشر وبيزعق بصوت عالي:
ـ “فين مرتك يا محمود؟! إزاي تطرد مراتي وهي حامل وفي الشهر الثامن وتقلع عينها في أمي؟! افتكرتك راجل تستر على بيت أخوك، أثاري مرتك هي اللي مسيلاك!”
الدم جري في وش محمود من إهانة أخوه ليه قدام الشقة، ورفع صوتي ووقف في وش أخوه بكل حزم:
ـ “اتكلم بأدب وأنت واقف على باب بيتي! مراتي ما طردتش حد، ومرتك هي اللي دخلت تفرض نفسها وتتحكم في أكل عيالي وتاكل من لقمة ولادي الحرامية عيني عينك! أمي على راسي، لكن مراتي وبيتي خط أحمر، واللي مش عاجبه خبط الحيط!”
الأخ مسك في محمود، ودخلوا في خناقة كلامية حامية، وأنا واقفة ورا جوزي وقلبي بيدق بس لأول مرة مش خايفة.. أنا شايفة جوزي بيحارب عشان بيته وكرامتي. في اللحظة دي، نزلت حماتي ومعاها سلفتي عشان يتفرجوا على المسرحية اللي هما ألفوها.
بس قبل ما الأمور تتطور لأكتر من كدة، فتحت الباب وطلعت عليهم بكل ثبات، وصوتي كان هادي وقوي لدرجة خلت الكل يسكت:
ـ “استنوا.. مكانكم كلكم.. خلصتوا صراخ وافتراء؟!”
الكل بص لي بصدمة من هدوئي وجرأتي. كملت وأنا باصة لأخو جوزي بعين قوية:
ـ “اسمع يا ابن أصول.. أخوك شقيان في الكويت عشان يبعت لكم الفلوس، ومرتك قاعدة هنا لا بتشتغل ولا بتتحرك وعايزة تخدموها على حساب صحتي وكسرة ولادي! تمن الشقة وتنظيفها وأكلها على جوزها مش عليا، وأنا سكتّ ثمان سنين أخدم أمك بعيوني من غير كلمة، لكن تيجوا تسرقوا لقمة عيالي عشان الهانم تتغذى؟ لا.. المرة دي مفيش سكات!”
التفتت لحماتي اللي كانت منكمشة ووشها أصفر، وقلت لها بصوت مليان احترام بس حاسم:
ـ “وأنتِ يا حماتي.. أنا طول عمري باعتبرك زي أمي، وكنت باجي على صحتي عشان أرضيكِ، بس عمرك ما رحمتيني ولا حفظتِ جميلي، ودلوقتي جاية تبيعي ابنك ومراته عشان خاطر سلفتي؟!”
أخو جوزي بص لمراته بشك وقال لها بنبرة حادة: “هو الكلام ده صحيح؟! أنتِ كنتِ بتاكلي أكل عيالهم وهم قاعدين جعانين؟!”
سلفتي ارتبكت وبان عليها الكدب، ونزلت راسها ومقدرتش تنطق بحرف واحد! هنا بقى الأخ فهم اللعبة كلها، وبص لأمه ومراته وقال بغضب: “للدرجة دي بتلعبوا بينا وببيوتنا؟! عيب عليكم!”
خد مراته وشدها وطلعوا شقتهم في ثانية، وحماتي دخلت شقتها وهي منكسرة ومقهورة، ومحدش فتح بؤه بكلمة تاني.
دخل محمود قفل الباب، وبص لي وعيونه مليانة فخر وحب عميق، وقال وهو بيحضنني: “حقك عليا أنا.. أنتِ أصيلة يا أم فلان، وربنا ما يحرمني منك ومن صبرك اللي جاب حقنا”.
ابتسمت، وحسيت إن كل السنين اللي فاتت دي، رغم مرارتها، انتهت بمعركة كسبت فيها احترامي لنفسي، وكرامة بيتي، وحب جوزي الحقيقي اللي بقى واقف في ضهري بجد.




