روايات وقصص

مرات ابنى 2

كنت بسمعه وأنا مش قادرة أرد. لأول مرة أسمع ابني بيجمع كل تصرفاتي قدامي بالشكل ده، وبدل ما أشوف كل موقف لوحده وأقول إنه حاجة بسيطة، بدأت أفهم إن الحاجات الصغيرة دي اتجمعت فوق بعضها. لكن كبريائي منعني أعترف بسهولة، فقلتله: «يعني هي اشتكتلك مني؟ وبدل ما تقولها تحترم وجودي، جاي تلومني أنا؟»

 

هز راسه وقال: «لأ يا أمي، ودي أكتر حاجة وجعتني. هي مقلتش عليكي كلمة وحشة، بالعكس، كل ما أسألها مالك، تقوللي: ماما جاية تساعدنا، وأنا مش عايزة أزعلها. بس أنا شوفتها امبارح وهي بتكلم أمها في التليفون وبتعيط، وسمعتها بتقول إنها مش عارفة ترتاح في بيتها، وإنها بقت خايفة تتحرك أو تتكلم علشان محدش يفهمها غلط.»

حسيت إن الكلام دخل قلبي زي السكينة. مش علشان ابني واجهني بس، لكن علشان افتكرت كل مرة كنت بقول فيها لنفسي إن مرات ابني مش مقدرة تعبي، من غير ما أفكر هي نفسها كانت حاسة بإيه.

أحمد كمل كلامه وقال: «يا أمي، أنا غلطان زيك. أنا كنت شايف إنها تعبانة، لكن بدل ما أساعدها وأتكلم معاكي بهدوء من الأول، فضلت ساكت علشان مفيش حد يزعل. وفي الآخر إنتِ زعلتي، وهي تعبت أكتر، وأنا سيبت المشكلة تكبر بينكم.»

سكت شوية، وبعدين قاللي: «أنا مش عايزك تبطلي تيجي، ولا عايزها تحس إنها لازم تستحمل فوق طاقتها علشان ترضيكي. أنا عايزكوا تحبوا بعض بجد، مش كل واحدة فيكوا تفضل ساكتة ومستنية التانية تفهمها لوحدها.»

وقفت وأنا ماسكة شنطتي، وحسيت إني مش عارفة أعمل إيه. كنت لسه زعلانة، ولسه جوايا إحساس إني اتجرحت، لكن في نفس الوقت بدأت أفهم إن أنا كمان جرحتها، حتى لو مكنش قصدي.

بصيتله وقلت: «طب ما هي كمان قالتلي كلام وجعني! لما قالتلي أروح بيتي وأسيبها تعيش براحتها، دي كلمة سهلة؟»

قاللي بهدوء: «عندك حق يا أمي، الكلمة وجعتك، وكان المفروض تقولها بطريقة أحسن. بس هي قالتها وهي منهكة، وإنتِ قلتي إنك مش هتدخلي بيتي تاني وإنتِ غضبانة. لو كل واحد فينا رد على الوجع بوجع أكبر، هنفضل نخسر بعض لحد ما نبقى غرب عن بعض فعلًا.»

الكلمة دي خلتني أبص للأرض. أنا كنت مستنية ابني يثبتلي إنه واقف في صفي، لكنه لأول مرة خلاني أفكر إن مش لازم يكون فيه طرف يكسب وطرف يخسر في كل خلاف.

وفجأة سمعت صوت مرات ابني من ورايا.

كانت واقفة عند باب الشقة، وشكلها مرهق، والبيبي في حضنها. بصتلي وقالت بصوت واطي: «يا طنط، أنا آسفة على الكلام اللي قلته لحضرتك. والله ما كان قصدي أطردك من بيتك، بس أنا بقالي أيام مش بنام كويس، والبيبي بيرضع كتير، والعيال محتاجاني، وأنا ساعات ببقى مش قادرة حتى أتكلم. ولما حسيت إني مش عارفة أرتاح من غير ما حد يزعل مني، انفجرت وقلت كلام مكنش المفروض أقوله.»

كنت عايزة أقولها إن هي كمان غلطانة، وإن أنا اتجرحت، لكن أول ما بصيت في وشها شفت التعب اللي كنت بتجاهله. وشفت بنت لسه والدة من شهر، بتحاول ترعى تلات أطفال، وفي نفس الوقت خايفة تزعل حماتها.

قلت لها: «وأنا كمان آسفة يا بنتي. أنا جيت وأنا فاكرة إن المساعدة معناها إني أقولك تعملي إيه، وأصلحلك كل حاجة شايفاها غلط. لكن مكنتش واخدة بالي إنك محتاجة حد يخفف عنك، مش حد يحسسك إنك مقصرة طول الوقت.»

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى