
عينيها دمعت، وقالتلي: «أنا عمري ما كرهت وجود حضرتك، بالعكس، كنت بتمنى لما تيجي أحس إني في أمان، وأقدر أسيب البيبي شوية وأرتاح، من غير ما أفضل قلقة إن حضرتك زعلانة مني.»
الجملة دي وجعتني أكتر من أي عتاب. أنا كنت فاكرة إن الحب معناه إن الشخص يفضل قاعد معايا، ويحكيلي، ويضحك في وشي، لكن فهمت إن ساعات الحب الحقيقي بيكون إنك تسيب للي قدامك مساحة يتنفس فيها، من غير ما يضطر يثبتلك كل شوية إنه بيحبك.
حطيت الشنطة على الأرض، وقربت منها وقلت: «خلاص يا بنتي، مش هنفتح اللي فات تاني. بس عايزاكي تعرفي إنك مش مطالبة تضحكي وتقعدي معايا وإنتِ تعبانة، ولا تعملي أكل علشان ترضيني، ولا تخافي تقوليلي إنك محتاجة ترتاحي. البيت بيتك، وأنا مش جاية أحاسبك فيه.»
وبعدين بصيت لأحمد وقلتله: «وإنت كمان يا أستاذ، متفتكرش إن الصلح بالكلام وبس. مراتك محتاجة ترتاح فعلًا، مش كل الحمل يبقى عليها وإحنا نقعد نتكلم عن تعبها!»
أحمد ضحك لأول مرة من ساعة ما خرجت بالشنطة، وقال: «حاضر يا أمي، أنا من بكرة هوصل بنتي الحضانة، وهشيل مسؤولية العيال مع مراتي. ومش هستنى لما حد فيكم يزعل علشان أتحرك.»
أما أنا، فقررت أغير طريقتي. بدل ما أدخل المطبخ وأبدأ أقول لمرات ابني تعمل إيه، بقيت أسألها الأول: «تحبي أساعدك في إيه يا بنتي؟» ولو قالتلي إنها محتاجة تنام شوية، كنت أخلي العيال يلعبوا معايا في الصالة، وأسيبها ترتاح من غير ما أروح أصحيها كل شوية علشان تقعد معانا.
وبقيت لما أزورها، أتصل بيها قبل ما أروح، وأتفق معاها على الوقت اللي يناسبها. ولما كنت أشوف حاجة في البيت مش عاجباني، بقيت أسأل نفسي: هل الموضوع فعلًا محتاج تدخلي، ولا دي مجرد طريقة مختلفة عن طريقتي؟
ومع الأيام، بدأت علاقتنا تتحسن. مش معنى كده إننا مبقيناش نختلف أبدًا، لكن بقينا نعرف نتكلم من غير ما كل خلاف يتحول لمعركة، وبقينا نفهم إن كل واحدة فينا ممكن تكون عندها وجهة نظر مختلفة من غير ما ده يقلل من حبها للتانية.
وفي يوم، بعد فترة، رحت أزورهم، ولقيت مرات ابني قاعدة في الصالة والبيبي نايم في حضنها. أول ما شافتني ابتسمت وقالتلي: «تعالي يا طنط، اقعدي جنبي شوية، أنا كنت عايزة أحكيلك حاجة.»
قعدت جنبها، وبعد شوية ادتني البيبي وقالتلي: «خديه يا ماما، أنا هعملنا شاي وأرجع.»
بصيتلها باستغراب، وقلبي فرح من الكلمة اللي قالتها من غير ما تطلب منها. المرة دي هي اللي اختارت تقرب مني، من غير ضغط ولا عتاب ولا إحساس إنها مجبرة تراضيني.
مسكت حفيدي، وبصيت لوشه الصغير، وافتكرت اليوم اللي كنت ماشية فيه من بيت ابني وأنا مقررة إني مش هرجعله تاني. يومها كنت فاكرة إن كرامتي معناها إني أمشي ومبصش ورايا، لكن اكتشفت إن ساعات الشجاعة الحقيقية إننا نراجع نفسنا، ونعترف بغلطنا، ونحافظ على اللي بنحبهم بدل ما نخسرهم بسبب العند.
ومن يومها فهمت إن البيت مش محتاج حد يثبت إنه صح طول الوقت، البيت محتاج ناس تعرف تسمع بعض، وتحترم تعب بعض، وتفهم إن المساعدة من غير مراعاة ممكن تتحول لضغط، وإن الحب من غير احترام للمساحة الشخصية ممكن يخنق أقرب الناس لينا.
والسؤال بقى: لو كنتوا مكاني، كنتوا هتقدروا تعترفوا بغلطكم وتصلحوا العلاقة، ولا كنتوا هتعتبروا إن الاعتذار تقليل من الكرامة؟
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




