روايات وقصص

حكايات صافى هانى

ابتدى اليوم في عز البرد وفي صباحية عيد الفطر، وأهلي  من البيت وقفلوا الباب ورايا قبل حتى ما ريحة الكحك تملى البيت. أختي منة وقفت وراهم لابسة عباية جديدة ومبتسمة وهي بتقولي بشماتة: “يلا على  الإيجار يا .”

​الثلج كان نازل بغزارة وأنا واقفة على العتبة، وأبويا بيزق شنطة هدومي برجله وبيقول بحفة: “كفاية لحد كده يا مريم، فضحتيني قدام الناس بما فيه الكفاية.”

​بصيت له باستغراب وقلت: “عشان سيبت الشغل؟”

​قاطعتني منة وقالت بسرعة: “عشان طول عمرك فاشلة وما بتعمليش حاجة عدلة.”

​من ست شهور، الشركة اللي كنت شغال فيها قفلت، ومن ساعتها كنت بشتغل حر من شقة صغيرة عشان أقدر أجمع قرشين. وبالنسبة لمنة اللي راكبة عربية قسط وبتتصور في الأماكن الغالية، كنت بالنسبة لها قليلة الأصل.

​أمي حطت إيدها في إيدها وقالت ببرود: “أختك هتقرا فاتحتها النهارده بالليل، ومش ناقصين نكدك بيناكد علينا العيد.”

​كنت هضحك بوجع.

#حكايات_صافي_هاني

#حصرياً

أنا اللي كنت معجونة في عجين الكحك من الفجر.

وأنا اللي دفعة ثمن علاج أمي من جيبها.

وقبلها بثلاث أسابيع، أبويا جه استلف مني خمسين ألف جنيه عشان شغله كان واقف.

بس سكت وما تكلمش.

​افتكرت كلام جدي الله يرحمه: “يا بنتي، لو الناس فاكرين سكوتك ضعف، سيبيهم على هبلهم.”

​جدي متوفي من ثمان شهور. وعلى عكس أمي وأبويا، مكنش بيقيس الناس بالفلوس ولا المظاهر.

يوم العزاء، المحامي بتاعه اداني صندوق خشب قديم وقال لي: “جدك وصاني أديهولك إنتِ بالذات.”

​منة وقتها ضحكت وقالت: “تلاقي جواه مسابيح قديمة ولا كتب عتيقة.”

​أنا ما فتحتهوش.

جدي كان لازق ظرف على الغطاء وكاتب عليه بخط إيده: “يفتح لما أهلك يوروكِ أصلهم الحقيقي.”

​وصبيحة العيد كانت كفيلة توريني.

سحبت شنطتي في التلج لحد عربيتي المتهدكة، وسمعت ضحكهم العالي جوه البيت.

وفجأة الباب اتفتح، ومنة طلعت براسها وقالت: “بقولك يا مريم؟”

​لفيت وشي.

كانت ماسكة كاس عصير وبتقولي ببرود: “إبقي ما تبكش تعيطي لما أنا وخطيبتي نمسك شغل أبويا والشركة كلها.”

​أبويا ضحك من جوه.

ساعتها حسيت إن حاجة جواه بردت تماماً.. مكسرتش، بس تجمدت.

​بعد ساعة، كنت واقفة قدام واحد من أكبر البنوك ومعايا صندوق جدي مخبيه تحت الجاكيت.

البنك كان هادي.

قلت للموظف اسمي وطلبت أقابل مدير الفرع عشان أشوف وصية جدي.

​بعد عشر دقايق، مدير البنك “الأستاذ رأفت” دخلني مكتبه.

كان شكله تعبان ورايق، لحد ما حطيت الصندوق الخشب قدامه على المكتب.

#حكايات_صافي_هاني

#حصرياً

وشه اصفر فجأة وكل الوان وجهه اتغيرت.

​بص للصندوق وقال بصوت مرتبك: “جيبتي ده منين؟”

​قلت له بثبات: “من جدي، الحاج محمود.”

​الأستاذ رأفت بصلني بدهشة، وقام بسرعة شديدة قفل شباك المكتب وضرب اللباس في الباب وقفله بالمفتاح.

الصوت كان مرعب وصوته وهو بيقول: “يا أستاذة مريم… اقعدي فوراً، إنتِ لازم تقعدي وتسمعيني كويس.”

ماتنساش تعملي متابعه ولايك عشان القصص هناك معظمها حصري وعشان يوصلك كل جديد♥♥♥♥♥♥♥

#حكايات_صافي_هاني

#حصرياً

المشهد الأول

بصيت للأستاذ رأفت وأنا مش فاهمة ليه مجرد ما شاف الصندوق اتغير بالشكل ده.

قلت:

ـ حضرتك تعرف جدي؟

بلع ريقه وقعد قدامي، وحط إيده على الصندوق من غير ما يفتحه.

ـ أعرف الحاج محمود أكتر مما تتخيلي… وجدك طلب مني لو الصندوق ده وصل لك في يوم من الأيام، ما أسألكيش إنتِ عرفتيه منين، وأقولك الحقيقة كلها.

قلبي دق بسرعة.

ـ حقيقة إيه؟

بص ناحية الباب كأنه خايف حد يسمعنا.

ـ الشركة اللي أبوكي بيقول إنها بتاعته… مش بتاعته.

سكت.

حسيت إن وداني بطلت تسمع أي حاجة تانية.

ـ يعني إيه؟

فتح درج مكتبه وطلع ملف قديم، حطه قدامي وقال:

ـ أبوكي وأختك فاكرين إن جدك سلّمهم الشركة من سنين. لكن الحقيقة إن جدك أنشأ الشركة بأمواله، وسجّل نسبة كبيرة منها باسم شخص واحد بس.

سألته وأنا بالكاد قادرة أتكلم:

ـ مين؟

مد إيده للظرف اللي على الصندوق.

ـ افتحي جواب جدك الأول… وبعدها هتعرفي.

فتحت الظرف بإيد بتترعش.

كان جواه جواب قصير.

“يا مريم…

لو وصلتي للصندوق بعد ما أهلك طردوكي، يبقى الوقت جه تعرفي إن اللي حصل النهارده مش صدفة.

أنا كنت مستني اليوم ده من زمان.

ما تثقيش في أبوكي… ولا في منة.

والأهم…

ما توقعيش على أي ورقة مهما حصل.

لأن الشركة اللي هما بيتخانقوا عليها…

جزء منها باسمك من يوم ما اتولدتي.”

رفعت عيني للأستاذ رأفت.

ـ باسمي؟!

هز راسه.

ـ مش جزء صغير يا مريم.

وقبل ما يكمل، تليفوني رن.

كان رقم أمي.

رديت وأنا مترددة.

جالي صوتها لأول مرة في حياتي مرعوب:

ـ مريم… إنتِ فين؟

ـ في البنك.

سكتت ثواني.

وبعدين قالت بصوت واطي:

ـ اسمعيني كويس… منة وأبوكي عرفوا إنك فتحتي الصندوق.

اتجمدت مكاني.

ـ عرفوا إزاي؟

قالت جملة واحدة قبل ما تقفل:

ـ لأن اللي قال لهم… كان مع جدك يوم ما كتب الوصية.

المشهد الثاني

قفلت المكالمة وبصيت للأستاذ رأفت.

ـ مين كان مع جدي؟

ما ردش.

فضل ساكت لحد ما سألته تاني.

ـ حضرتك تعرف؟

قال:

ـ أعرف… بس قبل ما أقولك، لازم تشوفي تسجيل.

فتح جهاز الكمبيوتر وشغل فيديو قديم.

ظهر جدي قدامي.

كان قاعد في نفس المكتب تقريبًا، وشكله أضعف بكتير.

بص للكاميرا وقال:

“لو مريم بتشوف التسجيل ده، يبقى أنا مش موجود.”

دموعي نزلت من غير ما أحس.

“يا بنتي، أبوكي مدين لناس كتير، ومش كل الديون فلوس. من سنين وهو بيحاول يبيع حصته في الشركة بطريقة غير قانونية، وأنا وقفت قدامه.”

جدي سكت لحظة وقال:

“أما منة… فهي مش مجرد أختك اللي بتغير منك. منة عارفة إنك الوريثة الحقيقية.”

اتخضيت.

ـ عارفة؟!

الأستاذ رأفت وقف التسجيل.

ـ دي مش كل حاجة.

قلت:

ـ كمل.

شغل الجزء الأخير.

جدي قال:

“أنا سبت لك الصندوق لأنه فيه مستندات تثبت كل حاجة. لكن فيه ورقة أهم من كل ده… موجودة في مكان ما حدش يعرفه غيري.”

وفجأة الفيديو انتهى.

قلت:

ـ فين الورقة؟

الأستاذ رأفت ابتسم بحزن.

ـ جديك كان عارف إنك هتسألي السؤال ده.

وطلع مفتاح صغير من جيبه.

ـ المفتاح ده هو اللي هيوصلك للمكان.

مسكته وأنا بقول:

ـ وإنت كنت مستني إني أجيلك؟

هز راسه.

ـ لأ… أنا كنت مستني أشوف هتيجي بإرادتك ولا حد هيجبِرك.

وقبل ما أفهم قصده، باب المكتب خبط بعنف.

صوت رجل من بره قال:

ـ افتح يا أستاذ رأفت.

بص لي رأفت واتغير وشه.

ـ دول مش موظفين البنك.

المقبض اتحرك.

ثم جاء صوت منة:

ـ مريم… افتحي الباب. إحنا جايين ناخد حاجة تخص عيلتنا.

المشهد الثالث

بصيت للأستاذ رأفت، فقال بسرعة:

ـ مفيش وقت. خدي المفتاح والصندوق وادخلي من الباب الخلفي.

قلت:

ـ وإنت؟

ـ أنا هعطلهم.

فتحت الباب الخلفي وخرجت لممر ضيق يوصل للجراج.

كنت بجري وأنا حاضنة الصندوق، لحد ما سمعت صوت منة من بعيد:

ـ هتهربي فين يا مريم؟!

ركبت عربيتي وقلبت المحرك.

ولما خرجت من الجراج، شفت عربية أبويا مستنياني عند أول الشارع.

ما وقفتش.

رجعت البيت الإيجار اللي كانوا بيعايروني بيه، وقفلت الباب ورايا.

حطيت الصندوق على الترابيزة، وطلعت المفتاح.

فتشت في كل حاجة لحد ما لقيت تجويف صغير في قاع الصندوق.

دخلت المفتاح.

فتح.

جواه كان فيه ملف، وصورة قديمة، وفلاشة صغيرة.

الصورة كانت لجدي واقف جنب رجل معرفوش.

قلبت الصورة.

لقيت جملة مكتوبة:

“الشاهد الوحيد على الحقيقة… ابنه.”

فتحت الملف.

أول ورقة كانت عقد تأسيس الشركة.

اسمي كان موجود.

لكن الصدمة الحقيقية كانت في الورقة اللي بعدها.

توقيع أبويا.

وتحته إقرار واضح إنه تنازل عن حقوقه في الشركة لصالح جدي قبل سنوات.

يعني الشركة عمرها ما كانت ملك أبويا.

كنت لسه بقرأ لما سمعت خبط على الباب.

فتحت الكاميرا الصغيرة اللي عند الباب.

منة كانت واقفة.

لكن المرة دي ما كانتش لوحدها.

كان معاها أبويا…

ورجل غريب.

الرجل أول ما شفته حسيت إن الدم انسحب من وشي.

كان نفس الرجل الموجود في صورة جدي.

وفجأة تليفوني رن.

الأستاذ رأفت.

رديت.

قال بصوت هامس:

ـ مريم… الرجل اللي عندك على الباب هو أخو جدك.

سألته:

ـ أخو جدي؟ طب هو كان فين كل السنين دي؟

سكت ثانيتين.

ثم قال:

ـ كان في السجن.

اتجمدت.

ـ ليه؟

قال:

ـ لأنه الوحيد اللي يعرف مين قتل جدي.

وفجأة سمعت صوت مفتاح بيتحرك في كالون باب شقتي.

رفعت عيني ناحية الباب.

وأدركت إنهم ما جايينش يتكلموا.

كانوا جايين ياخدوا الصندوق.

المشهد الرابع

رجعت خطوتين لورا وأنا ماسكة التليفون.

الرجل دخل أول واحد.

منة وراه.

وأبويا قفل الباب.

بص للصندوق وقال:

ـ اديني اللي في إيدك يا مريم.

قلت:

ـ إنت قتلت جدي؟

وشه اتغير.

منة بصت له بسرعة.

الرجل الغريب هو اللي رد:

ـ لأ.

أبويا صرخ:

ـ اسكت!

لكن الرجل قرب مني وقال:

ـ أبوكي ما قتلش جدك… لكنه سابه يموت.

سكت المكان كله.

بدأ يحكي.

قبل وفاة جدي بأيام، اكتشف إن أبويا كان بيزوّر أوراق الشركة وبيحوّل فلوس لحسابات بره.

جدي قرر يبلّغ عنه.

لكن أبويا عرف.

وفي ليلة الحادث، حصلت مواجهة بينهم.

جدي وقع واتصاب.

أبويا هرب.

والرجل اللي قدامي كان موجود وقتها.

لكنه سكت خوفًا على حياته.

بصيت لأبويا وقلت:

ـ عشان كده كنت عايز تخلص مني؟

رد بعصبية:

ـ أنا كنت بحاول أحمي العيلة!

ضحكت بمرارة.

ـ تحميني؟ إنت رميت شنطتي في التلج الصبح!

منة بدأت تعيط.

ـ مريم، إحنا غلطنا… بس الموضوع أكبر مننا.

بصيت لها.

ـ لأ. الموضوع أكبر منكم فعلًا.

رفعت الفلاشة.

ـ لأن دي فيها كل اعترافاتكم.

منة شهقت.

ـ إنتِ شوفتيها؟

ـ لأ.

ابتسمت.

ـ بس جدي كان أذكى منكم. هو كان عارف إنكم هتدوروا عليها، وعشان كده ما حطش التسجيل هنا.

أبويا اندفع ناحيتي.

لكن قبل ما يوصل، الباب اتفتح.

دخل الأستاذ رأفت ومعاه الشرطة.

طلع التليفون وقال:

ـ المكالمة اللي بينا من ساعة كانت متسجلة بأمر النيابة.

أبويا وقع على الكرسي.

منة فضلت واقفة مش قادرة تتكلم.

أما أنا، فبصيت للصندوق.

ولأول مرة فهمت ليه جدي قال لي:

“لو الناس فاكرين سكوتك ضعف، سيبيهم على هبلهم.”

بعد أسبوعين، الشركة اتجمدت حساباتها، وبدأ التحقيق في كل المستندات.

أبويا ومنة اتحاسبوا على التزوير والاختلاسات.

أما أنا…

فدخلت الشركة لأول مرة بصفتي المالكة القانونية للحصة اللي تركها لي جدي.

وأول قرار خدته كان إني أسدد ديون الموظفين اللي اتظلموا، وأرجع حقوق الناس اللي اتاخدت منهم فلوس بغير حق.

وفي يوم رجعت فيه البيت القديم لأول مرة، لقيت أمي واقفة على الباب.

كانت بتعيط.

قالت:

ـ سامحيني يا مريم.

بصيت لها طويلًا.

وقلت:

ـ أنا مش هنسى اللي حصل.

سكتت.

ثم كملت:

ـ بس مش هخلي اللي عملتوه فيا يخليني أبقى شبهكم.

ومشيت.

قبل ما أركب عربيتي، بصيت للسماء.

ماكانش فيه تلج.

كانت الشمس طالعة.

وافتكرت صباح العيد اللي طردوني فيه وأنا فاكرة إنهم كسروني.

لكن الحقيقة…

إنهم يومها كانوا بيفتحوا لي الباب لأول مرة على حياتي الحقيقية.

االخاتمة

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى