
الجزء الرابع
النار كانت بتاكل الخشب والستائر بسرعة مرعبة، والدخان الأسود الكثيف عمى عيني وخنق نفسي. كنت محصورة في السيب بالدور التاني، والسقف الخشبي اللي وقع فصل بيني وبين كريم.
مسكت بطني بكل قوتي، وفي وسط الخوف ده كله، صوت جواه صرخ: «أنا مش هموت هنا.. أولادي مش هيموتوا قبل ما يشوفوا النور!»
سمعت صوت كريم من ورا الجدار المشتعل، كان بيصرخ وصوته مبحوح من الدخان:
«ليلي! حولي تدخلي البلكونة اللي في أخر الممر! البلكونة بتطل على الجنينة، إوعي تنزلي تحت يا ليلي!»
غمضت عيني وركضت عكس اتجاه النار بكل طاقتي، فتحت باب البلكونة وسحبت نفس كبير من الهوا النظيف. بصيت لتحت، لقيت الجنينة مليانة دخان، وشفت سعاد برة واقفة بتصرخ مع الشغالين، والرجال بيحاولوا يطسوا النار بخرطوم المية.
وفجأة.. شفت الخيال الملثم اللي كان !
الراجل كان بيجري ناحية البوابة الخلفية، وفي إيده إزتازة غريبة. حظه الأسود إن بواب القصر، الراجل الصعيدي الشهم، كان راجع من برة وسادد عليه السكة. مسكه من رقبته ووقعوا هما الاتنين على الأرض.
في نفس اللحظة، كريم ظهر في البلكونة اللي جنبي بعد ما كسر شباك الثانية، كان وشه متغطي بالسواد وقميصه متقطع.
«ليلي! نطي.. أنا معاكي!»
«مش هقدر يا كريم.. الأربعة!»
«نوثقي فيا.. هتشيلك!»
كريم نط الأول على التندة القماش اللي تحت، ومنها للجنينة، ووقف تحت البلكونة وفرد إيديه. غمضت عيني، وحطيت إيدادي على بطني، ونطيت.
كريم مسكني، وحضنني وقعدنا إحنا الاتنين على النجيل. جسمي كان بيتنفض، وبطني كانت متشنجة من الرعب.
سعاد جرت علينا وهي بتصرخ وتعيط، :
«الحمد لله يا بنتي.. الحمد لله إنكم بخير! يا فجر يا طاهر.. عايز أحياء عشان شوية فلوس؟!»
المطافئ وصلت وبعد ساعة قدروا يسيطروا على . وفي نفس الوقت، البواب والمطافئ كانوا ماسكين الراجل الملثم.
كريم قرب منه وهو مش شايف قدامه، شد الماسك من على وشه.. وكانت المفاجأة!
ده كان السائق الخاص بتاع طاهر الشناوي!
كريم مسكه من ززمار رقبته وقال بصوت زاد القصر كله هز:
«مين اللي بعتك يا روح أمك؟! نطق بدال ما أدفنك هنا!»
السائق وهو بيرتعش من الخوف:
«الباشا.. طاهر بيه! هو اللي قالي أولع في المكتب تحت عشان الملفات والعقود تتحرق وتطلعوا جري فتتخنقوا في الدخان!»
كريم طلع موبايله وسجل كل كلمة قالها السائق فيديو، وفي أقل من نص ساعة، كانت عربيات الشرطة مالية القصر، وأخدت السائق المتلبس مع التسجيلات والشهود.
النيابة تحركت في نفس الليلة. طاهر كان فاكر إنه حرق أدلتنا وأوراقنا، وما كانش يعرف إن نسخ العقود الأصلية محفوطة في الخزنة الحديدية بالبنك، والأهم.. إن محاولة العمد المتلبس بيها سواقه جابت آخره.
تاني يوم الصبح، الصحافة اللي طاهر كان خايف منها، نزلت بالمانشيت العريض:
الخبر هبد البورصة، وأسهم طاهر نزلت للحضيض، وبقرارات نيابية سريعة، تم التحفظ على كافة أملاكه وإلغاء صفته الإدارية في الشركات، وتنصيب كريم الشناوي رئيسًا تنفيذياً مطلقاً للمجموعة!
عدت أربع شهور على دي..
الحياة هديت، والقصر اترمم ورجع أحسن من الأول.
وأنا.. بطني بقت قدامي زي البرميل! المشي بقى إنجاز، والنوم بقى حلم، وسعاد كملت مسيرتها في التدليل، بس المرة دي بدكاترة وأدوية حقيقية مش أعشاب غريبة.
وفي ليلة هادية من شهري التامن، كنت قاعد في الجنينة مع كريم.
كان مسك إيدي وبيحس حركة الأجنة اللي مش بتهدى داخل بطني.
بصلي وقال بنبرة مليانة حنية:
«تعرفي يا ليلي.. العقد اللي كتبناه في الأول ده كان أكبر بركة دخلت حياتي. أنا ما كسبتش بس ورثة لأسمي.. أنا كسبت روح، كسبت بيت حقيقي لأول مرة في حياتي.»
ابتسمت له وتنهدت:
«وأنا كسبت عيلة يا كريم.. عيلة تعوضني عن كل يوم عيشته يتيمة ومكسورة.»
وفجأة.. وحسب القواعد الدرامية الصارمة للأربعة اللي جوة بطني..
حسيت بوجع رهيب يقطع ظهري، ومية بتنزل بغزارة!
مسكت إيد كريم بكل قوتي وصصرخت صرخة سمعت المنطقة كلها:
«كريييييييم! إلحقنييييي.. الأربعة قرروا يطلعوا معاش دلوقتييييي!»
كريم اتنفض من مكانه، وسعاد جرت من جوة وهي بتصرخ:
«ولادة يا كريم! اتصل بالدكتور بسرعةةةةة!»
كريم شالني بين إيديه وهو بيجري ناحية العربية، وأنا ماسكة في رقبته وأنا بأصرخ وبأضحك في نفس الوقت من الوجع.
وصلنا المستشفى، والممرضات والدكاترة اتلموا في حالة طوارئ قصوى: «حالة ولادة أربعة أجنة.. جهزوا غرفة العمليات فوراً!»
دخلوني غرفة العمليات، وكريم كان ماسك إيدي ولابس لبس التعقيم، ووشه أصفر أكتر مني.
الدكتور بصلي وابتسم:



