روايات وقصص

حكايات منى 1

فتحت باب الشقة بتكة صغيرة محسوبة. أول واحد دخل كان أبوها، الحاج عبد الحميد، راجل ستيني هادي بس في عينه نظرة وقار وهيبة، ملامحه صعيدية ناشفة ومش بتاعة حوارات. وراه دخل أحمد ومصطفى، إخواتها الاتنين، بملامح جادة وواقفين في ظهرها، ووراهم راجل رابع لابس بدلة رمادي وشايل شنطة جلد سودا تقيلة… الأستاذ وحيد، محامي العيلة وصاحب والدها من سنين.

الحاج عبد الحميد أول ما شاف بنته مهدودة ووشها مخطوف، مسك كف إيدها وباسه:
حقك عندي يا بت بطني، اطلعي ادخلي أوضتك مع بناتك وماتخرجيش غير لما أناديكي.
أحمد همس بضيق وهو بيبص ناحية الصالة:
هو فين المحروس؟ نايم جوا في أمان الله؟
أبوه بصله بحدة:
أحمد! مفيش صوت، مش عايزين حركة عشوائية، إحنا جايين بالقانون والشرع، مش داخلين خناقة.

نيرة شاورتلهم على المطبخ:
ادخلوا هناك، الباب ده بيتقفل كويس عشان الشخير بتاع أمه ما يغطيش على الكلام.
دخلوا المطبخ بهدوء، ولعوا النور الأصفر الخفيف اللي فوق الحوض. الأستاذ وحيد قعد على كرسي السفرة الصغير وطلع من شنطته ورق أبيض ودوسيهات، والحاج عبد الحميد سحب كرسي وقعد قصاد التلاجة الجديدة، وحط رجل على رجل وبص على الورقة الملزوقة بالبلاستر وابتسم بسخرية واثقة.

الساعة دقت سبعة الصبح. النور شقشق من شباك المطبخ، وصوت المنبه بتاع تليفون طارق ضرب في الصالة. طارق قام، تمطع، وطلع صوت تخين وهو بيتثاءب، ونادى بصوت عالي:
يا أمّا! اصحي عشان نعمل الفطار الجديد من خير ربنا، خلي اللي جوة تفضل نايمة بنومها.
الحاجة فتحية خرجت من أوضتها لابسة الروب القطيفة الفوشيا والشبشب الفرو، وبترد عليه بضحكة دلال:
صباحية مباركة يا قلب أمك، دا أنا مجهزة لك حتة جبنة رومي وبسطرمة من اللي في التلاجة النضيفة تشفي العليل، سيبك من القديمة اللي أكلها خلص.

طارق مشي بخطوات تقيلة ناحية المطبخ، داس على أوكرة الباب وزقه برجله كعادته، وهو بيقول:
أنا قولتلك من إمبارح، التلاجة دي ماتتفتحش غير بإذن…
الكلام وقف في زوره، ولسانه اتعقد كأنه بلع كلمة. طارق بربش بعينيه مش مستوعب.
على ترابيزة المطبخ، الحاج عبد الحميد قاعد مربع إيديه، ساند عكازه على طرف الترابيزة، بيبصله بنظرة هادئة وحاسمة. جنبه أحمد ومصطفى واقفين بوقفة ثابتة ومنظمة، والمحامي بيقلب في ورقة رسمية ببطء ويشرب من كوباية مية بارده.

أمه جت وراه، اتخبطت في ضهره وقالت بنرفزة:
في إيه يا واد واقف زي اللوح كده ليه ومسقط فكك؟
بصت من فوق كتفه، ولقت المنظر، وشها جاب ألوان الطيف، شهقت وحطت إيدها على صدرها:
يا داهية دقي! إيه ده؟ أنتم مين اللي فتحلكم وبتعملوا إيه في بيتنا على الصبح كده؟

الحاج عبد الحميد نزل رجله من على رجل، وتكلم بصوت هادئ جداً، بس كان حاسم:
بيتك؟… قولي كلام غير ده يا حاجة فتحية عشان المحامي اللي قاعد ده ما يكتبش في المحضر إنك بتدعي ملكية مش بتاعتك.

طارق اتدارك الصدمة، واتحولت ملامحه لغضب مفاجئ محاولة منه إنه يثبت وجوده، رفع صباعه في وش حماه:
جرى إيه يا حمايا؟ إنت فاكر نفسك داخل مكان بلا رَقيب ولا إيه؟ دي شقتي وحرمة بيتي، وإزاي تدخلوا كده من غير إذني؟ وبعدين نيرة دي أنا هعرف أربيها عشان شكلها نسيت هي متجوزة مين!
مصطفى خطى خطوة لقدام بتنظيم، وطارق رجع لورا خطوتين بحذر، بس أبوه رفع إيده لمصطفى يوقفه:
اقف مكانك يا مصطفى، الحساب مع طارق مش بالصوت العالي، الحساب بالورقة والقلم.

الأستاذ وحيد رفع عينه من الورق وبص لطارق بابتسامة عملية، وعدل نضارته:
أستاذ طارق، بدل ما تسأل إحنا دخلنا إزاي، كان الأولى تسأل الشقة دي بتاعت مين الأول. إنت بقالك سنة عامل حساباتك ونازل تسحب من حساب المدام المشترك، وبتجدد في التلاجة والفرش وبتجيب والدتك تعيش هنا على أساس إن الشقة بقيت ملكك بالتوكيل القديم رقم 412 اللي نيرة كانت عملاهولك.

طارق وشه شحب، وبص لأمه بريبة:
توكيل إيه؟ ما هو شغال… والغاز والكهربا وكل حاجه تحت أمري!
المحامي طلع ورقة تانية مختومة بختم النسر الأحمر وفردها على الترابيزة وضرب عليها بصباعه:
التوكيل ده اتلغى رسمي في مصلحة الشهر العقاري من أسبوعين، يعني قبل نيرة ما تدخل العمليات بأيام. ونيرة نقلت الشقة دي بيع وشرا نهائي لنفسها ولأولادها القُصّر فريدة وجميلة، والوصاية المالية والإدارية كلها في إيد والدها، الحاج عبد الحميد.

فتحية اتدخلت بصوت عالي وزعيق هستيري:
يعني إيه يا عينيا؟! ابني يترمى في الشارع؟ ده شاقي وتعبان فيها، والتلاجة اللي مرزوعة هناك دي بفلوسه وشقاه!
الحاج عبد الحميد قام وقف، وقرب من التلاجة الجديدة اللي عليها الورقة. مد صباعه وشال البلاستر براحة تامة، كرمش الورقة اللي مكتوب عليها “طارق والحاجة والدته” ورماها في سلة الزبالة تحت الحوض، وبص لفتحية وقال:
التلاجة دي شاريها بفلوس نيرة اللي اتسحبت من حسابها البنكي يوم التلات اللي فات بحجة إنها مصاريف المستشفى للولادة، والوصلات وكشف الحساب أهو معايا. يعني التلاجة دي مش بتاعتكم، دي جاية بدم بنتي وفلوسها وهي نايمة في العمليات بتعاني وتجيب توأم!

طارق بدأ ينهج، العرق نزل على جبينه وبدأ يتلفت حواليه كأنه بيدور على مخرج:
نيرة فين؟ خلوها تخرج تتكلم! مش هي اللي هتعمل فيا كده، أنا جوزها وليا طاعة عليها!
في اللحظة دي، باب المطبخ اتفتح وظهرت نيرة. كانت ساندة على عتبة الباب، لابسة إسدالها ووشها أصفر من التعب، بس عينيها كانت مليانة قوة وثبات. بصت لطارق من فوق لتحت وقالت بكل برود الدنيا:

أنا هنا يا طارق… بس مفيش طاعة لخاين. التلاجة اللي أنت حطيتها وكتبت عليها اسمك أنت وأمك، مش هتفضل هنا دقيقة واحدة، ولا أنت ولا أمك هتفضلوا في الشقة دي ساعة كمان.

طارق اتصدم، وبص لأمه اللي كانت بتبص في الأرض مش لاقية كلمة تقولها، وقال بصوت مهزوز:
أنتي بتطرديني من بيتي يا نيرة؟ عشان تلاجة؟ وبتنسي اللي بينا والبنتين؟
نيرة ابتسمت بسخرية هادئة:
أنا ما نسيتش البنتين، أنا عملت كده عشان البنتين. اللي يستكتر على مراته وبناته لقمة في يوم ولادتهم، ويفرز تلاجته عنهم، ده ما يتقالش عليه راجل ولا يتأمن عليه بيت. شيل شيلتك يا طارق… زي ما قولتلي إمبارح بالظبط.

المحامي جمع أوراقه ووقف، وبص لطارق بصرامة:
قدامك نص ساعة بالضبط، تلم هدومك إنت والحاجة والدتك، والشنط اللي هتاخدوها هتتفتش قبل ما تخرجوا من الباب، وإلا البلاغ اللي جاهز في قسم الشرطة بالاستيلاء على أموال وخيانة أمانة هيتحرك في خلال دقايق… ها، تحب نمشي بالمعروف ولا نطلب الجهات المختصة تاخدكم من هنا؟

(هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.)

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى