
“أنا مش هطلع معاكي.. مش هعرف أقولها إيه!” قالها وهو بيرجع ورا بخطوات مرتعشة، كأنه طفل اتمسك في مصيبة.
ابتسمت له برود وأنا بعدل ياقة روبي، ومشيت لحد باب المطبخ عشان أستقبلهم:
“دلوقتي بقيت تخاف من أمك؟ معلش يا رامي.. اصبر، ليلى على وصول برضه، والصبح لسه بيبتدي، والعين بالعين، والسر بالسر، والابتدادي لله!”
الباب انفتح على وسعه، ودخلت الحاجة “دلال” والدة رامي، وبخطواتها الثابتة وطلتها اللي بتملى البيت هيبة، بصت حواليها وهي بتعدل نظارتها. وراها مباشرة كان واقف الأستاذ “عاصم”، محامي العيلة القديم، بملامحه الجادة وشنطته الجلد السوداء.
“صباح الخير يا إيمان يا بنتي.. مالك؟ صوتك كان واصل بره، ولا هو رامي كمان قاعد من الصبح بيتدلع وما راحش شغله؟” قالتها والدة رامي وهي بتبتسم لي بحنان، بس الابتسامة اختفت أول ما وقعت عينها على رامي وهو طالع من المطبخ ووشه أصفر زي الميت، وهدومه مكرمشة وريحته تفضح بلاوي سودة.
الحاجة دلال وقفت في نص الصالة، ونقلت نظرها بين ابنها المرتعش وبين الملف اللي على ترابيزة المطبخ، وبعدين بصتلي وقالت بصوت هادئ بس مليان قلق: “في إيه يا ولاد؟ فهموني، قلبي مقبوض من ساعة ما رنيتي عليا يا إيمان.”
قبل ما أرد، رامي اتحرك بجنون وبص لأمه بصوت متحشرج: “يا أمي.. دي.. دي إيمان بتتبلى عليا.. دي جنّت وعايزة تخرب البيت على حبة تهيؤات وفبركة…”
“اخرس خالص!” صوت أستاذ عاصم المحامي جه كالصاعقة وهو بيفتح شنطته ويطلع ملفات وأوراق رسمية، وبص لرامي بنظرة احتقار كاشفة: “التهييؤات دي يا بشمهندس رامي بتتعمل في شقق مش شبة بتاعتك، والصور والمحادثات اللي اتسحبت من على السيستم ومن كاميرات البناية ومن كشوفات الحسابات اللي بتدفع بيها إيجار الشقة السرية في الزمالك.. دي ما فيهاش تهييؤات، دي أدلة تدفن أي راجل حي.”
رامي اتشنج في مكانه.. بص لأستاذ عاصم بذهول: “إنت.. إنت بتقول إيه؟!”
الحاجة دلال حطت إيدها على صدرها، وشها اتحول للون الأبيض، وبصت لابنها بصوت هز الشقة كلها: “شقة سرية؟! بتخون مرتك يا رامي؟! الست اللي استحملتك وصانتك وجمعت قروشها وقروش أبوها عشان تقف جنبك في الشغل والشركة.. تعمل فيها كدة مع واحدة من زفتة الطين صاحبتها؟!”
“يا أمي اسمعيني.. الشيطان…” حاول يمد إيده يمسك دراعها، بس دفعت إيده بقرف شديد وكأنها بتلمس حاجة نجس.
“أنا مش أمك لما تكون راجل خاين وقليل الأصل.. أستاذ عاصم، الورق اللي معاك يخلص إيه؟” قالتها الحاجة دلال بصوت بيترعش من القهر والغضب، وهي بتبصلي بعيون مليانة أسف واعتذار: “حقك علي يا بنتي.. أنا ربيت بس الظاهر إني نسيت أعلمه أصله.”
في اللحظة دي، بالضبط الساعة 6:34 الصبح.. صوت جرس الباب رن.
نغمات الجرس الهادية دي نزلت على أعصاب رامي كأنها ضربة صاعقة. بص للباب برعب جنوني، كأنه شايف ملك الموت واقف بره.
أنا مشيت بهدوء ناحية الباب، وقلبي بينبض بقوة بس بنشوة النصر والتشفي. فتحت الباب.. وكانت “ليلى”.
ليلى واقفة قدامي بملامح مرتبكة، لابسة نفس الهدوء المصطنع، وماسكة شنطتها وهي بتقول بدلع كداب: “صباح الخير يا إيمو.. تنازلتي تفتحي بدري ليه؟ كنت معدية قلت أطمن عليكي وعلى رامي قبل ما أروح الشغل، أصله…”
سكتت مفاجأة أول ما عينيها جت في عيني، وبعدين دخلت بخطوتين جوه الصالة، وشافت الحاجة دلال واقفة ماسكة عكازها وبتبصلها بنظرة تحرق، وأستاذ عاصم فاتح ملفات القضايا، ورامي قاعد على الركبة من كتر الصدمة في الأرض ماسك دماغه.
الدم ساب وش ليلى، وبقت تبلع ريقها بصعوبة بالغة وهي بتقول بصوت مسطوح: “خالتي.. دلال؟! هو في إيه.. رامى.. مالكم؟”
قفلت باب الشقة وراها بالمفتاح، وسندت ضهري عليه، وابتسمت ابتسامة باردة قطعت قلبها نصين وأنا بتقول:
“ولا حاجة يا ليلى.. منورة بيتي.. كملي جميلك، وقوليلهم نسيتي ساعته الفينو امبارح على الكومودينو بتاعك وإلا أجيبلك أنا الكاميرات تفرجوها سوا؟”



