
الست العجوزة طلعت تجري وماسكة تليفونها المحمول وهي بترتجف:
— “يا بنتي الهي سترها عليكي… تعالي ادخلي جوه… أنا كلمت النجدة!”
قعدت على الكنبة في الصالة وأنا بتنفس بصعوبة بالغة، وصدري بيطلع وينزل كأني كنت بجرى في ماراثون طويل. إيدي كانت بتنزف، وجيبي جواه الموبايل اللي لسه مسجل كل كلمة قالها المجنون ده، كل تفصيلة وجريمة واعتراف بصوت واضح وصريح.
معدش دقايق معدودة، لحد ما سمعنا بره في الشارع صوت صفارات سيارات الشرطة بتتعالى بشكل مرعب، وصوت دبدبة عمالة تقرب من مدخل العمارة.
بصيت للست العجوزة وقلت بصوت متهدج:
— “البوليس جه… لازم نطلع نجيب البنات قبل ما ياكلوا من اللحمة دي…”
بس قبل ما نكمل كلامنا، سمعنا صوت صراخ مرعب جاي من شقة عم طنطاوي في الدور الخامس.. صوت خبط، وصوت كسر، وبعدين صوت صدمة وهرج مرج على السلم.
فتحت باب الشقة بحذر، وبصيت على السلم، ولقيت ضباط الشرطة وامين الشرطة طالعين السلم بيجروا وسلاحهم في إيديهم، وواحد منهم بيزعق بصوت جهوري:
— “محدش يتحرك! الشرطة!”
شفت عم طنطاوي وهو نازل بيجري من الدور الخامس، ووشه أصفر ، وماسك في إيده كيس بلاستيك تاني بيحاول يخبيه ورا ظهره، لكن الظباط حاصروه في ثواني وثبتوه على السلم وهو بيصرخ بجنون:
— “أنا صاحب البيت! أنا مأجر لهم بالريال! بتهجموا عليا ليه؟!”
واحد من الظباط صفعه على كف إيده ووقع الكيس من إيده، وقال بصوت حاد:
— “صاحب البيت؟ تعالى معانا يا عم طنطاوي، البنات اللي فوق قالوا كل حاجة، والموبايل اللي في إيد البنت متسجل فيه اعترافاتك كلها!”
طلعت ورا الظباط بخطوات بطيئة، وطلعت الشقة بتاعتي.. باب الشقة كان ، ولقيت ندى وسارة وهبة ومنار واقفين في نص الصالة، عمالين يعيطوا بحرقة، وكل واحدة فيهم باصة للعلب البلاستيكية برعب أعمى. أول ما شافوني داخلة، ندى جريت عليّا وحضنتني وهي بتصرخ:
— “منى! إنتي رجعتي! إنتي كنتِ صح… إحنا كنا لولا إنتي!”
دموعي نزلت، وبصيت للعلب اللي على الترابيزة، وحمدت ربنا ألف مرة إني جريت في الوقت المناسب.. بس لسه الليلة دي مخلصتش، ولسه الفصل الأخير مستنينا في قسم الشرطة.
رائحة المعمل الجنائي وخيوط التحقيق في قسم الشرطة كانت قطعية. المباحث فتحت علب اللحمة اللي جابها عم طنطاوي، وطلعت التقارير الأولية للصدمة؛ الأكل كان مضاف ليه مواد مخدة وقوية جدًا، وثبت من اعترافات المسجلين خطر اللي كانوا متعاونين معاه قبل كده إن الراجل ده كان مريض نفسي وعنده سجل أسود في استدراج البنات اللي بيسكنوا لوحدهم، وإن حكاية “الإيجار المجاني” دي كانت الطعم الثابت اللي بيلقمه عشان ويسيطر عليهم تمامًا.
عم طنطاوي اتقبض عليه، واتحولت القضية للنيابة العامة وسط اهتمام إعلامي كبير بالعمارة اللي أُطلق عليها في الصحف “عمارة الرعب”.
أما إحنا، ففي نفس الليلة، لمينا هدومنا بجد، ومن غير تردد السادي ولا خوف الخدعة، سيبنا الشقة دي للأبد. البنات كانوا ماسكين فيا كأني طوق النجاة الوحيد، وكل واحدة فيهم كانت بتعتذر بطريقتها عن العناد والاستهتار اللي كان هيودينا في داهية.
ركبنا عربية أجرة مع بعض، وكل واحدة فينا باصة من الشباك، شايفة الشوارع منورة وواسعة، وحاسين بإننا اتولدن من جديد. صحيح خسرنا التأمين، وصحيح سيبنا ذكريات وسارين في الشقة دي، لكن الأهم إننا طلعنا منها عايشين، وإيدي في جيبي كانت لسه محتفظة بالتسجيل اللي أنقذ حياتنا.
بصيت لندى وسارة وهبة، ولقيت الابتسامة رجعت تتزرع على وشوشهم بالتدريج، وقالت ندى وهي بتنهد بارتياح:
— “بقولكم إيه.. تيجوا ندور من بكره على شقة جديدة.. بس تكون في عمارة ليها بوابة وبشر حقيقيين، مش عم طنطاوي؟”
ضحكنا كلنا بصوت عالي لأول مرة من ساعات طويلة، ونسيم الليل البارد خبط في وشوشنا، وأنا كنت متأكدة إن الجنيه الحلال والحرص هما دايمًا طوق النجاة الحقيقي في الدنيا دي.




