روايات وقصص

أول يوم بعد الفرح3

### الجزء الثامن بعد مرور سنة كاملة على الليلة اللي غيرت مجرى حياتي وحياة كل الناس اللي حواليا، كانت شريكتي القانونية والاستثمارية قد أثبتت جدارتها وبقت واحدة من أكبر الكيانات المعتمدة في مصر والمنطقة العربية. اسم “بشرى” مابقاش مجرد اسم عابر، بل بقى رمز للذكاء، والقوة، والقدرة على استرداد الحقوق مهما طال الزمن أو تعقدت الظروف.

في صباح يوم خريفي هادي، كنت قاعدة في مكتبي أراجع المستندات الأخيرة لصفقة استثمارية ضخمة، لما سكرتيرتي دخلت ومعاها ظرف بريدي شكله قديم وبسيط، ومالوش أي ملامح تدل على هوية المرسل.

بصيت للظرف باستغراب، وسألتها:

* “إيه ده يا مريم؟ ومنين وصل؟”

ردت بهدوء:

* “واحد من عمال النظافة سلمه في الاستقبال وقال إن فيه شخص غريب ادّاه له عشان يوصله لحضرتك بالاسم، ومشي فوراً من غير ما يسيب أي تفاصيل.”

فتحت الظرف ببطء. كان جواه ورقة واحدة مكتوبة بخط إيد رديء، ومعاها صورة قديمة ومطبوعة بحبر باهت.

قريت الكلمات اللي مكتوبة على الورقة:

> “بشرى.. عارف إن الكلام ما بيكفيش، وعارف إن الألم اللي سببته لكِ مالهوش مسامحة. أنا بكتب لك الكلمات دي من خلف قضبان الزنزانة اللي قضيت فيها سنة كاملة، سنة كاملة حسيت فيها بكل ذرة قهر وذل دقتها عيلتي وذقتها أنا بسبب غرورنا. أمي وأختي بيعيشوا في قرية بعيدة وسط ندم دائم، وأنا هنا بتعلم كل يوم درس جديد في التواضع. مابقاليش في الدنيا دي غير إني أطلب منك طلب واحد أخير قبل ما أتحول لشخص تاني خالص.. ادعي لي بالهداية والستر، وماتنسيش إنك كنتِ الدرس الأعظم في حياتي. مع السلامة يا بشرى.”

>

رفعت عيني من على الورقة وبصيت للصورة المرفقة. كانت صورة قديمة لزياد أيام ما كان لسه عايش في الوهم والجاه، قبل ما ينهار كل شيء حواليه.

قلبت الصورة والورقة، وحطيتها بهدوء في درج مكتبي، من غير ما ينزل مني دمعة واحدة، ومن غير ما أحس بأي شعور بالشماتة. إحساسي الوحيد كان السلام التام.

قمت وقفت قدام نافذة مكتبي الكبيرة اللي بتطل على نيل القاهرة، وتنفسعت بعمق. تذكرت كل دقيقة عدت عليا؛ من يوم الفطار، والقلم اللي نزل على خدي، لحد اللحظة دي اللي بقيت فيها مالكة قراري ومستقبلي بكل قوة وثبات.

الحياة مش بتدينا دايمًا اللي بنتمناه، بس بتدينا دائمًا الفرصة نكون أقوى، ونثبت إن الكرامة الإنسانية خط أحمر لا يمكن لأي مال أو جاه إنه يدوس عليه.

رجعت لمكتبي، قفلت الدرج، وابتسمت لنفسي وأنا عارفة إن الفصل ده اتقفل للأبد، وإن حياتي الحقيقية لسه في أولها.

### الجزء التاسع والأخير

مرت السنوات، والدنيا بتلف دايمًا بدورتها العادلة. مكتبي بقا صرح كبير ومهم، واسمي بقى مقترن بالنجاح والشرف والنزاهة. بقيت بشوف بنات كتير بتتعرض لنفس الضغوط والمواقف، وكنت دايمًا بحرص إن شركتي تكون هي السند والضهر لكل ست مظلومة فاكرة إن ملهاش صوت.

في يوم شتوي دافئ، كنت قاعدة في بيتي الجديد الهادي والراقي، اللي بنيته بعرقي وتعب إيدي بعيد عن أي مصلحة أو استaغل، بشرب قهوتي الصباحية وأنا بتأمل الشارع من البلكونة. تليفوني الشخصي رن، وكان المتصل هو “شريف”، رفيق الدرب والشغل والمحامي اللي وقف معايا في كل خطوة.

فتحت الخط، وصوته الجهوري قالي بابتسامة واضحة:

* “بشرى هانم، صباح الخير.. عندي ليكي خبر، بس مش شغل خالص.”

سألت باستغراب هادئ:

* “خير يا شريف؟ إيه هو؟”

رد بهدوء:

* “النهارده أفرجوا عن زياد من السجن بعد قضاء عقوبته كاملة.. والخبر اللي وصلني إنه سافر لبلد أوروبي بعيد عشان يبدأ حياة جديدة، بعد ما باع آخر حاجة كانت متبقية من أملاك أهله القديمة عشان يسدد جزء من الديون المتبقية عليه.”

سكت لثواني، بصيت للسماء الصافية، وقلت بصوت هادئ ومريح:

* “ربنا يهديه يا شريف.. ويسد خطاه. كل واحد فينا أخد نصيبه من الدنيا، وكل طرف اتعلم درسه بالطريقة اللي تستحقها أفعاله.”

* “صدقتِ يا فندم.. القصة دي كانت أطول وأقوى درس في السوق كله.”

قفلت الخط مع شريف، وسحبت نفس عميق مليان راحة نفسية مطلقة.

دخلت الأوضة، وفتحت الدرج القديم اللي كان فيه ورقة زياد وصورته القديمة. بصيت لهم نظرة أخيرة، ورميتهم بهدوء في سلة المهملات. قفلت الدرج، ووقفت قدام المراية، نظرت لنفسي بابتسامة رضا وفخر.

الست اللي دخلت فيلا العزّام زمان كعروسة مكسورة ومططأطة الراس، هي نفس الست اللي خرجت منها كعاصفة دمرت الباطل ورجعت الحق لأصحابه.

الحكاية انتهت.. وانتهت صح. الكرامة مش للبيع، والعزة مش بالفلوس، ومن يزرع الظلم، لا يحصد سوى الريح والندم.

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى