روايات وقصص

بعد وفاة أبويا حكايات اسما 1

رد بصوت هادي، لكن كلامه خلاني أتجمد مكاني:

— قبل ما أتكلم معاكي عن أي فلوس أو ممتلكات أو أرقام، والدك طلب مني أسألك سؤال واحد بس!

بلعت ريقي بصعوبة وقلت:

— سؤال إيه؟!

سكت المحامي لحظة، وبعدين بدأ يتكلم…

— السؤال اللي والدك طلب مني أسألهولك يا مدام، وقالي بالحرف الواحد: “سألي بنتي، تفتكري بعد كل السنين دي، جوزها بيحبها بجد، ولا بيحب الفلوس اللي وراها؟”

الجملة نزلت عليا زي الصاعقة. حسيت إن الأوضة بتلف بيا، ورجليا مبقتش شايلاني. سحبت كرسي وقعدت جنب السرير وأنا باصص للأباجورة وفاتورة الأدوات المنزلية، ومش مصدق إن أبويا الله يرحمه، وهو في أيامه الأخيرة، كان شايف اللي أنا مكنتش قادرة أشوفه، أو كنت بتجاهله طوال الـ 22 سنة اللي فاتوا!

سألت المحامي بصوت مهزوز ودموعي بتنزل بغزارة:

— هو… هو بابا كان قاصد إيه بالسؤال ده يا أستاذ رأفت؟ وإيه دخل ده بالورث؟

تنهد المحامي بعمق وقال من خلف السماعة:

— تعالي بكرة في ميعادنا لوحدك يا بنتي، وهعرفك كل حاجة بالمستندات والأدلة. والدك كان راجل ذكي جدًا وخبرته في الدنيا واسعة، وسايبلك مفاجأة مش على بال حد، وبالأخص… جوزك وأهله.

قفلت التليفون، وفضلت قاعده في أوضة أبويا لوحدي أكتر من ساعة. الكلام اللي قاله المحامي كان بيلف في دماغي زي الشريط المسجل. يعني إيه أبويا كان عارف؟ هل كان حاسس إن جوزي طامع فيا وفي فلوسي؟ طب وإيه هي المفاجأة دي؟

روحت البيت بالليل، وكان الجو مشحون بطريقة لا توصف. أول ما دخلت الصالون، لقيت جوزي قاعد مع أهله (أخته وأمه وابنه من جواز سابق)، وكانوا فاتحين خرائط وتطبيقات على الموبايل وبيتكلموا بصوت عالي كأنهم اشتروا عمارة جديدة وبيقسموا الشقق!

أخت جوزي قالت أول ما شافتني بابتسامة واسعة:

— أخيرًا جيتي! تعالي اقعدي شوفي، إحنا كنا بنتفق على الشقة اللي هنشتريها لي في التجمع الخامس، بس أخويا بيقول إننا ممكن نجيب فيلا صغيرة أحسن، إيه رأيك؟

بصيت لجوزي اللي كان بيبتسم بثقة وسلطة، وقال:

— أيوة يا حبيبتي، أختي ملهاش غيرنا، والفلوس اللي عند أبوكي كتيرة ومش هتخلص، فبدل ما تقعد تحسب وتدقق، خلينا نفرح ونعيش حياتنا.

حسيت ببركان جوة صدري بيغلي. جوزي مش بس استهان بمشاعرنا في رحيل أبويا، ده كمان بيتعامل مع تعب وشقى عمر أبويا كأنه غنيمة حرب بيوزعها على أهله!

بصيت له بكل برود وقسوة لأول مرة من سنين، وقلت بصوت حاسم:

— الفيلا والشقق اللي بتخططوا ليها دي تكنسلوها فورًا. محدش هياخد جنيه واحد من ورث أبويا!

الكلمة نزلت عليهم كأنها خبر ثقيل. الصمت ساد المكان لمدة ثواني، قبل ما حماتي تنط من مكانها وتقول بغضب:

— نعم؟! بتقولي إيه يا مؤدبة إنتي؟ هو إنتي استخسرتي في أخت جوزك وفي ابنه؟ دي فلوس عيلتنا كلنا خلاص! جوزك قال إن اللي ليه ليكي واللي ليكي ليه!

جوزي وقف مكانه، ووشه اتغير من الهدوء والثقة للعصبية وقال بصوت عالي:

— إنتي اتجننتي ولا إيه؟ بتكلمي أهلي بالطريقة دي ليه قدامهم؟ وفلوس إيه اللي مش هنديها لحد؟ أنا راجل البيت وقراري هو اللي يمشي، وإنتي مالكيش حق تعترضي على حاجة أنا بقررها!

بصيت في عينه وتذكرت كلام أبويا وسؤاله: “تفتكري جوزها بيحبها بجد، ولا بيحب الفلوس اللي وراها؟”

الاجابة كانت واضحة قدامي زي الشمس.

قلتله بصوت ثابت وقوي حاسم:

— البيت ده والورث ده بتاعي أنا لوحدي. وبكرة الصبح، عندي ميعاد مع محامي أبويا، وهعرف كل كلمة وكل مليم أبويا سابه، وساعتها هيتعرف مين اللي هيقرر ومين اللي مش هيملك حاجة أصلا!

سبتهم واقفين في صدمتهم، ودخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح ورايا، وسمعت صوت خبط جوزي وصراخ أهله بره، بس مكنش فارق معايا أي حاجة غير صباح اليوم اللي هيرجع لي حقي ويكشف الحقيقة كلها.

تاني يوم الصبح، السبت، صحيت بدري جداً. جهزت نفسي ونزلت من البيت من غير ما أقول لجوزي ولا حتى أسيبه يحس بخرروجي. كنت متأكدة إنه لو صحي وسألني رايحة فين، هيحاول ييجي معايا أو يمنعني. ركبت عربيتي وسوقت لحد مكتب الأستاذ رأفت (محامي أبويا الراحل)، وقلبي بيدق بسرعة من الخوف واللهفة لمعرفة السر.

وصلت المكتب، وكان الأستاذ رأفت في انتظار لوحده. راجل عجوز بشعر أسود مخالط للشيب ووقفة محترمة. استقبلني بابتسامة هادية وقال:

— أهلاً بيكي يا بنتي، البقاء لله وحده. تعالي اقعدي، ارتاحي خالص.

قعدت قدام مكتبه الخشبي الكبير، وبصيت له باهتمام بالغ وقلت:

— أنا جيت زي ما طلبت يا أستاذ رأفت، ولوحدي زي ما بابا أوصى بالحرف. ممكن بقى تقولي إيه هو السر، وإيه إجابة السؤال اللي سألتهولي امبارح؟

الأستاذ رأفت فتح درج مكتبه الكبير، وطلع ملف جلد أسود تقيل، حطه قدامي على الترابيزة وقال بجدية شديدة:

— أبوكي الله يرحمه كان راجل ذكي وداهية في شغله. قبل رحيله بشهرين، جالي المكتب هنا وهو في كامل قواه العقلية، وقالي جملة واحدة فضلت محفورة في ذهني: “يا رأفت، بنتي غلبانة وطيبة، وجوزها عينه على أملاكي من سنين، وأنا عاوز أختبره اختبار حقيقي يعرفني هو بيحبها هي لشخصها، ولا بيحب الفلوس اللي وراها.”

فتحت عيايا بدهشة وسألته:

— اختبار؟! تقصد إيه يا أستاذ رأفت؟ بابا عمل إيه؟

فتح الأستاذ رأفت الملف الأسود وطلع منه أوراق رسمية وقرارات ملكية وعقود مسجلة، وقال:

— أبوكي الله يرحمه، وقبل رحيله بفترة قصيرة، كتب وصية رسمية وموثقة في الشهر العقاري، وقسم أملاكه كلها… بس بطريقة ذكية جدًا مكنش ممكن تخطر على بال حد!

بلعت ريقي وسألته بصوت مكتوم:

— قسمها إزاي؟ وفين الورث اللي جوزي قاعد بيوزعه بالملايين على أهله؟

ابتسم المحامي ابتسامة غامضة وقال:

— للأسف، جوزك وأهله عايشين في وهم كبير وعمالين يوزعوا في فلوس مش موجودة أصلًا! أبوكي عمل الآتي:

الشرط الأول والخطير: كل الأملاك الكبيرة، الشركات، الأراضي، والحسابات البنكية الضخمة اللي كانت باسم أبوكي… تم نقل ملكيتها بالكامل لجمعيات خيرية ولأسماء تانية بعيدة تمامًا، ومفيش فيها ولا جنيه واحد لكي أو لجوزك!
الشرط الثاني: أبوكي سابلك إنتي شخصياً شقة واحدة بس، ومبلغ مالي بسيط يكفيكي كمعاش كريم لغاية آخر يوم في عمرك… بشرط واحد لا رجعة فيه!
فتحت عيني على آخرها من الصدمة وقلت:

— شرط إيه؟!

رد الأستاذ رأفت ببرود وهدوء تام:

— الشرط هو: إن الورث المالي البسيط والشقة دي، مش هيكونوا ليكي ولا هتقدري تستلميهم إلا لو… طلقتي جوزك نهائي واثبتي استقلالك عنه تمامًا!

لو فضلتي على ذمته، مش هتاخدي ولا مليم، والوصية بتقول إن كل حاجة هتروح للأعمال الخيرية، وجوزك هيطلع من المولد بـ “حمص” ومفيش أي ملايين ولا شقق تمليك لأهله!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى