
مرات أخو جوزي كانت عايشة معانا بقالها ستة وأربعين يوم ولما قعدنا نتعشى سألتني بكل بساطة إذا كان ينفع تقعد عندنا أسبوعين كمان وقبل ما ألحق أرد ابني اللي عنده خمس سنين رفع عينه من طبقه وسألني يا ماما مين هيوصل روبي وفارس المدرسة لما طنط نادين تسافر القاهرة
اتجمدت مكاني
جوزي رد عليه بسرعة وقاله يبطل كلام
واضح إن أخته كانت حجزت تذكرة القطر خلاص ومخططة تسافر وتسيب ولادها الاتنين في رعايتي من غير حتى ما تسألني إذا كنت موافقة ولا لأ
لكن لما بنتها اللي عندها تسع سنين كشفتلي هما قالولها إيه قبل سفر أمها اكتشفت إن جوزي كان مخبي عني سر أكبر بكتير
الفصل الأول القرار اللي أخدوه من غير ما يرجعوا لي
“أنهي قطر ده؟” سألت وأنا بحط كوباية الميه على السفرة.
جوزي كريم وقف أكل وبص في طبقه أما أخته نادين ففضلت تبص في المنديل اللي في إيدها وكأنها فجأة اكتشفت إنه أهم حاجة في الدنيا.
كريم بص لابني آدم وقاله:
“خلص المكرونة بتاعتك يا حبيبي.”
آدم رد عليه بكل براءة:
“بس يا بابا طنط نادين قالتلنا إن…”
قاطعه كريم بسرعة:
“يا حبيبي كل أكلك وبعدين نتكلم.”
بصيت لنادين وبعدها لجوزي وقلت وأنا بحاول أسيطر على أعصابي:
“ممكن حد فيكم يفهمني إيه اللي بيحصل بالظبط؟”
من ست أسابيع نادين وصلت بيتنا في مدينة نصر ومعاها شنطتين كبار وولاديها روبي اللي عندها تسع سنين وفارس اللي عنده ست سنين.
كانت بتقول إنها خسرت شغلها في شركة في القاهرة ومبقتش قادرة تدفع إيجار الشقة وإنها محتاجة مكان تقعد فيه مؤقت لحد ما تقف على رجليها من جديد.
كريم وقتها طلب مني إنهم يقعدوا عندنا أسبوعين بس.
وافقت من غير تردد لأن دي أخته وولادها مالهمش ذنب في أي حاجة.
فضينا لهم أوضة الضيوف وحطينا فيها سريرين للأطفال ونقلت نادين مكتبي الصغير عشان تقعد مكانه وحشرت كل حاجتي وأدوات شغلي في أوضتنا أنا وكريم.
كنت فاكرة إن الموضوع أسبوعين بالكتير وإن بعدها كل واحد هيرجع لحياته الطبيعية.
لكن الأسبوعين بقوا ستة أسابيع.
وبقيت كل يوم بصحى بدري عشان أجهز الفطار لستة أفراد بدل تلاتة وأرتب مواعيد المدارس وأغسل هدوم زيادة وأساعد أربع عيال في واجباتهم وأحاول أخلص شغلي من البيت في وسط الدوشة والطلبات اللي مبتخلصش.
كنت بعمل كل ده وأنا مقتنعة إني بساعد أخت جوزي في وقت صعب لحد ما تلاقي شغل وتقدر تستقل بحياتها.
ماكنتش أعرف إنها كانت لقت الشغل بالفعل وإن فيه قرارات تانية اتاخدت من ورايا.
نادين أخيرًا رفعت راسها وقالت بصوت واطي:
“أنا جالي عرض شغل في إسكندرية.”
ابتسمت تلقائيًا وقلت لها:
“بجد؟ دي حاجة حلوة أوي ألف مبروك يا نادين هتبدئي إمتى؟”
ردت وهي بتبص ناحية أخوها:
“يوم الاتنين.”
بصيت لها باستغراب وقلت:
“طب هتسافري إمتى؟”
سكتت ثانيتين وبعدين قالت:
“صباح الخميس.”
حسيت إن فيه حاجة غلط في الكلام اللي بسمعه.
كان يوم الاتنين بالليل يعني فاضل يومين بس على سفرها.
بصيت لها وأنا مش مصدقة.
“إنتِ بتقولي إنك هتسافري بعد تلات أيام؟”
كريم اتحرك في كرسيه بتوتر وقال:
“كنا هنقولك يا مي.”
بصيت له مباشرة وسألته:
“وولادها؟ روبي وفارس هيعملوا إيه؟”
نادين بدأت تطبق المنديل اللي في إيدها بعصبية وقالت:
“عشان كده كنت بسألك إذا كان ينفع نقعد أسبوعين كمان لحد ما أظبط موضوع الشقة.”
فضلت باصة لها مستنية تكمل.
فقالت:
“يعني ممكن كام أسبوع كمان ويمكن الموضوع ياخد وقت أطول شوية على حسب الظروف.”
كريم دخل في الكلام بسرعة وقال:
“هنظبط الدنيا يا مي متقلقيش.”
لفيت له ببطء وسألته:
“هنظبطها إزاي؟ ومين إحنا دول؟ لأن محدش فيكم سألني إذا كنت موافقة أصلًا.”
تنهد كريم وكأنه زهق من النقاش وقال:
“يا مي دول أهلي يعني إيه المشكلة؟”
بصيت له بذهول وقلت:
“وأنا من ست أسابيع بساعدهم وبعمل كل اللي أقدر عليه عشان يرتاحوا لكن إنك تحط على مسؤوليتي طفلين وأنا أصلًا عندي بيتي وولادي وشغلي من غير ما ترجع لي دي حاجة تانية خالص يا كريم.”
حاول يغير الموضوع وقال إننا ممكن نتكلم بعد العشا بعيد عن الأطفال.
وافقت عشان خاطرهم وماحبتش أحسسهم إن وجودهم عامل مشكلة.
طلبت من آدم وروبي وفارس يروحوا الصالة ويختاروا فيلم يتفرجوا عليه لحد ما نخلص كلامنا.
أول ما خرجوا بصيت لجوزي وقلت له بهدوء:
“إنت عرفت موضوع الشغل والسفر ده من إمتى؟”
كريم فضل ساكت شوية وبعدين قال:
“نادين عملت المقابلة الشهر اللي فات.”
حسيت إن نفسي بدأ يضيق.
“وحجز القطر؟”
رد من غير ما يبص لي:
“يوم الجمعة.”
يوم الجمعة.
يعني بقاله تلات أيام عارف إن أخته حجزت القطر وإنها ناوية تسافر وتسيب ولادها عندنا ومع ذلك ماطلعش منه حرف واحد.
ولا مرة قعد معايا وقال لي إن فيه احتمال إن طفلين يعيشوا معانا لفترة طويلة.
ولا مرة سألني إذا كان عندي استعداد أتحمل مسؤوليتهم.
ولا حتى اداني فرصة أفكر.
نادين بدأت تمسح دموعها وقالت:
“يا مي أنا مش قدامي فرصة تانية أنا محتاجة أبدأ حياتي من جديد والشغل ده ممكن يغير كل حاجة بالنسبالي.”
بصيت لها وقلت بصدق:
“أنا نفسي تنجحي ونفسي حياتك تتحسن ومش عايزاكي تضيعي الفرصة دي لكن مش من حقك تخططي لحياتي وبيتي ووقتي من غير ما تسأليني.”
كريم هز راسه بضيق وقال:
“مش فاهم إنتِ ليه مكبرة الموضوع بالشكل ده.”
بصيت له وقلت:
“عشان إنتوا الاتنين قررتوا بالنيابة عني إن أنا هوافق وخلاص.”
المرة دي ماعرفش يرد.
وفجأة سمعت صوت روبي جاي من الصالة وهي بتتكلم مع أخوها الصغير بصوت واطي:
“خليك شاطر يا فارس واسمع الكلام عشان ماما قالت لازم نبقى مؤدبين وإحنا قاعدين هنا وهي بعيدة.”
قلبي اتقبض.
مشيت ناحية باب الصالة ووقفت أسمع من غير ما أحسهم.
روبي كانت قاعدة جنب أخوها وبتحاول ترتب له البطانية على رجليه.
فارس سألها ببراءة:
“طب ماما هترجع إمتى؟”
روبي ردت وهي بتحاول تبان قوية:
“مش عارفة بس قالت لنا مانزعلش خالو كريم وإننا نسمع كلام طنط مي عشان ممكن نقعد هنا وقت طويل.”
فارس بص لها بقلق وقال:
“يعني مش هنرجع بيتنا؟”
روبي سكتت شوية وبعدين قالت:
“ماما قالت إننا لازم نتعود على بيتنا الجديد.”
حسيت إن قلبي وقع من مكانه.
بيتهما الجديد؟
يعني الموضوع مش مجرد أسبوعين ولا كام أسبوع لحد ما نادين تلاقي شقة.
الأطفال نفسهم اتقال لهم إنهم ممكن يعيشوا عندنا فترة طويلة.
دخلت الصالة بهدوء وروبي رفعت عينيها ليا بسرعة وكأنها اتقفشت وهي بتقول سر ممنوع الكلام عنه.
قربت منها وقعدت جنبها وقلت بابتسامة هادية:
“إنتوا بتحبوا تقعدوا معانا يا روبي؟”
هزت راسها بسرعة وقالت:
“آه يا طنط مي بس أنا مش عايزة أكون تقيلة عليكي.”
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة حصلت طول اليوم.
طفلة عندها تسع سنين شايلة هم إنها تكون عبء على حد وهي المفروض كل اللي يشغل بالها المدرسة واللعب وأصحابها.
مسكت إيدها وقلت لها:
“إنتِ وفارس مش تقال على حد يا حبيبتي وإنتوا مالكوش أي ذنب في مشاكل الكبار.”
بصت لي بعيون مليانة دموع وسألتني:
“يعني إنتِ مش زعلانة مننا؟”
حسيت إن صوتي هيخونني فخدتها في حضني وقلت:
“مستحيل أزعل منكم إنتوا حبايب قلبي.”
روبي حضنتني بقوة وبدأت تعيط من غير صوت وفارس أول ما شاف أخته بتعيط قرب مننا وحط راسه في حضني هو كمان.
فضلت حاضناهم وأنا بحاول أفهم إزاي أمهم قدرت تقنعهم إنهم هيتسابوا في بيت تاني من غير ما تكون حتى متأكدة إن أصحاب البيت موافقين.
بعد شوية رجعت للمطبخ وطلبت من كريم ييجي ورايا.
وقفت قدامه وقلت له:
“إنت وعدت نادين بإيه بالظبط؟”
وشه اتغير للحظة وبعدين حاول يتصرف بشكل طبيعي.
“وعدتها إننا هنساعدها لحد ما تستقر.”
“تساعدها إزاي يا كريم؟ بفلوس؟ بمكان تقعد فيه؟ ولا إنك تستقبل ولادها عندك لحد ما هي تقرر ترجع؟”
ما ردش.
قربت منه خطوة وقلت:
“بص في عيني وقولي إنك ماوعدتهاش إن ولادها يفضلوا هنا مهما أخد الموضوع من وقت.”
رفع عينيه ليا للحظة وبعدها نزلها تاني.
وسكوته كان كفاية يخليني أعرف إن فيه حاجة كبيرة مستخبية.
قلت بصوت مهزوز من الغضب:
“إنت وعدتها بكده فعلًا؟”
كريم فرك وشه بإيده وقال:
“يا مي أنا كنت بحاول أساعدها.”
صرخت فيه لأول مرة من ساعة ما اتجوزنا:
“على حساب مين يا كريم؟ على حسابي أنا؟ وعلى حساب ولادي؟ إنت فكرت لحظة واحدة في آدم؟ في حياته؟ في خصوصيته؟ في إن بيته ممكن يتحول لمكان فيه مسؤوليات جديدة كل يوم من غير ما حد يرجع له أو يرجع لي؟”
رد بعصبية:
“دول أطفال يا مي مش غرب.”
قلت له:
“وأنا عمري ما قلت إنهم غرب ولا هعاملهم كده لكن كونهم أطفال مش معناه إنك تفرض عليا مسؤولية تربيتهم لوحدي.”
كان واقف قدامي ساكت ولأول مرة من سنين حسيت إن الراجل اللي عايشة معاه ممكن يكون مخبي عني حاجات أكتر بكتير من اللي اكتشفتها النهارده.
وقبل ما أتكلم تاني سمعت صوت نادين عند باب المطبخ:
“فيه حاجة تانية لازم تعرفيها يا مي.”
لفيت لها وأنا حاسة إن اللي جاي مش هيكون سهل.
كانت واقفة ووشها شاحب وبتعصر إيديها من التوتر.
بصيت لها وقلت:
“إيه تاني؟”
بلعت ريقها وبصت ناحية كريم وبعدين رجعت بصت لي.
“أنا ماخترتش إن روبي وفارس يقعدوا هنا لوحدي.”
عقدت حواجبي وسألتها:
“يعني إيه؟”
نادين بدأت تعيط وقالت:
“كريم هو اللي اقترح الموضوع من الأول وقال لي إنك هتوافقي وإنك بتحبي الأطفال وإنك مش هتسيبيهم يضيعوا.”
حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
لفيت ناحية جوزي ببطء.
“إنت اللي اقترحت؟”
كريم حاول يتكلم لكن نادين سبقته.
“هو قال لي إنك بتشتغلي من البيت وإن آدم كمان هيكون مبسوط بوجود حد يلعب معاه وإن وجود روبي وفارس مش هيغير حاجة كبيرة في حياتكم.”
بصيت لكريم وأنا مش قادرة أصدق.
يعني مش بس أخفى عني قرار أخدوه من ورايا.
ده كمان رسم صورة عن حياتي وقدراتي ووقتي وقرر بنفسه إني هقدر أتحمل كل ده.
نادين مسحت دموعها وقالت:
“أنا كنت مترددة يا مي والله كنت خايفة أسيبهم لكن كريم طمني وقال لي إنه هيتكفل بكل حاجة وإنك مش هتزعلي.”
سألتها وأنا بحاول أتماسك:
“وإنتِ صدقتيه؟”
هزت راسها وقالت:
“أنا كنت محتاجة أصدق إن فيه حل.”
فضلت باصة لها شوية وبعدها قلت:
“أنا مش همنعك تسافري ولا هقف في طريق شغلك لكن من النهارده مفيش قرارات تخصني تتاخد من غيري ومفيش حد يقرر إن حياتي ملكه لمجرد إنه عارف إني مش هقدر أزعل طفل.”
كريم بص لي بغضب مكتوم وقال:
“يعني إيه الكلام ده؟”
رديت عليه وأنا باصة في عينيه:
“يعني هنقعد ونتكلم بوضوح عن كل حاجة قبل ما نادين تسافر وإنتم الاتنين هتسمعوا مني للآخر المرة دي.”
لكن قبل ما أكمل كلامي موبايل نادين رن.
بصت للشاشة واتغير لون وشها فجأة.
ردت بسرعة وقالت:
“أيوه يا ماما.”
سكتت وهي بتسمع وبعدها بصت لي نظرة غريبة.
“لأ يا ماما لسه ماقلتلهاش.”
كريم قرب منها وسألها:
“مين يا نادين؟”
غطت السماعة بإيدها وقالت بصوت مرتعش:
“ماما.”
وبعدين رجعت تكلمها:
“أيوه يا ماما بس الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.”
فضلت واقفة مكاني وأنا براقب وشها وهي بتسمع كلام حماتي من الناحية التانية.
وفجأة قالت جملة خلت كريم يرفع راسه بسرعة وخلتني أحس إن كل اللي عرفته لحد اللحظة دي مجرد بداية لحكاية أكبر بكتير.
“يا ماما أنا مش هقدر أقول لمي إن بابا كان متفق مع كريم على الموضوع ده من قبل ما يتوفى.”
سكتت نادين مرة واحدة وكأنها أدركت إنها قالت كلام ماكانش المفروض يطلع.
أما أنا ففضلت باصة لها من غير ما أرمش.
بابا؟
أنهي بابا؟
بابا جوزي اللي مات من سنتين؟
وليه كان متفق مع كريم على موضوع يخص بيتي وولادي من قبل ما يتوفى؟
نادين قفلت المكالمة ببطء ورفعت عينيها ليا ووشها مليان خوف.
كريم حط إيده على جبينه وقعد على الكرسي كأنه مش قادر يقف.
وأنا سألت السؤال الوحيد اللي كان بيدور في دماغي:
“إنتوا مخبيين عني إيه بالظبط؟”
## الفصل الثاني: وصية لا تقبل القسمة
سكون المطبخ كان أثقل من أي صرخة.
كلمات نادين الأخيرة كانت عاملة زي الصاعقة اللي نزلت وسطنا؛ بابا كريم، الراجل اللي توفى من سنتين وكان دايماً بيفهمني إنه بيحبني وبيعتبرني زي بنته، كان متفق مع ابنه على سر يخصني أنا وبيتي من قبل ما يموت؟
كريم قاعد على الكرسي وماسك دماغه بإيديه الاثنين، ووشه باين عليه إنه اتقفش متلبس بجريمة. نادين واقفة مكانها بتترعش ومش قادرة ترفع عينها في عيني.
أما أنا، فوقفت قدامهم وأنا حاسة ببرودة في أطرافي من الشجاعة المكتومة والصدمة.
“انطقوا… أنتوا الاتنين.” قلتها بصوت هادي جداً، بس كان أشبه ببركان على وشك الانفجار. “بابا الله يرحمه كان متفق مع مين على إيه؟ وإيه دخل بيتي في موضوع يخص متوفي من سنتين؟”
كريم رفع راسه ببطء، وشفايفه كانت ناشفة. بص لنادين نظرة لوم، وبعدين بص لي وقال بصوت مكسور:
“يا مي… الموضوع مش زي ما فهمتي، مش مؤامرة والله، بس…”
“بس إيه يا كريم؟!” قاطعته بغضب مصحوب بدموع محبوسة في عيني. “أنا صبرت ست أسابيع شايلة مسؤولية بيتك وولاد أختك، وكنت فاكرة إني بعمل واجب الأصول والإنسانية. ألاقي في الآخر إنك جيبتهم من غير إذني، وإنت اللي مقترح الفكرة من الأول، ودلوقتي طالع لي بسيرة أبوك الله يرحمه وتقولي اتفاق قديم؟ هو أنا كنت لعبة في وصية حد وأنا ماعرفش؟!”
نادين بلعت ريقها بصعوبة وقربت خطوة وهي بتمسح دموعها، وقالت بصوت منخفض كأنه اعتراف:
“الموضوع يا مي مش بيتك إنتِ وكريم لوحدكم… الشقة دي أساساً…”
سكتت نادين كأنها خافت تكمل.
بصيت لكريم بسرعة وقلت:
“الشقة مالها؟ الشقة دي مكتوبة باسم مين؟ مش إحنا اللي دافعين مقدمها وقسطناها طوال السنين اللي فاتت؟”
كريم هز راسه بالنفي بخفة، وقال وهو متجنب يبص في عيني:
“الشقة مش بتاعتنا يا مي… أو مش بتاعتي أنا لوحدي.”
### الحقيقة اللي كانت تحت الطاولة
حسيت إن الغرفة بتلف بيا. سندت إيدي على الرخام عشان أثبت نفسي.
“يعني إيه مش بتاعتنا؟” سألت بصوت هطول.
كريم وقف، وبان عليه إنه خلاص استسلم لمحاولة التخبيي، وقال:
“الشقة دي بابا اشتراها قبل ما يتوفى بسنة، وسجلها باسمه، وفي وصيته المكتوبة بخط إيده — واللي نادين وماما بس كانوا عارفين تفاصيلها — كتب إن الشقة دي ملكية مشتركة بيني وبين أختي نادين، وإنها أمانة في رقبتنا إحنا الاتنين، وإن في حال حصل أي ظرف لأي حد فينا، البيت ده بيبوابه وجدرانه يكون مفتوح للطرف التاني من غير قيد أو شرط.”
فتحت عيني على آخرها. “وصية؟! وصية إيه دي اللي تخليني عايشة في بيت مهدد في أي لحظة، ومن غير ما أعرف إن نص الشقة مش بتاعي؟ ليه ماقلتليش من أول يوم اتجوزنا فيه؟ ليه استنيت لحد اللحظة دي عشان أعرف إن بيتي مش بيتي وإني عايشة على كف عفريت؟!”
كريم حاول يقرب مني ويمسك إيدي، بس سحبتها بسرعة وعيني بتلمع بغضب:
“ابعد يا كريم… متلمسنيش دلوقتي.”
نادين دخلت في الكلام وهي بتعيط باهستيريا:
“والله يا مي بابا ماكنش يقصد يظلمك، هو كان خايف عليا أنا وولادي من الزمان، وكان عارف إن كريم راجل طيب ومش هيسيبني، وهو اللي طلب من كريم بالحرف الواحد: ‘لو حصل لي يوم وجا يوم وضاق بيهم الحال، بيتك هو بيتهم، ولازم تضمن إن مراتك هتكون واخدة بالها منهم كأنهم ولادها لو الزمن جائر عليهم’.”
بصيت لنادين وقلت بوجع:
“وأنا مين يا نادين؟ أنا اللي كنت باخد بالي منهم وبخدمهم بحب ومن غير مقابل، كنت فاكرة إني بتبرع بوقتي وجدعنة مني! لكن أنتوا استغلتوني! حطيتوني قدام الأمر الواقع، مش بس عشان أخت جوزي، بل لأن دي طلعت ‘وصية’ و’شروط’ مفروضة عليّا وأنا مغمضة العيون!”
كريم اتنهد بقهر وقال:
“خفت أقولك من الأول يا مي عشان عارف عقليتك؛ كنتِ هتقولي إننا بنفرض عليكِ عيلة وكراكيب، وكنتِ هتعملي مشكلة كبيرة واحنا لسه متجوزين أو في أول حياتنا. بابا قال لي وقتها: ‘داري على شمعتك تئيد، وماتشغلش مراتك بتفاصيل الورث والوصية طالما البيت مفتوح وفي أمان’. وأنا سمعت كلامه.”
“وكنت ناوي تفضل مخبي لحد إمتى؟!” صرخت فيه. “لحد ما أصحى يوم ألاقي الشقة كلها اتنقلت لنادين وعيالها وأنا مقموصة في أوضة النوم؟!”
“لا طبعا يا مي! مش للدرجة دي!”
“لا للدرجة دي وأكتر يا كريم! أنتوا استخسرتوا فيا الصراحة والاحترام. أنتوا شايفين إني مجرد ‘أداة’ تنفيذ للوصية؛ أطبخ، أغسل، أربي العيال، وأسكت من غير ما أسأل! بس لا… لحد هنا وكفاية.”
### القرار الصعب
البيت بقى هادئ تماماً، لدرجة إني كنت سامعة صوت تكييف المطبخ بيزن في الخلفية. الأطفال في الصالة كانوا سكتوا، وشكلهم حسوا إن فيه عاصفة جوه المطبخ.
مسحت دموعي بسرعة، وبصلت لكريم اللي كان واقف مكسور ووشه في الأرض، ونادين اللي قاعدة على حرف كرسي المطبخ بتعيط بصمت.
“بصوا لي كويس أنتوا الاتنين.” قلتها بصوت ثابت وقوي، صوت واحدة أخدت قرار ومفيش رجعة فيه.
كريم رفع راسه ونادين بصت لي بلهفة.
“نادين، هتروحي إسكندرية تبدئي شغلك يوم الاتنين زي ما خططتي.”
نادين اتفاجئت وقالت:
“و… ولادي؟”
“ولادك هيروحوا معاكي.” كملت كلامي بثبات. “ماتستغربيش كده. طالما بقا عندك شغل ومكان هناك — حتى لو غرفة واحدة — فالمفروض تبدئي حياتك الحقيقية مع ولادك، مش تسيبيهم وراكي كأنهم شنط هدوم زائدة عن الحاجة.”
كريم اعترض بسرعة: “يا مي اصبري بس، إزاي تسافر بيهم وهي لسه ماظبطتش السكن هناك؟ والوصية يا مي، بابا…”
قطعت كلامه بصوت حاد:
“ماتجبليش سيرة أبوك ولا الوصية دلوقتي يا كريم! الوصية كانت بتقول البيت مفتوح في الظروف الطارئة، لكن مش معناه إني أتحمل مسؤولية أطفال وأنا مغيبة عن عقلي، ومش معناه إنك تخدعني في بيتي وفي عمري! أنا مش هطرد العيال، ولو اضطروا يقعدوا الأسبوعين دول على ما نادين تظبط أمورها، أنا موافقة… بس بشرط!”
كريم بلع ريقه وقال بحذر: “شرط إيه؟”
“الشرط الأول: مفيش قرارات تانية تاخدوها من ورايا، لا سفر ولا إقامة طويلة ولا أي هبل من ده. الشرط الثاني والأهم…” وقفت قدامه وبصيت في عينه مباشرة: “…إنك كريم اللي أنا حبيته واتجوزته، لو فضلت تكذب عليّا وتخبي عني أسرار بالشكل ده، مش هيكون فيه أساس نكمل عليه حياتنا أساساً.”
سكت كريم وماعرفش ينطق بحرف واحد.
درت بوشي وطلعت من المطبخ، ولقيت روبي وفارس واقفين عند باب الصالة وعيونهم خايفة وبتلمع بالدموع، وكأنهم سمعوا جزء من الكلام.
قربت منهم، نزلت لمستواهم، وفتحت إيدي الاتنين.
روبي جريت حضنتني وفارس نط وراها، وفضلت حاضناهم وأنا بفكر في بكرة… بكرة اللي هيغير شكل حياتنا كلنا، واللي مستحيل يرجع زي الأول أبدًا.
*هل تريدين أن نكمل الأحداث في جزء ثالث وأخير لنرى كيف ستنتهي سفرية نادين وكيف ستتطور علاقة مي وكريم بعد هذه الصدمة؟*




