قصص وروايات

حماتي مثّلت إنها في غيبوبة 1

لما رجعت البيت، لقيت حماتي قاعدة بتتكلم في التليفون وبتضحك بصوت عالي، بنشاط ما يناسبش واحدة لسه خارجة من غيبوبة مزعومة!

أول ما شافتني، أنهت المكالمة بسرعة وقالت:

— بكرة هنعمل حفلة السبوع المتأخرة للبيبي!

— أنا عزمت كل القرايب، وكلهم هييجوا يباركوا لنا.

وقفت مكاني وبصيت لها باستغراب مصطنع.

— بكرة؟!

ردت بكل ثقة:

— أيوه، بكرة.

— وإنتِ اللي هتنضفي البيت، وتطبخي، وتجهزي السفرة، وتستقبلي الضيوف.

أحمد قرب مني وحاول يتكلم بنبرة هادية:

— أنا عارف إنك لسه ضعيفة شوية، بس أمي لسه راجعة من بين الحياة والموت، ومينفعش نخليها تتعب نفسها.

حماتي ابتسمت ابتسامة متعالية وقالت:

— أنا عايزة سفرة كبيرة تليق بالعيلة.

— ومش عايزة أكل جاهز من بره.

— لازم كل القرايب يشوفوا إن مرات ابني ست بيت شاطرة، وبتعرف تخدم عيلتها كويس.

هزيت راسي وقلت بهدوء:

— متقلقوش.

سكت لحظة، وبعدين ابتسمت ابتسامة خلتهم يفتكروا إنهم كسبوا المعركة.

— بكرة هتستقبلوا استقبال عمركم ما هتنسوه.

الاتنين ابتسموا برضا، ومخطرش على بالهم للحظة إن كلامي كان معناه حاجة مختلفة تمامًا عن اللي فهموه.

تاني يوم الصبح، أحمد وحماتي خرجوا بدري عشان يروحوا المحطة ويستقبلوا القرايب اللي جايين من البلد.

وفي الطريق، واحدة من عمات أحمد سألت بقلق:

— هي مريم هتقدر تطبخ لكل الناس دي لوحدها؟

— دي لسه عاملة عملية قيصرية من شهر واحد!

أحمد رد بكل ثقة:

— قدامها الصبح كله، أكيد هتكون خلصت معظم الحاجات قبل ما نوصل.

عم تاني تدخل وقال:

— طب مش خايفين إنها تزعل منكم؟ دي أمها لسه راجعة البلد، وهي لوحدها في البيت مع طفل صغير.

حماتي انفجرت في الضحك وقالت باستهزاء:

— مريم؟ تزعل؟!

— دي لسه فاكرة إني كنت في غيبوبة طول الشهر اللي فات!

سكتت لحظة، وبعدين كملت بفخر:

— أنا قلت لها تخلّي أمها ترجع البلد، وسمعت الكلام.

— قلت لها تهتم بيا وتخدمني، وسمعت الكلام.

— قلت لها تجهز الحفلة وتطبخ للعيلة كلها، وبرضه سمعت الكلام!

أحمد ضحك وقال:

— فكرة إننا نمثل حادثة وغيبوبة كانت عبقرية فعلًا.

— كده وفرنا على نفسنا شهر كامل من وجع الدماغ ورعاية واحدة لسه والدة.

— وفي نفس الوقت، أخدنا إجازة حلوة وسافرنا وغيّرنا جو!

اللي كانوا قاعدين في العربية سكتوا تمامًا من الصدمة.

لكن حماتي مكنتش مدركة حجم اللي بتقوله، فواصلت كلامها بغرور:

— أهو شهر النفاس خلص، ودلوقتي جه وقت الشغل.

— ما هي دي وظيفة الزوجة في الآخر، تخدم جوزها وأهله!

اللي محدش فيهم كان يعرفه، إن واحدة من بنات عم أحمد كانت سايبة موبايلها بيسجل من أول الطريق، لأنها كانت عايزة تحتفظ بتسجيل لذكريات الرحلة العائلية.

وسجلت كل كلمة قالوها.

كل اعتراف.

كل ضحكة.

وكل تفصيلة كشفت حقيقة الحادثة المزعومة والرحلة اللي قضوها سوا.

لكن المفاجأة الأكبر كانت مستنياهم لما وصلوا البيت.

مكانش فيه حِلَل بتغلي على النار.

ولا سفرة مليانة أكل.

ولا زوجة مرهقة بتجري من المطبخ للصالة عشان ترضي حماتها وتخدم القرايب.

اللي كانوا هيلاقوه كان مختلف تمامًا.

أمي كانت راجعة وقاعدة في الصالة.

— وقاعدة معاها تلاتة من كبار عيلة أحمد، ومعاهم مأذون الحكومة وشاهدين من أقارب أمي اللي وصلوا مع أول قطار الصبح.

دخل أحمد ومعه عيلته وهو بيفتح الباب بكل ثقة وبيقول بصوت عالي:

— يا مريم! الضيوف على وصول، خلصتي الأكل ولا لسه؟

وقفت في وسط الصالة، وكنت شايلة ابني بهدوء، ولابسة أحدث وأشيك فستان عندي، وميك اب خفيف مخلي وشي منور. أمي كانت قاعدة على الكرسي وبتبص لهم بنظرة ثابتة، وحواليها عمتين من كبار عيلة أحمد اللي كانوا سمعوا التسجيل كامل على موبايل بنت عمهم في العربية واتصدموا فيهم.

حماتي دخلت وهي بترفع راسها بغرور، وبصت للبيت وقالت:

— إيه ده؟ ريحة أكل مفيش! والبيت هادي كده ليه؟ إنتِ لسه نايمة ولا إيه يا هانم؟

قربت منها خطوتين، وطلبت من أحمد بصوت هادئ:

— اقعدوا إنتوا الاتنين.. وقولوا لضيوفكم يتفضلوا يقعدوا في الصالة الكبيرة.

أحمد بصل باستغراب وقال:

— ضيوف مين؟ وعن إيه بتكلمي؟ فين الأكل؟

رديت عليه بابتسامة باردة:

— الأكل مش هيتعمل.. لأن مفيش حفلة سبوع أساساً، وفي نفس الوقت في موضوع مهم قوي لازم العيلة كلها تسمعه وتعرفه.

حماتي اتعصبت وقالت بصوت عالي:

— إنتي اتجننتي ولا إيه؟ إزاي تكلمي ابنِي كده؟ وفين الأكل اللي طلبته منك؟ إنتي نسيتي نفسك ولا مفكرة إنك قاعدة في فندق؟

في اللحظة دي، فتحت الموبايل بتاعي ووصلته بسماعة البلوتوث الكبيرة اللي كانت محطوطة في ركن الصالة، وعلّيت الصوت على آخره.

انطلق صوت أحمد وحماتي من السماعة بكل وضوح جوه الصالة قدام كل القرايب:

— “فكرة إننا نمثل حادثة وغيبوبة كانت عبقرية فعلًا..”

— “كده وفرنا على نفسنا شهر كامل من وجع الدماغ ورعاية واحدة لسه والدة..”

— “وفي نفس الوقت، أخدنا إجازة حلوة وسافرنا وغيّرنا جو!..”

— “أهو شهر النفاس خلص، ودلوقتي جه وقت الشغل، ما هي دي وظيفة الزوجة في الآخر، تخدم جوزها وأهله!..”

الصوت كان مالي المكان، وكل كلمة كانت بتتردد كأنها رصاصة طالعة من السماعة.

الصالة كلها انقلبت لسكوت تام.. سكوتاً مرعباً لدرجة إن الواحد ممكن يسمع صوت دقات القلوب. القرايب كلهم بصوا لأحمد وحماتي بنظرات كلها صدمة وقرف واحتقار.

حماتي اتلون وشها باللون الأصفر وبعدين الأزرق، وجريت على السماعة وهي بتصرخ:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى