
المحامي خلص كل الإجراءات في نفس اليوم، وبقى معايا عقود الشقة الجديدة باسمي لوحدي، وبطاقة ائتمانية وحساب بنكي مليان بالملايين اللي تخلي طارق وأهله يحلموا بيها في المنام.
رجعت بيت العيلة بالليل، وكان الكل متجمع على الغداء في الصالة. حماتي كانت قاعدة حاطة رجل على رجل وبتقول لسلفتي: “أهو.. الست الناصحة هي اللي تعرف تربي جوزها وتمشي كلمتها.. سارة دي كانت فاكرة نفسها هانم، أهو رجعت لأصلها وفي المطبخ بتاعنا.”
أحمد بص لي وهو بياكل وقال بسخرية: “تسلمي يا مرات أخي على الذوق.. خطيبتي هتيجي بكره تشوف الشقة عشان تختار الستائر.”
بصيت لهم ببرود وطلعت المطبخ كأني مسمعتش حاجة. طارق دخل بعد شوية، وكان تعبان ووشه مبهدل من الشغل والنزول والطلع، بص لي بأسف مصطنع وقالي: “معلش يا سارة.. مع الأيام تتعودي، وأحمد أخويا وأول ما يقف على رجله هنرجع شقتنا.. اعتبريها فترة تمر.”
سكت وما ردتش عليه، وابتسمت ابتسامة غامضة هو مفهمهاش، ودخلت نمت نومة هادية جداً.. لأول مرة من سنين أحس إني مرتاحة ومش شايلة هم بكرة.
تاني يوم الصبح، صحيت بدري، جهزت نفسي ولبست أحلى لبس عندي، ووضعت بيرفيوم غالي وهادي، وشنطتي الشيك في إيدي. طارق كان نايم، وأهله لسه صاحيين بيشربوا الشاي في الصالة.
طلعت من الأوضة وأنا ماسكة شنطتي ومعايا مفاتيح شقتي القديمة.
حماتي بصتلي باستغراب وقالت: “على فين يا فندم رايحة بدري كده؟ راجعة لأهلك تشتكي؟”
بصيت لها بابتسامة واثقة وقاتلة وقاتلها الغرور، وقولت بصوت عالي خلى طارق يصحى ويخرج مفزوع من الأوضة: “لا يا حاجة.. أنا رايحة بيتي.. بس بيتي الحقيقي مش زريبة بيت العيلة دي.”
طارق طلع وقال بعصبية: “إيه اللي بتقوليه ده؟ رايحة فين؟ وبأي إذن تنزلي من غير ما تقولي لي؟!”
قربت منه خطوة، وطلعت من شنطتي “عقود الشقة الجديدة في المعادي” وبطاقة الحساب البنكي، ورميتهم على الترابيزة قدامه بكل برود، وقعدت على الكرسي وحطيت رجل على رجل.
الكل اتجمد مكانه. طارق بص للعقود وفتح عينه على آخرها وهو مش مصدق اللي مكتوب: “شقة ملك تمليك في المعادي مساحة 250 متر.. باسم سارة محمود…”
بص لي بوجوه أصفر ومرعوب وقال بصوت بيترعش: “إيه.. إيه ده؟! إنتي جبتي الفلوس دي منين؟! شقة إيه دي؟! أنتي اتجننتي؟!”
ضحكت بصوت عالي، ضحكة مليانة تشفي وعزة نفس، وقمت وقفت قدامه وبصيت في عيونه مباشرة:
“تصدق يا طارق.. عندك حق في حاجة واحدة.. جوازنا فعلاً خلص.. بس مش بالطريقة اللي أنت هددتني بيها.. ده أنا اللي طلقتك ورميتك رمية الكلاب!”
حماتي قامت صرخت وقالت: “إنتي اتجننتي يا بت تكلمي جوزك كده إزاي؟! وهدديه بأيه وبتاعت إيه الشقة دي؟!”
التفت لها وقولت بحدة وقوة خلتها ترجع لورا خطوتين: “أسكتي خالص إنتي وابنك الطماع! ابنك اللي كان فاكر إنه بيذلك ويكسرك، طلع جاهل ومبيفهمش حاجة في الدنيا. أنا من أسبوع كسبت جايزة اليانصيب الكبرى.. عشرة مليون جنيه صافي في جيبي!”
الكل اتنطق من مكانه. أحمد وقع كوباية الشاي من إيده اتقطعت على الأرض، وحماتي حطت إيدها على صبرها وفتحت بقها من الصدمة، وطارق وقف كأنه اتضرب على دماغه بفأس، ووشه اتقلب من الغرور للرعب والذل.
كملت كلامي وأنا باصة لطارق اللي كان بيبلع ريقه بصعوبة: “كنت ناوية أقولك وأعملك أحلى مفاجأة.. كنت مفكراك راجل بجد وهتقدر وقفتي جنبك، بس للأسف، طمعك أنت وأهلك ظهر على أصوله.. بعتني برخص التراب عشان خاطر أخوك وشقته، وهددتني إنك هتجوعني وتطردني! أدي الشقة بتاعتكم اهي اتهنوا بيها.. وأحمد يكتب على خطيبته براحته.. أما أنا؟ فباي باي يا طارق.. وكل قرش كان في رقبتك ليا مش هسمح لك تلمسه، والمحامي بتاعي مستنيك برا برفع قضية نفقة ومؤخر وخلع تخليك تقعد جنب أمك على البلاط!”
طارق اتحرك ناحيتي وعنيه مدمعة، ومد إيده بيحاول يمسك دراعي بصوت منكسر ومذلول: “سارة.. استني.. ارجعي.. أنا كنت بتهزر.. كنت بضغط عليكم.. مكنش قصدي.. عشانا وعشان عيالنا..”
بعدت دراعه بقرف شديد، ودفعت إيده بعنف، وقلت بصوت قاطع: “عيالي معايا، وأنا كفيلة أربيهم وأعيشهم في مستوى عمرك ما كنت تحلم تديه لهم. أما أنت؟ فخليك قاعد هنا في بيت العيلة مع أمك وأخوك.. ادفنوا نفسكم في القرف ده زي ما كنتوا عايزين ترموني فيه.”
سبتهم وطلعت من الشقة، وسمعت صوت صريخ حماتي وهي بتلطم على وشها، وصوت طارق وهو بينادي عليا بانهيار تام.. بس مالتفتش ورايا ولا ثانية واحدة. ركبت العربية الأوبر اللي كنت مستنياني، ومشيت وأنا حاسة إن الهوا كله بقى بتاعي لوحدي.



