Uncategorized

سلفتي حكايات رومانى مكرم 2

انطلقت السيارة بي، وفي المرآة الخلفية كان طارق يقف مصدومًا وسط الشارع بينما يسحب خطيب مريم والده من يده ويتراجعان نحو سيارتهما ملغيين الزيارة بالكامل، وسط صراخ مريم المنهار وعويل شيرين الذي ملأ الحارة.

لم تكن وجهتي ملجأً أو فندقًا، بل كانت المقر الإداري للشركة الاستثمارية الكبرى التي أصبحت الشريك الجديد والمالك للنصف الأكبر من أملاك عائلة طارق.

مقالات ذات صلة

جلس مدير الشركة، الأستاذ إسماعيل، يراجع معي التقارير المالية للسنوات الخمس الماضية والتي سحبها الفريق القانوني قبل ساعات قليلة من البنوك.

نظر إليّ الأستاذ إسماعيل بذهول وقال:

– “مدام نورهان.. التقرير المالي المبدئي بيوضح إن جوزك، الأستاذ طارق، كان بياخد أرباح حصتك بالكامل ويسجلها في الدفاتر على إنها مصاريف تشغيل وصيانة وهمية! يعني فوق إنه كان حارمك من حقك المعنوي، كان بياكل حقك المالي بالأرقام والمستندات.”

لم أندهش، بل ابتسمت بمرارة وأنا أوقع على تفويض الجرد الجنائي:

– “كنت عارضة عليه الفضل، واختار هو الغدر.. كملوا الإجراءات القانونية للآخر يا أستاذ إسماعيل.”

في المساء، كان بيت طارق يتحول إلى ساحة حرب.

أحد المحامين التابعين لي نقل لي ما يحدث هناك؛ أعمام طارق تجمهروا في شقة والده، والجميع يلوم طارق وزوجته شيرين. الحاج عبد الجواد، والد طارق، طرد شيرين إلى بيت أهلها في منتصف الليل بعدما علم أنها كانت السبب المباشر في تشجيع طارق على إهانتي وإلقاء طعامي، ومريم حبست نفسها في الغرفة تصرخ بعد أن أرسل لها خطيبها رسالة قصيرة ينهي فيها الخطبة بسبب “الغموض والفضائح المالية والأمنية التي شهدها على باب العمارة”.

في الساعة الثانية صباحًا، بدأ هاتفي يرن بلا توقف.

عشرات المكالمات من طارق، ثم رسائل تتوسل وتتوسل:

“نورهان.. افتحي أرجوكِ، أنا بره الكافيه اللي جواه مكتبك، والله العظيم كنت أعمى.. شيرين أصل البلاء وطردتها عند أهلها، ومريم خطوبتها اتفسخت، وأبويا جاله أزمة قلبية ونقلوه المستشفى.. ارجعيلي وما تضيعيش العيلة!”

نظرت إلى الشاشة بجمود، ثم أغلقت الهاتف تمامًا.

مع حلول الصباح، كنت أقف أمام باب المستشفى العام حيث يرقد الحاج عبد الجواد. لم أكن قاسية للحد الذي يمنعني من عيادة رجل مسن كان صاحب أبي، لكنني لم أعد تلك المرأة الضعيفة التي تُستغل.

عند باب الغرفة، كان طارق يجلس على الأرض، وجهه شاحب، وعيناه غائرتان، وثيابه مجعدة ومجردة من كل مظاهر التأنق والتكبر.

بمجرد أن رآني، قفز من مكانه وارتمى عند قدمي أمام الأطباء والممرضين:

– “نورهان! سامحيني.. أرجوكِ انقذينا، الشمع الأحمر اتعلق على الشركة والبنك جمد الحسابات، والمحامي قال إن في بلاغ للنيابة بتهمة التبديد واختلاس أموال الشراكة! أقسم بالله مستعد أكتبلك كل حاجة باسمك، بس ما تحبسنيش!”

نظرت إليه من الأعلى، خالية تمامًا من أي مشاعر، ورفعت رأسي بثبات:

– “استنظف كلامك يا طارق.. مش أنا اللي أحبسك، أفعالك وإيدك اللي اتمدت على حق غيرك هي اللي بتحبسك. زي ما هان عليك كبريائي وأكلي وذكرى أبويا، هان عليك شرفك المالي.”

خرج الطبيب في تلك اللحظة ليبلغهم بأن حالة الحاج عبد الجواد استقرت، لكنه يحتاج لعملية عاجلة تكاليفها باهظة في مستشفى خاص، والحسابات البنكية الخاصة بالعائلة جميعها متوقفة بقرار النيابة تحفظيًا!

نظر إليّ طارق بعينين ميتتين، يتوسل بقايا الرحمة في قلبي:

– “نورهان.. أبويا بيموت، الحسابات مقفولة وما حيلتيش ولا مليم سائل أدفعه للمستشفى.. كفالة أبويا في إيدك.”

أخرجت دفتر شيكاتي الخاص من حقيبتي، وكتبت الشيك بالقيمة المطلوبة للعملية، ثم نظرته في عينيه وقدمت الشيك له بشرط واحد هز كيانه:

– “الشيك ده مقابل تنازلك النهائيات عن باقي حصتك في الشقة والعمارة.. تتنازل وتخرج بره حياتي بلباسك اللي عليك، ساعتها بس أبوك يدخل العمليات!”

سقطت ورقة الشيك من يد طارق لثوانٍ قبل أن يلقفها بأصابع ترتجف، ينظر بين الرقم المكتوب وبين نبرة صوتي التي لم تدع له منفذًا للمناورة. كانت ملامحه تختزل كل صور الانكسار والمهانة؛ الفتى الذي كان بالأمس يتطاول ويتبجح بإتيكيت عائلته الموهوم، يقف اليوم مسلوب الإرادة، يساوم على أنفاس أبيه بثمن غروره ورعايته الزائفة.

رفع عينيه الممتلئتين بالدموع، وصوته يخرج بحشرجة مكتومة:

– “التنازل عن كل حاجة يا نورهان؟ عايزة تجرديني من كل حيلة وتخرجيني ملط في الشارع؟”

اقتربت منه خطوة واحدة، ونظرت في عينيه بجمود أصلب من الفولاذ:

– “أنا ما جردتكش من حاجة يا طارق.. إنت اللي بعت كل حاجة يوم ما وطيّت راسك لقلة أدب مراتك، ويوم ما استخصرت فيا طبق فراخ بلدي يفكرني بأبويا، ويوم ما سرقت حق عرق أبويا وجريت تسجل أرباحي مصاريف وهمية. الشيك ده إنقاذ لحياة أبوك اللي طمعك وطمع مراتك كان هيقتلوه.. قدامك دقيقة واحدة: تقبل وتوقع التنازل الفوري قدام المحامي اللي واقف ورايا، يا ترجع تنازع على المليم وتتحمل نتيجة طمعك!”

التفت طارق ليجد الأستاذ فتحي يتقدم وبيده عقد التنازل النهائي المجهز مسبقًا، وبجانبه موثق من الشهر العقاري كان يتتبع خطواتنا لحسم الأمور.

نظر طارق إلى باب غرفة العناية المركزة، حيث وصايا الأطباء بالسرعة تلاحقه، ثم التفت إليّ وهو يبكي بحرقة وذل لم أرهما في حياتي. أخذ القلم بيد ترتعش، ووقّع على جميع الأوراق، بائعًا ما تبقى له من حصة في العمارة والشقة لينهي وجوده تمامًا في أملاك العائلة التي طالما تباهى بها.

سحبت العقود الموقعة، وأعطيت الشيك للمستشفى مباشرة لتأمين عملية الحاج عبد الجواد.

وفيما كان الأطباء ينقلون والده لغرفة العمليات، وقفت أمامه أضع النقط فوق الحروف:

– “أبوك يخرج بالسلامة، وياخدك إنت وأختك ومريم ومرتك اللي طردتها وتروحوا تدوروا لكم على مكان ينفعكم.. أمامكم 48 ساعة فقط لإخلاء الشقة بالكامل، ولو لمحت حتة قماش تخصني اتلمست، البلاغ الجنائي بتبديد الأموال هيتحرك فورًا للنيابة.”

تركته ملقى على الأرض في حسرته، وتوجهت فورًا إلى العمارة.

كانت شيرين قد عادت برفقة شقيقها ووالدتها محاولين اقتحام الشقة بالقوة لأخذ أمتعتها وثيابها، يصرخون في الصالة ويشتمون، ومريم تبكي في الزاوية تت حسر على مستقبلها المهدم.

لكن المفاجأة كانت بانتظارهم؛ عندما قدمت ومعي قوة تنفيذية ورجال حراسة تابعين للشركة الاستثمارية.

صرخ شقيق شيرين بقلة أدب: “إنتِ فاكرة نفسك مين يا ست إنتِ؟ الشقة دي شقة أختنا وجوزها، وأي حاجة هنا تلزمنا!”

تقدمت الأستاذة إلهام، المحامية الثانية فيفريقي، ورفعت في وجهه القرار القضائي الرسمي بالطرد والتحفظ:

– “أستاذ.. أي اعتداء أو إتلاف للمحتويات هيعتبر إتلافًا عمديًا لأملاك شركة مساهمة، والست شيرين ملهاش أي صفة هنا بعد تنازل زوجها رسميًا عن كامل الحصة اليوم وتطليقها شفاهة وأمام شهود أمس!”

شحبت ملامح شيرين، وصرخت بذهول: “طردني؟! طارق تنازل وطردني؟!”

رددت عليها بابتسامة نصر هادئة:

– “طردك وربط رقبتك بالتنازل عشان ينقذ أبوه من المستشفى اللي إنتِ وياه وصلتوه ليها. يلا يا شيرين.. لمي بلاويكِ وإتيكيتك في شنطة واحدة واطلعي بره أرض أبويا، عشان الزبالة اللي رميتي فيها أكلي بالأمس، أصلها مكان لكل واحد يتطاول على سياده!”

انهارت شيرين في البكاء وهي تلملم أغراضها الشخصية وسط نظرات الجيران الذين تجمعوا في السلم يرقبون طرد “الهوانم” اللاتي طالما تعالتن عليهم. وخرجت مريم تتجرجر خلفها، تسحب حقائبها بكسرة خيبة لا توصف، بعد أن فقدت الخطيب، والبيت، والعز المزيف.

جلست في منتصف الصالة الفارغة، تنفست الحرية لأول مرة منذ خمس سنوات. البيت أصبح ملكي بالكامل، والحق عاد لأصحابه.

لكن لم تكن هذه هي النهاية.. فتحت هاتفي وأرسلت رسالة أخيره لطارق أبلغ فيها بموعد الجلسة الأخيرة للإشهار الرسمي للطلاق والتعويض المالي، وأنا أعلم أن مفاجأة اليوم التالي ستدمر ما تبقى من حصونه تمامًا!

في صباح اليوم التالي، جلستُ في قاعة محكمة الأسرة. كانت القاعة تعج بالحركة، لكن هدوئي كان أشبه بصفحة ماء راكدة لا تهزها الرياح.

دخل طارق القاعة برفقة محامٍ مبتدئ يبدو عليه الارتباك. كان طارق قد فقد كل علامات القوة والاعتداد بالنفس؛ وجهه شاحب، عيناه غائرتان، وينظر إلى الأرض وكأنه يهرب من مواجهة وجهي.

جلس أمام القاضي، ووقف الأستاذ فتحي يرفع ملف الدعوى المكتمل:

– “سيدي القاضي.. نقدم لسيادتكم إقرار التنازل الرسمي والموثق عن كافة حقوق وممتلكات الزوج لصالح موكلتي، بالإضافة إلى التقارير المالية الجنائية التي تثبت اختلاس الأرباح طوال خمس سنوات، ونطلب التطليق للضرر مع إلزام المدعى عليه بدفع كافة المتأخرات والتعويض عن الضرر النفسي والمادي.”

القاضي نظر إلى طارق وسأله بنبرة حاسمة:

– “هل لديك أي اعتراض أو رد على المستندات المقدمة يا أستاذ طارق؟”

وقف طارق وصوته يرتجف، ينظر إليّ بنظرة توسل أخيره، لكنه لم يجد في عيني سوى جدار من الصلب:

– “لا يا سيادة القاضي.. أنا مقر بكل حاجة، ومستعد لكل الشروط.”

بضربة مطرقة واحدة، أعلن القاضي الحكم: “حكمت المحكمة بتطليق المدعية نورهان طلاقًا بائنًا للضرر، مع إلزام المدعى عليه بكافة التعويضات والمستحقات المذكورة.”

خرجت من قاعة المحكمة بحرية تامة، وأنا أشعر أن الجبال التي كانت تجثم على صدري قد تلاشت إلى الأبد.

في الخارج، وقف طارق يحاول الحديث معي للمرة الأخيرة:

– “نورهان.. أنا جاني جزائي، وخسرت الشقة، والعمارة، والشركة، وحتى أبويا مش قادر يبص في وشي بعد ما عرف كل اللي عملته. شيرين وأهلها رفعوا عليا قضايا، ومريم اختفت ومش راضية تتكلم.. أنا اتدمرت تمامًا.”

توقفتُ ودفنتُ يدي في حقيبتي، ثم نظرتُ إليه بجمود تام وقيلت له كلماتي الأخيرة:

– “إنت ما اتدمرتش بسببي يا طارق.. إنت اتدمرت لما استهنت ببنت الناس، لما نسيت الفضل، ولما سمحت لغيرك يكسر كبريائي قدامك وأنت ساكت. العز اللي ما يصونش صاحبه ولا يحترم أصله، يغور في ثواني. ربنا ما بيسيبش حق مظلوم، ودعوة أبويا الفلاح الله يرحمه هي اللي ردتلي حقي في الدنيا قبل الآخرة.”

تركته واقفا في منتصف الممر يجر أذيال الخيبة والندم، وركبت سيارتي متجهة نحو بيتي الكبير.. بيتي الذي أصبح الآن ملكي وحدي بالكامل.

في مساء ذلك اليوم، أعددتُ السفرة بنفسي في الشقة ذاتها. أخرجتُ الأطباق الأنيقة، وطبختُ “الفراخ البلدي المحمرة بالدقة” بنفس الطريقة التي كان يحبها أبي الله يرحمه.

جلستُ أكل في هدوء وراحة بال لم أذقها منذ سنوات. أكلتُ وأنا مرفوعة الرأس، في بيتي وأرضي، أسترجع ذكرياتي العذبة دون خوف أو إهانة من أحد.

تلك الليلة، أغلقتُ باب الماضي إلى الأبد، وتأكدتُ أن المنكسر حقًا ليس من لا يملك ظهرًا، بل من يبيع أصله وكبرياءه من أجل مظاهر زائفة، وأن من يستند إلى الحق والعدل.. يصنع لنفسه ظهرًا لا ينحني أبدًا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى