
أمي كانت بتصرخ بصوت يهز الحيطان، وأنا ماسكة أبويا وبحاول أرفعه من على الكرسي وأنا بحس بنبضه الضعيف اللي بيختفي تحت إيدي. أدهم واقف مكانه متجمد، وشه بقى أبيض زي القماش، وكريم وبيحاول يقرب يساعد بس أنا صرخت في وشه بصوت قاطع طلعت فيه كل القهر اللي جوايا:
— ما حدش يلمسه! بره! كلكم بره بيتنا!
سارة كتمت بقها بإيدها وشدت كريم لورا وهي بتبكي، وحماتي “مدام سلوى” بصت لأبويا بنظرة قلق مكتوم، وعرفت إن الموضوع دخل في حتة تانية خالص مش هيعرفوا يلموها. خرجوا كلهم وبيجروا رجليهم، وأدهم بصلي بصة أخيرة قبل ما يتقفل الباب في وشه.. بصة خافض فيها راسه ولأول مرة أشوف في عينيه خوف حقيقي.
طلبت الإسعاف فورًا، وفي خلال عشر دقائق كنا في طوارئ أقرب مستشفى.
الساعات اللي قضيتها قدام باب غرفة العناية المركزة كانت أطول ساعات في حياتي. أمي قاعدة على الكرسي بتبكي وبتدعي، وأنا واقفة سانده ضهري على الحيطة الساقعة، ماسكة الموبايل في إيدي وإيدي بتترعش.. مش من الخوف، من الغضب اللي بيتحول لتلج وجمر في نفس الوقت.
أبويا كان بين الحياة بسببه وبسبب عيلته.
خرج الدكتور بعد ساعتين، مسح جبينه وقالنا إن الجلطة جت في القلب من زعل شديد وضغط مرتفع، ودلوقتي تحتالملاحظة الحثيثة والـ 48 ساعة الجايين هما المحك.
في اللحظة دي بالظبط، اتخذ القرار في دماغي بدون أي تردد أو رجعة.
طلعت الموبايل وفتحت شات الأستاذ فاروق المحامي. بعتله رسالة واحدة:
“حضرتك ابدأ في الإجراءات فورًا. مش هسيب حق أبويا ولا حقي.. والرحمة اتنسيت.”
رد عليا فورًا: “كل الأدلة جاهزة، والصُبح البلاغات هتوصل للنيابة العامة ومباحث الإنترنت.”
الأستاذ فاروق مال عليا وقال:
الخبر نزل عليهم زي الصاعقة.
العصر.. وأنا قاعدة جنب أبويا في المستشفى، لقيت تليفوني بيرن.
الرقم كان كريم.
رديت وبصوت هادي تمامًا:
— نعم يا كريم.
صوت كريم كان متوتر وجاي بسرعة:
— مريم.. أرجوكي ارحمينا! أدهم ونادين مطلوبين في النيابة دلوقتي! نادين قاعدة في البيت بتصرخ وبتتشنج وخالي أغمى عليه لما عرف، وأدهم هيتشطب من النقابة لو القضية دي كملت!
قلت ببرود:
— وعمي مصطفى اللي مرمي في العناية المركزة بسببكم؟ أخبارك إيه عنه؟ سألت عليه؟
كريم اتلعثم:
— والله يا مريم إحنا آسفين.. سارة تبكي وتستسمحك، وطايلين إيدك نلم الموضوع وندفعلك أي تعويض.. نادين مستعدة تنزل بيان اعتذار رسمي على الصفحة وتقول إن الفيديو كان مفبرك وأنها هي اللي عملته!
ابتسمت بسخرية:
— بعد إيه؟ بعد ما ملايين شافوه؟ بعد ما سمعتي اتوصمت وباباي قلبه وقف؟ بيان الاعتذار ده تبلوه وتشربوا ميته في النيابة.
قفلت السكة في وشه.
ساعتين وتليفون أمي رن.. كانت حماتي “مدام سلوى”. أمي فتحت السبيكر وهي بتبكي.
صوت سلوى ما كانش فيه أي غرور من بتاع زمان، كان صوت واحدة بتبكي وتترجى:
— يا أم مريم.. أرجوكي قولي لبنتك تسحب البلاغ. نادين هتروح في داهية وأدهم مستقبله بضيع! أنا مستعدة أجيلكم المستشفى وأبوس رأسك ورأس مصطفى قدام الناس كلها.. بس بلاش المحاكم يا حبيبتي!
أمي مسحت دموعها وبصتلي، وبعدين ردت بقوة عمرها ما أظهرتها قدامهم:
— اللي يعمل في بنتي كده وفي جوزي كده ما يعتبرش بني آدم.. الكلام مع القاضي يا سلوى، واكتفي مننا بالدعاء عليكي وعلى ابنك وبنت أختك.
وقفلت الخط.
في المساء، أدهم حاول يعمل كارت أخير.
بعتلي رسالة تحذيرية من رقم غريب:
“لو ما سحبتيش البلاغ قبل جلسة التحقيق الصبح، أنا هرفع رد اعتبار وطاعة، وهثبت إن التسجيل اللي معاكيتاخد بطريقة غير قانونية ومسروق وموش هيعتد بيه، وهخلي نادين تقول إن إنتِ اللي زقيتيها تعمل كده عشان تطلبي الطلاق وتكتسبي مؤخرك!”
قريت الرسالة وقسوت أكتر. أدهم بيحفر حفرته بإيده.
الصبح.. في مباحث الإنترنت والنيابة العامة.
كنت قاعدة في صالة الانتظار مع الأستاذ فاروق.
وفجأة.. الشارع والطرقة انقلبوا.
دخل أدهم، ومعاه نادين ومحاميها، ووراهم كريم ومدام سلوى.
نادين كانت ماشية ورا المحامي زي الخيال، وشها أصفر وعيونها متورمة من البكاء. أول ما شافتني، حاولت تقرب مني وهي بتعيط:
— مريم.. سامحيني.. أرجوكي سامحيني، أنا كنت غيورة ومش فاهمة أنا بعمل إيه!
الأستاذ فاروق وقف في وشها فورًا:
— ممنوع الكلام مع موكلتي! التحدث يتم قدام وكيل النائب العام بس.
أدهم بصلي بنظرة مليانة كره وحقد، وقف جنبي وهو بيطي صوته وبيقول بفرعنة زايفة:
— فاكرة إنك كده كسبتي؟ أنا محامي وعارف هطلع نادين إزاي وهقلب الطاولة عليكِ يا مريم.
ابتسمتله بثبات وقلت:
— وريني شطارتك يا أستاذ أدهم.. النيابة مستنياك جوه.
دخلنا كلنا عند وكيل النائب العام.
التحقيق بدأ.. والأستاذ فاروق قدم التسجيل الصوتي، والتقرير الفني اللي أثبت إن الحساب المجهول اتفتح من “عنوان IP” الخاص برقم هاتف نادين وموقع شقتها، بالإضافة للتسجيل الصوتي اللي اعترفت فيه بإيدها وأدهم واقف بيغطي عليها.
محامي نادين حاول يشكك في التسجيل ويدعي إنه متأخد بدون إذن نيابة، بس الأستاذ فاروق رد بالصاعقة:
نادين انهارت وصرخت وهي بتبكي:
— أيوه! بس أنا ما كنتش أقصد أؤذيها كده! أنا كنت بحب أدهم وأنا مراته في السر وهو كان رافض يعلن جوازنا عشانها، فقلت أعمل كده عشان هي تطلب الطلاق وتخلص منه! أدهم كان عارف وقالي سيبيني ألم الموضوع مع عيلتي!
سكت القاعة كلها!
الاعتراف طلع من بقها كامل وصريح!
وكيل النائب العام بص لـ أدهم وقال بنبرة حادة:
أدهم اتصدم وشه اتغير وبدأ يتلعثم:
— حماية بيتك ما بتكونش بالتستر على جاني وتضييع حق مجني عليها!
صدر القرار المبدئي فورًا:
* استدعاء أدهم ومواجهته بتهم الخيانة والتستر، وإحالة أوراقه لنقابة المحامين للتأديب بسبب مخالفته ميثاق الشرف المهني.
أول ما العساكر مسكوا نادين عشان يلبسوها الكلبشات، صرخت بعلو صوتها وحماتي وقعت على الأرض في الطرقة بتصرخ وتلطم على وشها!
أدهم جرى على وكيل النيابة بيترجاه، بس العساكر أبعدوه.
خرجت من باب النيابة مرفوعة الراس، والأستاذ فاروق جنبي بيطبطب على كتفي:
— كده ضربناهم في مقتل يا مريم.. الجولة الأولى انتهت لصالحنا تمامًا.
رجعت المستشفى فورًا، وبشرى خير كانت مستنياني.. أبويا فاق من البنج ودخلتله العناية.
مسكت إيده وبستها، وأبويا بصلي بعيون مليانة دموع وصوت ضعيف:
— عملتي إيه يا بنتي؟
قلتله وأنا ببتسم وبمسح دموعه:
— جبتلك حقك وحقي بالقانون يا بابا.. محدش قدر يدوس علينا ولا يكتم صوتنا.
أبويا ابتسم بضعف وهز راسه براحة.
لكن المعركة ما انتهتش عند الحد ده..
كانت “سارة”.. مرات كريم.
صوتها كان مرعوب وبيترعش بشكل مش طبيعي:
— مريم.. أرجوكي اسمعيني.. أدهم اتجنن خالص بعد ما نقابة المحامين أوقفته عن العمل مؤقتًا وحولته للتحقيق.. أدهم نزل من البيت ومعه ورق خطير ضدك، ورايح على بيت أهلك دلوقتي.. وبيقول إنه مش هيرجع غير وهو مخلص عليكي وعلى كل حاجة!
قفلت مع سارة، وقلبي بدأ يدق زي الطبول.
بصيت حواليّ في صالة بيت أبويا. أمي كانت جوه الأوضة بتجهز العلاج لأبويا اللي لسه راجع من المستشفى الصبح ونام من التعب، والبيت كان في حالة هدوء مريب.. هدوء سبقه العاصفة.
أنا ما خفتش. الخوف مات جوايا من اللحظة اللي شفت فيها أبويا وهو بيقع على الكرسي بسببهم.
جريت على الباب وقفلته بالمفتاح والترباس، ودخلت بسرعة على المطبخ، خدت نفس عميق وحاولت أجمع أفكاري. أدهم محامي ومجروح في كبرياءه، ولما الراجل اللي زي ده بيتزنق في الزاوية وبيخسر شغله وسمعته، بيتحول لحيوان مجهول التصرفات.
طلعت الموبايل فورًا واتصلت بالأستاذ فاروق.
— أستاذ فاروق.. أدهم مجنون ونازل في الطريق لبيت أبويا، وسارة كلمتني تحذرني وتقول إنه معاه ورق وهديد.
صوت الأستاذ فاروق جه حاسم وقاطع:
— مريم، اقفلي الأبواب كويس جدًا وما تفتحيش لأي حد مهما حصل! أنا هكلم المأمور فورًا وهبعت قوة شرطة على عنوان البيت، وهكون عندك في خلال عشر دقائق. إياكي تتواجهي معاه لوحدك!
قفلت الموبايل، وبدأت أسمع خطوات سريعة بتقرب في طرقة العمارة.
الخطوات وقفت قدام الباب.
ثواني وسكون تام.. وبعدين خبط جنوني على الباب هز الخشب!
— مريم! افتحي يا مريم! افتحي بدل ما أكسر الباب ده على دماغك ودماغ أبوكِ!
صوت أدهم كان مبحوح، مشوه بالغضب والغل، مش هو ده الصوت اللي كنت بسمعه في التليفون يطمن عليا.
أمي طلعت من الأوضة مفزوعة وهي بتصرخ كتمت بقها بيدي وقلتلها بصوت واطي جداً:
— أمي، ادخلي جوه عند بابا وافلي الأوضة بالمفتاح، وما تخرجيش مهما سمعتي!
— يا بنتي ده هيقتلنا!
— مش هيقدر يعمل حاجة.. ادخلي يا أمي بسرعة!
دخلت أمي الأوضة وقفلت على نفسها وعلى أبويا. وقفلت أنا على نفسي طرقة الأوضة، وقفت ورا الباب الرئيسي للمطبخ المباشر على الصالة.
أدهم استمر يخبط على الباب بكل قوته، وسمعت صوت رجله وهي بتبطش في الخشب:
— فاكرة إنك كسبتي؟ فاكرة إن فاروق المحامي هينفعك؟ أنا شطبي من النقابة معناه نهايتك يا مريم! الورق اللي معايا ده هيمسح بيكِ وباللي يتشددلك الأرض! افتحي!
طلعت موبايلي وفتحت مسجل الصوت والكاميرا، وقربت من الباب وثبت التسجيل عشان كل كلمة وكل محاولة اقتحام تتوثق بصوت وصورة.
قلتله من ورا الباب بثبات وجمود:
— اصرخ زي ما انت عايز يا أدهم.. الشرطة في الطريق، وكل كلمة بتقولها ومحاولة بتتثبت عليك دلوقتي في محضر جديد. أدهم ضحك ضحكة هيستيرية من ورا الباب: رجلي بردت في مكاني. التوكيل!
سنة 2024، لما أبويا تعب أول مرة، عملت لأدهم توكيل إدارة وتنفيذ عشان يخلص إجراءات رخصة المحلات وأوراق المحاسبة القانونية لشركتنا الصغيرة، وكنت واثقة فيه ثقة أعمى!
الراجل ده ما كانش بيخونني مع نادين بس.. ده كان بيخطط مع نادين وأهله للتجريد الكامل لبيتي وأهلي من كل أصل يملكوه!
الدم غلى في عروقي، بس ما ظهرتش ضعفي:
في اللحظة دي، سمعت صوت دبة قوية على الباب، كأن أدهم بيضرب الباب بجسمه كله عشان يكسر الكالون! الخشب بدأ يتفلق.
صرخت:
— أدهم توقف!
فجأة، سمعت أصوات خطوات صاعدة بسرعة على السلم، وصوت كريم أوه بيزعق:
— أدهم! سيب الباب يا مجنون إنت بتعمل إيه!
أدهم صرخ في أخوه:
— ابعد عني يا كريم! هي دمرت حياتي وخلت نادين وأنا محول للتأديب! مش هسيبها تخرج منها سليمة!
— يا أدهم البوليس جاي في الطريق! سارة والأستاذ فاروق جايب قوة ومعاه المأمور! انزل معايا قبل ما تروح في داهية ألعن!
— مش نازل!
سمعت صوت خناقة وصراع وضرب بالأيدي بين الأخوات في الطرقة قدام الباب. كريم كان بيحاول يمسك أدهم ويمشيه بالقوة، وأدهم بيقاومه زي المجنون.
وفجأة.. صوت سرينة البوليس ملأت الشارع تحت العمارة!
صوت أقدام العساكر والضباط وهما طالعين السلم بيجروا هز العمارة كلها.
— اثبت مكانك أنت وهو!
صوت الضابط كان قاطع ومزلزل.
سمعت صوت أدهم وهو بيتحاصر، وصوت الكلبشات وهي بتقفل على إيديه في الطرقة!
الضابط صرخ:
— خدوه على العربة فوراً! والمحتويات والشنطة اللي معاه تتأمن للتحفظ!
سمعت صوت الأستاذ فاروق بيطلب من الضابط إثبات حالة التلبس بمحاولة اقتحام منزل والتعدي والتهديد بالقتل.
الأستاذ فاروق خبط على الباب بصوت هادي:
— مريم.. افتحي يا بنتي، البوليس هنا والأمور تحت السيطرة.
فتحت الباب وإيدي بتترعش.
المنظر قدام الباب كان يوجع النفس.. الخشب متكسر ومفلوق، كريم واقف سانده الحيطة بيبكي ووشه فيه جروح من ضرب أدهم ليه، وأدهم متكلبش بين اتنين عساكر، وشه كله غل وحقد وهو باصصلي، وعينيه مليانة انكسار ممزوج بجنون.
الضابط بصلي وقال:
— أنتِ المواطنة مريم مصطفى؟
— أيوه يا فندم.
الأستاذ فاروق قدم للضابط الموبايل بالتحفظ، وقدم كشف كامل بالبلاغات السابقة وشكوى نقابة المحامين.
أدهم صرخ وهو بيبعدوه العساكر:
— مش هتكسريبني يا مريم! الورق رسمي وموثق في الشهر العقاري! هخليكي تشحتي أنتِ وأبوكِ!
الأستاذ فاروق قرب منه وبصله بثبات وقوة وقاله في وشه:
— العقود الموثقة بتاريخ لاحق للنزاع والمستندة لتوكيل ملغي صراحة اللي رميته في الزبالة.
أخدوا أدهم ونزلوا بيه، وكريم وقف قدامي ومكسور، مش قادر يرفع عينيه في عينيا.
— مريم.. أنا آسف.. أنا حاولت أمنعه والله، أنا وسارة عرفنا إنه التوكيلات وبيحاول يعمل كارثة وجيت جري وراه..
كريم نزل راسه ومشي ورا البوليس وهو ساكت.
دخل الأستاذ فاروق الصالة وقعد معايا.




