عام

رجعت بيتي حكايات رومانى مكرم 1

رجعت بيتي بدري عن موعدي، عشان أتفاجئ بمراتي وهي في الشهر التامن حافية وبتعيط على ركبها على البلاط، وأمي واقفة تتأمر عليها وتغصبها تغسل لها رجليها. وقالت لها بكل قسوة: “البيت ده بتاع ولادي، مش بتاعك إنتي!”

من غير ما أنطق بكلمة واحدة، طلعت لملت الشنط، وفتحت الدفاتر والمستندات المالية، وكشفت الشخص اللي كان بيكرّس حياته عشان يسرق فلوسنا من تحت لتحت بقاله شهور.

أول حاجة وقعت عليها عيني كانت إيدين “سلمى” المورمة والغرقانة في طبق غسيل ألومنيوم كبير. وبعدين نظرتي راحت لرجل أمي الحافية، وهي حطاها فوق كتف مراتي الحامل في الشهر التامن، ومشيلاها الهم ومعاملاها كأنها خدامة عندها في البيت.

أنا كنت راجع من سَفَريّة شغلي في دبي بدري يومين عن الميعاد، ونزلت على الفجرية عشان أعمل مفاجأة لسلمى وأجيب لها فطار في إيدي. بس أول ما فتحت باب الشقة ودخلت الصالة، صوت العياط والشهقات كان مالك المكان كله.

“دعكي بضمير!” أمي كانت بتقولها، “البيت ده بتاع ولادي، مش بتاعك إنتي!”

سلمى كانت راكعة على ركبها بجلابية الحمل وهي مبلولة، ودموعها نازلة طخ في الماية. وفي الناحية التانية، كان أخويا الصغير “إسلام” ساند ضهره على دربزين السلم ومسك تليفونه ونازل تصوير في المشهد.

“أمي بتربيها وبتعلمها أصول الواجب،” إسلام قالها أول ما شافني، “أوعى تبوظ اللقطة.”

أمي لفت وشها بالراحة، والابتسامة الباردة ما فارقتش شفايفها.

“طرق.. جيت بدري يا ابني.”

سلمى رفعت عينها وبصت لي، وبدل ما أشوف في عينها الفرحة إنها اتنجدت، شفت رعب طالع من نفوخها. نظرتها دي قطعت قلبي ووجعتني أكتر من أي حاجة تاني، لأنها كشفت لي إن الموقف ده اتكرر كتير قبل كدة، وإنها كانت فاقدة الأمل إن في حد ممكن ينقذها.

طبق الغسيل الألومنيوم ده كان هدية من أمي لينا في جوازنا. سلمى زمان كانت بتحط فيه ورد أبيض وتزوق بيه الصالة في عيد جوازنا، بس دلوقتي، الماية المتوسخة كانت بتدفق من جنابه وسلمى مش القادرة تاخد نفسها وهي طالعة نازلة. ومن وقفتي جنب الباب، كنت شايف ابني اللي لسه ما اتولدش بيتحرك في بطنها من كتر حرقة الخضة والحرقة.

مشيت خطوتين في الصالة، رفعت رجل أمي من على كتف سلمى، ومسكت إيد مراتي بالراحة ووقفتها على حيلها.

“لمي هدومك،” قلتها بصوت واطي بس جامد.

أمي ضحكت باستخفاف: “عشان خاطرها إنتي؟”

“عشان خاطري أنا وهي.”

إسلام نزل التليفون: “إنت بتبيع أهلك وناسك عشان خاطر دي؟”

بصيت لركب سلمى اللي كانت بترعش، ولمحت الزرقان واللطمات اللي حوالين معصم إيدها. “أنا بختار عيلتي الحقيقية.”

وش أمي اتقلب وبقى ينطق قسوة: “إنت حتة عيل من غيري ولا تسوى! الشركة، والبيت، والحسابات.. كل حاجة دي خير أبوك مش خيرك إنت.”

دي كانت النغمة والحدوتة اللي هي حابة تقنع نفسها بيها.

أخدت سلمى وطلعت بيها فوق، اتصلت بالدكتور يطمن عليها، ولميت شنطتين كبار لينا إحنا الاتنين. وما اديتش لأمي الفرصة ولا الرد اللي كانت مستنياه عشان تعمل دراما ومواويل، فضلت ساكت وصوتي هادي وما هددتش حد.

وعلى ما سلمى كانت بتبدل هدومها، دخلت أوضة المكتب المقفولة وطلعت كشوفات الحسابات البنكية بتاعة الست شهور اللي فاتوا.

الحقيقة كانت واضحة زي الشمس قدام عيني: تحويلات مالية ورا بعضها طالعة من حساب التوفير المظبوط بتاعنا، ورايحة لشركات وهمية متغطية بأسامي زي “البرنس للمقاولات”، و”الشروق للتوريدات”، و”الزهراء للديكور”.

إجمالي الفلوس اللي اتسرقت: 2 مليون و400 ألف جنيه.

أمي ظهرت فجأة ووقفت على باب الأوضة.

“إنت مهمل ودماغك مش في الشغل،” أمي قالتها، “وسلمى إيدها فرطة وبتصرف كتير.”

قلبت الصفحة اللي بعدها، ولمحت إمضاء أخويا إسلام على إذن السحب اللي كان فاكر إنه اتمسح من الوجود وما لوش أثر.

#5الكاتب_رومانى_مكرم_5

وبعدين عينيا وقعت على اسم صاحب الحساب اللي بتتحول له الفلوس دي كلها.

الحساب ما كانش باسم سلمى خالص…

الحساب كان باسم أمي شخصياً.

قفلت الفولدر بالراحة.

“عندك حق،” قلتها وأنا ببص لها، “فعلاً في حد في البيت ده كان مغفل وسايب الدنيا سداح مداح.”

هي ابتسمت بابتسامة نصر، وفاكرة إني سلمت وأكلت الضربة.

مسكت الشنط في إيد، ومسكت إيد سلمى في الإيد التانية، وخرجنا من باب البيت ومن غير ما ألتفت ورايا ولا بصة واحدة….

يا

وقفنا برة الشارع، والهوا البارد كان بيخبط في وشنا. سلمى كانت بتترعش في إيدي، مش بس من البرد، لكن من الرهبة، كأنها مش مصدقة إننا خرجنا فعلاً. فتحت باب العربية وقعدتها بالراحة، وربطت لها حزام الأمان وهي ساكتة تماماً، دموعها جافة على خدها وعينها متثبتة على الأرض.

طلعت بالعربية ورحنا على شقة كنت أجرها من فترة في مكان هادي عشان أستخدمها كمكتب جانبي لشغلي، شقة محدش من أهلي يعرف طريقها. طول الطريق، تليفوني ما بطلش زن. اسم أمي كان بينور على الشاشة، ووراه على طول مكالمات من إسلام. عملت للتليفون صامت وحطيته في التابلوه.

أول ما وصلنا وتأكدت إن سلمى ارتاحت على السرير، اتصلت بدكتورة النسا والتوليد المتابعة لحالتها. الدكتورة جات بعد ساعة، وبعد الكشف والسونار، طلعت لي برة الشقة وشها ما يبشرش بالخير:

“الضغط مرتفع جداً يا طارق، وفي بداية انقباضات مبكرة. الرحم تحت إجهاد شديد بسبب التوتر العاطفي والضغط البدني. لو الحالة دي استمرت أكتر من كدة، هنضطر ندخلها عمليات فوراً ونولدها قيصري، والجنين ساعتها هيدخل الحضانات لأنه لسه في الأسبوع التاني من الشهر التامن.”

الكلمات دي كانت زي السكين في قلبي. خرجت الدكتورة بعد ما أدتها المهدئات والأدوية اللازمة وشددت عليا إنها تفضل نايمة في السرير وماتتحركش. دخلت قعدت جنبه على الكرسي، مسكت إيدها المورمة ووضعت وشي فيها. سلمى همست بصوت ضعيف ومشروخ:

“أنا آسفة يا طارق.. ما كنتش قصدي أعمل لك مشاكل مع أهلك.. هي كانت بتقولي إنك لو عرفت هتطلقني وتترمني في الشارع.. وكانت بتهددني إنها هتخليك تأخد مني الطفل أول ما يتولد.”

المفاجأة ألمتني. أمي ما كانتش بس بتمارس عليها القسوة البدنية، دي كانت بتمارس عليها ابتزاز نفسي مرعب ومخطط، بتستغل غيابي في سفر الشغل عشان تكسرها وتفهمها إن مالهاش ضهر.

“حقك عليّا،” قلتها وأنا ببوس إيدها، “والله العظيم حقك هيرجع، والطفل ده مش هيشوف يوم أسود زي اللي شفتيه.”

سيبتها لحد ما نامت بفعل المهدئ، وقعدت على السفيرة في الصالة. فتحت اللابتوب وطلعت الفلاشة اللي نسخت عليها كل المستندات المالية قبل ما أخرج من البيت.

الفلوس اللي اختفت — الـ 2 مليون و400 ألف جنيه — ما كانتش مجرد مسحوبات عشوائية. لما دققت في التواريخ وتفاصيل التحويلات، اكتشفت الخطة الكاملة. أمي ما كانتش بتسرق الفلوس عشان تشيلها في البنك بس، الفلوس كانت بتتحول من حسابها لحساب شركة تأسست جديد باسم “إسلام” شقيقي. كانوا بيسحبوا سيولة الشركة اللي أنا بناميها بعرقي وتصاميمي وشغلي طول السنين اللي فاتت، وبيأسسوا بيها كيان موازي باسم إسلام، عشان لما ييجي الوقت المناسب، يرفعوا عليا قضية حجر أو يخرجوني من الشركة بحجة إني مهمل ومسافر دبي طول الوقت، ويحطوا إيدهم على كل حاجة بالكامل.

أمي كانت شايفاني مجرد آلة بتجيب فلوس، وإسلام كان شايفني عقبة في طريقه لازم تتشال.

على الساعة تسعة الصبح، التليفون رن برقم غريب. ردية وكان صوت عمي “حسين”، كبير العيلة والشخص اللي أمي دايماً بتعمله حساب.

“إيه اللي عملته ده يا طارق؟” عمي قالها بصوت غاضب، “أمك بتتصل بيّ وهي بتعيط وتقول إنك ضربتها ورميت لها اليمين وهربت مع مراتك؟ إنت اتجننت؟ إزاي ترفع صوتك على أمك وأخوك؟”

ابتسمت بسخرية هادية. أمي لحقت تقلب الترابيزة وتعمل دور الضحية كالعادة.

“عمي حسين،” قلت له بثبات، “أنا بحترمك، عشان كدة مش هرد على الكلام ده في التليفون. أنا عزمه عندك في بيتك النهاردة الساعة 6 المغرب، وأمي وإسلام هيكونوا حاضرين. واجيب معايا المستندات اللي تتكلم.”

“مستندات إيه؟”

“المستندات اللي فيها تحويلات بـ 2 مليون و400 ألف جنيه اتسرقت من حساباتي، والمستندات اللي فيها تقرير الطب الشرعي لمراتي اللي في الشهر التامن.”

قفلت الخط قبل ما يسمع منه أي رد.

طول النهار، اشتغلت بهدوء قاتل. اتصلت بالمحامي بتاعي وشرحت له الوضع بالكامل، وطلب مني أعمل محضر إثبات حالة بالتقارير الطبية بتاعة سلمى، وأجهز أوراق الشركة والعقود اللي بتثبت ملكيتي المباشرة لـ 80% من رأس المال، وإن أمي وإسلام مالهمش غير أسهم صورية لا تتعدى 20%.

الساعة جات 6 المغرب. سبت سلمى مع ممرضة خاصة جيبتها تراعيها في الشقة، وطلعت على بيت عمي.

أول ما دخلت الصالون، لقيت المشهد مكتمل. أمي قاعدة على الكنبة الرئيسية، حاطة منديل على عينها وبتعيط بتمثيل متقن، وإسلام واقف جنبها عامل دور الأخ المصدوم والغيور على أمه، وعمي حسين قاعد في وشهم ومجهوم.

أمي أول ما شافتني قامت وقفت وصصرخت: “جاي ليه؟ جاي بعد ما نزلت راسي في الأرض وركبت مراتك عليا؟ جاي بعد ما سبتني حافية في بيتي وعليت صوتك عليا؟”

ما ردتش عليها. مشيت بخطوات ثابته، حطيت شنطة أوراق جلد سودا على الطاولة في النص، وقعدت قصاد عمي.

إسلام اتكلم بعنجهية: “إنت فاكر نفسك إيه؟ عشان معاك قرشين جاي تتكبر على وليّ نعمتك؟ البيت ده والمكانة دي بفضل أمك!”

فتحت الشنطة وطلعت أول ملف، رميته قدام عمي حسين.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى