
طلعت على السلم بخطوات ثقيلة، لكن جوايا كان في شعور غريب بالارتياح والحرية لأول مرة من سنين. فتحت باب الشقة في هدوء تام، الشقة كانت دافية وصوت الممرضة هادي وهي بتتحرك بالراحة عشان ما تقلقش نوم سلمى. دخلت الأوضة، كانت سلمى نايمة وشها شاحب، وإيدها المورمة محطوطة على بطنها وكأنها بتحمي ابننا حتى وهي غايبة عن الوعي. قعدت على حرف السرير، مسكت إيدها وحطيت وشي فيها، ونمت من كتر التعب والإرهاق النفسي والبدني.
على الساعة تسعة الصبح، صحيت على صوت همس هادي. فتحت عيني لقيت سلمى صاحية وبتبص لي بنظرة كلها خوف وتساؤل: “طارق.. إيه اللي حصل؟ عملت إيه مع أهلك؟”
ابتسمت لها ومسحت على شعرها بالراحة: “ما تشغليش بالك بأي حاجة يا حبيبتي. كل حاجة انتهت، والحق رجع لمكانه. أهم حاجة دلوقتي صحتك وصحة اللي في بطنك.”
تليفوني رن الساعة تسعة ونص. كان المحامي بتاعي الأستاذ هشام.
“صباح الخير يا طارق بيه،” هشام قال بنبرة جادة، “أنا واقف قدام المكتب دلوقتي، وأخوك إسلام وعمك حسين وصلوا ومستنيين على السلم.. أمك ما جتش معاهم.”
“تمام يا أستاذ هشام،” قلت بثبات، “العقود والتنازلات جاهزة زي ما اتفقنا؟”
“كل حاجة جاهزة. تنازل كامل عن الأسهم الصورية في الشركة، وتنازل عن ملكية شقة العيلة اللي باسمك أساساً، وإقرار بدين بمليونين و400 ألف جنيه يتم سدادهم أو استقطاعهم من أي حقوق شرعية مستقبلاً. لو إسلام وقع، القضايا هتتوقف.. لو رفض، أنا معايا أمر ضبط وإحضار مبدئي من النيابة بناءً على البلاغ اللي جهزناه.”
سبت سلمى مع الممرضة وركبت عربيتي ورحت على مكتب المحامي. اول ما دخلت الصالة، لقيت إسلام قاعد وشهم ومكسور، عينيه متفادية تيجي في عيني، وعمي حسين قاعد جنبه باصص للأرض من خيبته فيهم.
إسلام أول ما شافني قام وقف وزعق بصوت مرعوب ومخلوط بغل: “إنت مبسوط كدة؟ مبسوط وإنت بتلوي دراعنا وبتبتلنا عشان خاطر وحدة غريبة؟ أمك من إمبارح قاطعة الأكل والمايك ورافضة تتكلم مع حد!”
قعدت على الكرسي بثبات وحطيت رجل على رجل: “أمي هي اللي اختارت الطريق ده من يوم ما حطت رجلها على كتف مراتي وهي حامل في الشهر التامن. أمي هي اللي اختارت تسرقني وتخليك تسرقني عشان تعمل نفسك راجل على حساب شغلي وعرقي. أمي ما زعلتش إنها ظلمت.. أمي زعلانة إن السرقة اتكشفت والسيطرة راحت.”
عمي حسين هز راسه بأسف وقال لإسلام: “وقع يا إسلام وإنت ساكت.. إنت وأمك ما سيبتوش للولد خط رجعة.”
إسلام مسك القلم وإيده بترتعش، وقع على أوراق التنازل عن الشركة، وأوراق الشقة، وإقرار الدين. كل ورقة كان بيوقعها كانت بالنسبة له مسمار في نعش الأحلام الوهمية اللي بنوها على حسابي.
بعد ما خلص التوقيع، مسك الشنطة بتاعته وبص لي بنظرة كلها كره: “فاكر إنك كسبت يا طارق؟ إنت خسرت أهلك.. وما فيش حد بيكسب وهو بايع أمه وأخوه.”
رديت عليه بابتسامة هادية: “أنا مابعتش حد يا إسلام.. أنا بس قطعت إيد الشراميط اللي كانت بتتمد في جيبي وفي لحمي. اتفضل امشي، ومش عاوز أشوف وشك تاني ولا في شركة ولا في بيت.”
خرج إسلام وجري وراه عمي حسين بعد ما طبطب على كتفي وقال لي: “ربنا يصلح حالك يا بني.. حقك عليا أنا.”
رجعت الشقة، وأنا فاكر إن الكابوس انتهى لحد هنا، لكن أمي ما كانتش من النوع اللي يسلم بسهولة.
بعد أسبوعين كاملين من الهدوء المزيّف، وفي يوم جمعة بالليل، سلمى كانت قاعدة في الصالة بتبتسم وهي بتركب هدوم المولود الجديد في الشنطة الخاصة بالمستشفى، لأن ميعاد الولادة قرب جداً والدكتورة حددت القيصرية خلال أيام قليلة.
فجأة، الباب خبط بغير عادة. خبطات متتالية وقوية.
قمت وقفت بآلية وحطيت سلمى ورايا. فتحت الباب، وللصدمة لقيت أمي واقفة على الباب، ومعاها تلات ستات من قرايبنا من الصعيد، وجايبة معاها مأذون وشخص غريب!
أمي زقت الباب ودخلت الصالة بجمود، وعينها جايبة المكان كله.
“إيه ده؟” قلت بصوت عالي وغاضب، “إيه اللي جابكم هنا؟ إزاي تتجرأي وتيجي المكان ده؟”
أمي بصت لي بنظرة حادة زي الموس، وبصت لسلمى اللي كانت بترتعش ورايا وهي ماسكة بطنها:
“أنا ما جيتش عشانك يا طارق.. ولا جيت عشان أترجاك. أنا جيت عشان أصلح الخراء اللي إنت عملته في حق العيلة.”
“أصلح إيه؟ أخرجي برة بدال ما أطلب Police!”
أمي ضحكت ضحكة عالية ومستفزة: “تطلب الشرطة لأمك؟ اطلبها يا حبيبي.. بس قبل ما تطلبها اسمع الكلمتين دول. الشقة اللي إنت قاعد فيها دي، والعز اللي إنت فيه، كله هيتهد فوق دماغك. المأذون ده أنا جايباه عشان يكتب كتاب أخوك إسلام على بنت عمك، والورث والشركة اللي إنت فاكر إنك خدتهم بالتنازل.. التنازل ده باطل! لأن الورق اللي إسلام وقعه كان تحت التهديد والابتزاز، وأنا رفعت قضية حجر عليك وقضية بطلان تنازل من الصباحية!”
بصيت لها بذهول من كمية الغل والتخطيط اللي في دماغها.
كملت أمي كلامها وهي بتقرب من سلمى بثقة مرعبة: “وأما البت دي.. فالبطن اللي شايلة ابنك دي، مش هتشوف الشارع غير وهي فاضية، لأن الطفل ده هيتربى في بيتي وتحت رجلي، وإنت وهيا مالكمش مكان في العيلة دي من النهاردة!”
في اللحظة دي، سلمى صرخت صرخة مكتومة ومسكت بطنها بشدة، ووقعت على الأرض والمية بدأت تنزل من حواليها… ولادة مبكرة وحادة من كتر الخضة!
صرخة سلمى هزت الشقة كلها. الماية المتدفقة على بلاط الصالة ووشها اللي اتقلب أصفر في ثواني خلوا قلبي يقف. اتحداني الوقت والخوف، وما بقيتش شايف قدامي غير مراتي اللي بتلتوي من الوجع والجنين اللي حياته بقت على المحك.
“سلمى!” صرخت وأنا برمي نفسي على الأرض جنبها، شيلتها بين إيديا وهي بتبكي وتصرخ من شدة الطلق المبكر.
أمي كانت واقفة مكانها، والجمود على وشها ما اتهزش، بل بالعكس، الابتسامة الباردة رجعت على شفايفها وهي بتبص لسلمى بقلة رحمة، والستات اللي معاه بدأوا يتراجعوا لورا بخوف لما شافوا المنظر.
“شفت؟” أمي قالتها بنبرة تشفي وقسوة، “ربنا بياخد حق القسوة والقطيعة من بطنها! دي عقوبة اللي تقف بين الراجل وأمه!”
ما رديتش عليها ولا بديت لها أي اهتمام. زقيت إسلام اللي كان واقف مصدوم على الباب، وشيلت سلمى ونزلت بيها على السلم طيران، وجريت بيها على العربية. فتحت الباب وريحتها في الكنبة الوراانية، وطلعت أقصى سرعة على مستشفى النساء والتوليد اللي المتابعين معاها.
طول الطريق، تليفوني ما بطلش يرن، وسلمى كانت ماسكة في إيدي وبتبكي بنحيب: “طارق.. ابننا يا طارق.. متخلهمش ياخدوه مني.. متخلهمش يموتوه!”
“محدش يقدر يلمس شعرة منك ولا منه،” قلتها بصوت مخنوق بالدموع وأنا بأقصى سرعة بكسر الإشارات، “أنا جنبك، ومش هسيبك طول ما فيّا نفس.”
أول ما وصلنا المستشفى، الطاقم الطبي كان مستنينا بناءً على اتصالي بالدكتورة في الطريق. دخلوا بسلمى فوراً على غرفة العمليات الطارئة، والدكتورة طلعت لي وشها مشدود وجاد جداً:
“الوضع حرج يا طارق. في انفصال جزئي في المشيمة بسبب الصدمة والضغط العصبي المفاجئ. لازم نعمل قيصرية فوراً عشان ننقذ حياة الجنين وحياة الأم.. ادعي لها.”
الممرات كانت فاضية وهادية بشكل يرعب. قعدت على الأرض برة غرفة العمليات، حاطط وشي بين إيديا، ودموعي بتنزل لأول مرة بضعف حقيقي. كل سنين العذاب، التحمل، وسرقة الفلوس كانت تهون.. إلا لحظة زي دي.
بعد ساعة ونصف كانت أطول من العمر كله، خرجت الدكتورة وابتسامة تعب على وشها:
“الحمد لله يا طارق.. سلمى بخير، وربنا سلم. الولد اتولد ونبضه مستقر، بس عشان اتولد في بداية الشهر التامن، وزنه صغير شوية ومحتاج يفضل في الحضّانة تحت الملاحظة أسبوعين أو تلاتة لحد ما الرئة تكتمل تماماً.”
أول ما سمعت الكلمات دي، سجدت على الأرض في الممر وأنا بأبكي بشدة وبشكر ربنا.
بعد ساعتين، ونقل سلمى لغرفة العناية المتوسطة، دخلت عندها. كانت صحيت من البنج، وعينها بتدور عليا أول ما فتحت. قربت منها وبست رأسها وإيدها: “مبروك يا أم حمزة.. حمزة جه بالسلامة وهو بخير في الحضّانة.”
سلمى ابتسمت بضعف والدموع نازلة من عينها: “حمزة؟ سميته حمزة؟”
“أيوه.. عشان يطلع بطل وقوي زيك.”




