
وفي النص، الباب اتفتح بهدوء. دخل الأستاذ هشام المحامي ومعاه ملف أسود كبير ورجلين بزي رسمي من الشرطة.
“ألف مبروك يا طارق بيه، والحمد لله على سلامة الحرمة والمولود،” هشام قال بثبات، “أنا جيت فوراً أول ما جالي بلاغ عن اللي حصل في الشقة.”
“إيه الأوراق دي يا أستاذ هشام؟” سألته وأنا قايم أقف.
فتح الملف وطلع منه أوراق مختومة بالنسر:
“الدعاوى القضائية الكيدية اللي أمك رفعتها النهاردة الصبح الخاصة بالحجر وبطلان التنازل اترفضت شكلاً وموضوعاً من القاضي، لأن العقود والتنازلات كانت موثقة بالصوت والصورة وبوجود كبير العيلة عمك حسين. لكن الأهم من ده.. المحضر اللي حررناه النهاردة بخصوص الاقتحام، والترهيب النفسي، والتسبب المباشر في الإجهاض المبكر وتعريض حياة أم وجنينها للخطر، أخد مجراه القانوني فوراً.”
بصيت للملازم اللي واقف: “يعني إيه؟”
الملازم اتكلم بنبرة رسمية: “النيابة أصدرت أمر ضبط وإحضار لوالدتك ولأخوك إسلام بناءً على شهادة المأذون والشهود اللي كانوا معاهم، والتقرير الطبي المفصل اللي صدر من المستشفى هنا حالاً.”
هشام كمل كلامه وبص لي في عيني: “طارق.. القرار قرارك دلوقتي. لو أمضيت على الطلب ده، الشرطة هتحرك قوة حالاً وتقبض على أمك وإسلام من الشقة، والتهم الموجهة ليهم هتوصلهم للسجن لمدة مش تقل عن 3 لـ 5 سنين. ولو رفضت.. المحضر هيتحفظ.”
بصيت لسلمى اللي كانت نايمة على السرير وبتبص لي بتفهم وسكوت، وبعدين بصيت على الممر اللي فيه الحضّانة اللي نايم فيها ابني حمزة بأجهزة الأكسجين..
مسكت القلم في إيدي، وواجهت أصعب قرار في حياتي.
مسكت القلم، وإيدي كانت بترتعش ثواني معدودة. افتكرت كل حاجة: منظر سلمى وهي راكعة على البلاط والمية الملوثة نازلة على جلبابها، رجل أمي المرفوعة بقسوة على كتفها، نظرة التشفي في عين إسلام وهو بيصور، وصوت صراخ سلمى في الصالة وهي بتفقد وعيها والمية بتسيل من حواليها.
افتكرت كمان حمزة، ابننا اللي محبوس جوة الحضّانة بين الأجهزة والأنابيب بيحارب عشان يتنفس، كل ده بسبب جشعهم وغلهم اللي ما لوش حدود.
بصيت للأستاذ هشام وللملازم اللي واقف مستني، وبصوت هادي وثابت نطقته كلمة واحدة:
“اكتبوا اسمي.. وهاتوا الحق للقانون.”
وقّعت على الطلب بقلب صلب ما بقاش فيه أي مكان للضعف أو للتعاطف المزيّف.
الملازم أخد الورق وهز راسه باحترام: “ساعة واحدة والقبض هيتم يا طارق بيه.”
في نفس الليلة، وعلى الساعة واحدة بعد نص الليل، القوة أتحركت على بيت العيلة. أمي وإسلام كانوا قاعدين مع قرايبنا بيحتفلوا وفاكرين إنهم كسروني وشربوني الصدمة، وما كانوش يتوقعوا إن البلاغ اتحول لأمر ضبط وإحضار فور أخذ التقرير الطبي من المستشفى.
الباب اتخبط بقوة، ولما فتح إسلام، أتقبض عليه في ساعتها. أمي خرجت تصرخ وتزعق بعنجهيتها المعتادة، فاكرة إن اسمها وهيبتها هيحموا من القانون، بس الظابط بلا تردد وجه لها التهمة وركبوهم هما الاتنين البوكس قدام أهل المنطقة كلهم.
الخبر انتشر زي النار في الهشيم. عمي حسين لما عرف، اتصل بيّ وهو بينحب وبيعتذر: “سامحني يا طارق.. أنا حاولت أوقفهم، بس إبليس كان مالك عقولهم. اللي عملوه في مراتك وابنك خط أحمر، والقانون هو اللي يربيهم.”
مرت الأيام، وأنا وقفت بكل ثبات في التحقيقات. المستشفى قدمت التقرير الطبي الكامل اللي بيثبت إن الولادة المبكرة والانفصال الجزئي في المشيمة كان نتيجة مباشرة للاقتحام والضغط العصبي الشديد. الشهود والمأذون شهدوا بالحقيقة، وبناءً على الفيديو القديم وكشوفات الحسابات البنكية، النيابة أحالت القضية للمحاكمة العاجلة.
بعد شهرين من المداولات والجلسات، صدر الحكم النهائي:
السجن المشدد 3 سنين لإسلام بتهم الاختلاس والتزوير والاعتداء، والسجن سنة مع الشغل لأمي بتهمة التسبب في الشروع في إجهاض وإلحاق الأذى البدني والنفسي، مع إلزامهم برد كامل المبالغ المستولى عليها.
يوم النطق بالحكم، كنت واقف في القاعة. أمي بصت لي من ورا القضبان، وعينها المرة دي ما كانش فيها قسوة ولا كبرياء.. كان فيها انكسار وندم متأخر. بس النظرة دي ما حركتش فيّ شعرية، لأن اللي يفرط في ضناه ويظلم نفوس بريئة، يستاهل يدوق طعم العدالة.
خرجنا من القاعة، والشمس كانت طالعة ودافية. رحنا على بيتنا الجديد.. بيت هادي بعيد عن كل السموم والشرور.
سلمى كانت قاعدة في الصالة، شايلة حمزة بين إيديها وهو بيبتسم ورجليه الصغيرة المكلبشة بتتحرك بحيوية بعد ما خرج من الحضّانة بصحة ممتازة.
قعدت جنهم، مسكت إيد سلمى وبست راسها، وبعدين شيلت حمزة وحطيته على صدري. بصيت لسلمى وقلت لها:
“من النهاردة.. البيت ده مش بيت فلوس ولا بيت قسوة. ده بيت حقيقي، إنتِ وأنا وحمزة.. وعيلتنا اللي بنيناها بالحق والعدل.”
سلمى ابتسمت والدموع في عينها، بس المرة دي كانت دموع راحة وأمان. قفلنا صفحة الماضي الأليم للأبد، وابتدت حياتنا الحقيقية من جديد.




