Uncategorized

حكايات اسما 2

أرض مطار شارل ديغول بباريس كانت منورة بأنوار الصباح الباكر، والهواء كان لسعته لطيفة ومنعشة. خرجت من بوابة كبار الزوار، ولقيت عربية مرسيدس سوداء فخمة فضل السائق يفتح بابها بلهفة واهتمام، بينما مهاب كان واقف جنبي بيبتسم ويقول: “أهلاً بكي في باريس يا باشمهندسة.. من اللحظة دي، هتبدأ الصفحة الأهم في تاريخ الشركة.”

ركبت العربية وتحركنا فورًا باتجاه فندق “جورج سانك” العريق، وهو المكان اللي اللجنة المنظمة للمعرض حجزت لي فيه الجناح الملكي الخاص بالضيوف الشرفيين وكبار المصممين الدوليين. طول الطريق، كنت باصة من شباك العربية على شوارع باريس الواسعة، وذكريات الخمس سنين اللي فاتوا بتعدي قدام عيني كأنها شريط سينما.

خمس سنين من السهر، والشغل المستمر، والتطوير، والدموع اللي محدش شافها، والخوف من الفشل اللي كان بيتحول كل يوم لطاقة دفع رهيبة. طليقي كان بيبصلي زمان باستخفاف ويقولي إن طموحي ده مجرد “أوهام بنات”، وإن مكاني الحقيقي المطبخ والبيت. لكن القعدة على كرسي الطيارة من شوية، ونظرة الانكسار اللي في عيونه وهو شايفني محاطة بالاهتمام والتقدير، كانت إثبات عملي إن اللي بيبني نفسه بنفسه، محدش أبداً يقدر يهده.

وصلنا الفندق، وكان في استقبالنا مدير المعرض بنفسه، وهو راجل فرنسي عجوز ومعروف بذوقه الصعب في اختيار المصممين. أول ما شافني، جه عندي بابتسامة واسعة ومد إيده وصافحني بحرارة وقال بالإنجليزية: “أخيرًا بنلتقي بالمصممة اللي قلبت موازين المعرض السنة دي! التصاميم بتاعتك يا مدام نقلت التراث الشرق أوسطي لمنظور عصري مذهل.”

شكرته بابتسامة واثقة، وطلعت على الجناح الخاص بيا. الجناح كان بيطل على برج إيفل مباشرة، والديكورات كانت تحفة فنية. رن تليفون الغرفة، وكان مهاب بيكلمني عشان يفكرني باجتماع الطاولة المستديرة مع كبار مستثمري الموضة الفرنسية اللي هيكون بكرة الصبح بدري، عشان نستعرض تفاصيل جناح الشرق الأوسط.

قفلت التليفون، وفتحت لابتوبي عشان أراجع الرسائل والبريد الإلكتروني. ووسط مئات الرسائل المباركة على النجاح، لقيت رسالة من بريد إلكتروني مجهول.. بس أول ما قريت أول سطر فيها، عرفت مين صاحبه فورًا.

الرسالة كانت من طليقي!

فتحها، ولقيت فيها كلام مكنتش أبدًا أتخيل إن ممكن يطلع منه في يوم من الأيام:

> “أنا عارف إن كلامي زمان كان قاسي، وإن طريقتي معاكي كانت جحيم.. بس أرجوكِ، لو لسه في أي ذكريات حلوة جمعتنا، حاولي تنسي اللي حصل على الطيارة. أنا في ورطة كبيرة هنا في باريس، الشغل اللي جيت عشانه طلع شركة وهمية، وفلوسي كلها ضاعت، ورجوع مصر من غير ما أعمل أي صفقة معناه إن حياتي المهنية انتهت تمامًا.. أنا محتاج مساعدتك، كلمة منك لمهاب أو لأي حد من كبار رجال الأعمال هنا ممكن تنقذني، أرجوكِ ردي عليا.”

>

قعدت على الكرسي قدام الشباك، وبصيت لبرج إيفل اللي كان بيبدأ ينور أنواره الذهبية مع غروب شمس باريس. حسيت بغصة خفيفة في قلبي.. مش حزن عليه، ولا حتى شماتة بالمعنى القاسي، لكن استغراب عجيب من كيفية دوران الدوائر في الدنيا. الإنسان لما بيكبر على الناس ويفتكر إن قوته دايمًا هتخليه متحكم في مصاير غير2، بينسى إن دوام الحال من المحال.

قفلت اللابتوب بهدوء تام، ومن غير ما أفكر ثانية واحدة، عملت حظر للبريد الإلكتروني بتاعي قدامه، وقمت وقفت قدام المراية، بصيت لنفسي في البلازر الأبيض الأنيق اللي كنت لابسته، وابتسمت لنفسي بهدوء.

في اللحظة دي، الباب خبط، ومهاب دخل وبإيده كاس عصير فريش وقالي بضحكة: “جاهزة للعشاء؟ المعرض بكرة هيكون محطة تاريخية ليكي، وكل الصحافة العالمية مستنية تظهرك.”

لفيت وشي ليه، وابتسمت بثقة وقرار قاطع: “طبعًا جاهزة يا مهاب.. ويلا بينا، لأن اللي جاي كله نجاح، ومافيش في حياتنا مكان تاني للناس اللي بتعطلنا.”

صباح اليوم التالي، كان الهواء في باريس محمل بريحة الخريف والندى، والشوارع حوالين قصر المعارض الدولي كانت زحمة ومولعة بالحركة. مئات الصحفيين، ومصورين القنوات الفضائية العالمية، وكبار مستثمري عالم الموضة والتصميم كانوا واقفين على أطراف أصابعهم في انتظار فتح بوابات الجناح الرئيسي.

أنا كنت واقفة قدام المراية في غرفة التحضير الخاصة بكبار الزوار، لابسة بدلة رسمية سوداء بتصميم عصري راقي، ومعاها إكسسوارات بسيطة لكنها صارخة بالفخامة والأناقة. مهاب دخل عليا الغرفة، وعينيه لمعت بابتسامة فخر وهو بيقول: “جاهزة يا باشمهندسة؟ القاعة برّه مليانة عن آخرها، وكل وكالات الأنباء العالمية مستنية طلتك عشان تسجل أول لقاء مع الكيان اللي كسر قواعد التصميم التقليدي.”

ابتسمت بهدوء، وأخذت نفس عميق يملؤه الثقة، وقلت: “يلا بينا يا مهاب.. وقت العمل الحقيقي جه.”

خرجنا من الممر الخلفي، وأول ما ظهرت على منصة العرض الكبرى، انفجرت القاعة كلها بالتصفيق الحاد. الأضواء كانت متسلطة عليا من كل الاتجاهات، والكاميرات بتصور كل خطوة بث مباشر لكل دول العالم. بدأت أقدم رؤيتي الفنية لتصميم جناح الشرق الأوسط، وإزاي قدرنا نمزج الأصالة العربية بالتكنولوجيا الحديثة والاستدامة البيئية. كلامي كان واثق، مدروس، ونابع من سنين طويلة من التعب والإصرار اللي ما انكسرش لحظة.

خلصت كلمتي وسط عاصفة من التصفيق، وبدأت الجلسة المفتوحة لتوقيع العقود الكبرى مع الشركات العالمية ومستثمري الموضة في أوروبا وأمريكا. في اللحظة دي، كنت حاسة إن كل دمعة نزلت، وكل كلمة إحباط سمعتها زمان، كانت مجرد وقود بيوصلني للمكان ده.

لكن بعيد عن أضواء القاعة الكبرى، وخارج بوابات المعرض الفخمة، كان في عالم تاني خالص بيعيشه طليقي.

بعد ما عملت له بلوك على كل وسائل التواصل، وسديت قدامه أي باب كان ممكن يوصله ليا، ضاعت عليه آخر فرصة لإنقاذ نفسه من الوهم اللي عاش فيه. الشغل الوهمي اللي جيه عشانه لباريس اتقبض على صاحبه بتهمة النصب الدولي، وفلوسه كلها راحت في ثواني، ومبقاش معاه حتى حق تذكرة الرجوع لمصر بطريقة كريمة.

من غير ما يعرف حد، وقف برّه سور قصر المعارض، بيبص من بعيد على الشاشات العملاقة اللي ناقلة الحدث، وشاف اسمي محفور ببريق الذهب على واجهة الجناح الرئيسي كـ “المالك والمصمم التنفيذي للحدث”. شافني وأنا واقفة بكامل هيبتي ونجاحي، والناس بتنحني بتقدير عشان تاخد توقيعي.

في اللحظة دي، أدرك أخيرًا، وبطريقة قاسية وموجعة، حجم الخسارة الحقيقية. فهم إن الغرور مش بيصنع بني آدم، وإن الست اللي كان بيستهتر بأحلامها وبيقلل منها زمان، بقت جبل عالي ما يقدرش حتى يطول قمته بنظرة.

خلصت يوم العمل الطويل والشاق، وخرجت من باب كبار الزوار، ركبت العربية الفخمة اللي كانت في انتظاري، وطلعت الشباك شوية وأنا باصة لشارل ديغول وأنوار باريس الساحرة بالليل، وحسيت براحة غريبة ملاياني.

مهاب بص لي وقال بابتسامة رضا: “تفتكري الصفحة دي اتقفلت خلاص ولا لسه؟”

بصيت قدامي بكل ثقة وقلت: “الصفحة دي عمرها ما كانت تقفل أصلاً.. دي مجرد بداية الكتاب.”

رجعنا القاهرة على متن نفس الخطوط الجوية، بس المرة دي الرحلة كانت مختلفة تمامًا في إحساسها. الجناح الخاص في مقدمة الطيارة كان بيضموني أنا ومهاب، وكابتن الطاقم جه بنفسه في نص الرحلة عشان يجدد الترحيب ويقولي إن شركتنا بقت الراعي الرسمي لأكبر مؤتمر استثماري إقليمي هيتعمل في شرم الشيخ الشهر الجاري.

كنت قاعدة باصة من الشباك، والغيوم البيضاء تحتنا عاملة زي بحر هادي، وكنت بسترجع في عقدي كل المحطات اللي قطعتها. خمس سنين فاتوا كأنهم شريط سينما سريع، من أول لحظة الصدمة اللي حسيت بيها يوم الطلاق، وإحساس العجز المؤقت اللي حاول يفرض نفسه عليا، لحد اللحظة اللي بقيت فيها مالكة لاسم بيتردد في أكبر محافل التصميم العالمية.

في الوقت ده، مهاب قفل ملف الأوراق اللي كان بيبصه، وقال بصوت عملي هادئ: “بالنسبة لخطط التوسع في الخليج وأوروبا، وصلتنا عروض شراكة من ثلاث مجموعات استثمارية كبرى في دبي ولندن.. وبصفتك الشريك المؤسس والمدير التنفيذي، الكلمة الأولى والأخيرة ليكي في اختيار الشريك القادم.”

ابتسمت بهدوء، وقلت: “خلينا ندرس العرض البريطاني بعناية، لأنهم الأقرب لرؤيتنا في التصميم المستدام، وبكرة الصبح في الاجتماع الأول بالشركة هنحط الخطوط العريضة للتنفيذ.”

أول ما الطيارة حطت عجلات في مطار القاهرة الدولي، وفتحت الأبواب، خرجت بخطوات ثابتة وواثقة، وكان في استقبالنا فريق علاقات عامة ومصورين من كبرى المجلات الاقتصادية المصرية اللي كانت متابعة نجاحي في معرض باريس لحظة بلحظة. الركاب كانوا بينزلوا، ولمحت من بعيد طليقي وهو خارج من باب الدرجة الاقتصادية.

كان شكله متبهدل، ملامحه مهزومة، وماسك شنطته الصغيرة بإيد بتترعش، كأن السفرية دي محت كل ما تبقى من غروره وتعاليه. بص ناحيتي لسجادة كبار الزوار، وشاف الترحيب والاستقبال اللي كان بينافس استقبال كبار الشخصيات الرسمية. وقف مكانه ثواني كأنه مش مصدق إن ده حقيقي، وبعدين نزل راسه في الأرض وكمل طريقه في سكات تام، هاربًا من نظرات الواقع اللي كان أقسى بكتير من أي خيال.

ركبت العربية المرسيدس اللي نقلتني لمقر الشركة الجديد في التجمع الخامس؛ مبنى إداري فخم من الزجاج والجرانيت، واسمه محفور بحروف من ذهب على الواجهة الرئيسية. أول ما دخلت من البوابة، الموظفين استقبلوني باحترام وتقدير حقيقي، مش خوف ولا نفاق، لكن حب وامتنان لكيان قدر يكبر ويثبت نفسه وسط أصعب الظروف.

دخلت مكتبي الواسع اللي بيبص على مساحات خضراء واسعة، وقعدت على كرسي الإدارة، وفتحت أول درج وطلعت منه الدفتر القديم اللي كنت بكتب فيه أفكاري ورسوماتي الأولى، الأيام اللي كان بيتقال فيها إن أحلامي أكبر مني. فتحت الصفحة الأولى، وكتبت بخط واضح: “النجاح الحقيقي مش إنك تثبت للناس إنت مين، النجاح الحقيقي هو إنت بتبقى إيه لما كل الظروف بتجتمع ضدك.”

في اللحظة دي، باب المكتب خبط، ودخلت سكرتيرتي الخاصة وبإيدها جدول المواعيد وقالت: “يا فندم، في وفد من المستثمرين الأجانب مستنيكِ في قاعة الاجتماعات، ومعاهم العقود الجديدة.”

قمت وقفت، وعدلت ياقة البلازر الأنيق بتاعي، وابتسمت وأنا بقول: “خلينا ندخل.. القصة لسه في أول فصل حقيقي ليها.”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى