قصص وروايات

حكايات مشيره محمد 2

بينما كانت مواكب الجهاز الأمني الأعلى تشق طريقها عائدة نحو المقر السيادي الحصين في هدوء الفجر الثقيل، كانت الجهة الأمنية في حالة طوارئ غير مسبوقة تشبه الزلزال. الهزات الأرضية الإدارية والأمنية بدأت تضرب مكاتب القيادات العليا في التجمع الخامس ومقر العباسية في نفس اللحظة التي تلقى فيها مسؤول الجهة الأمنية اتصالاً مشفراً ومباشراً من المكتب الأعلى.

في مكتب مسؤول الجهة الأمنية، كان القائد “محمود الشافعي” واقفا أمام مكتبه الخشبي الفاخر، وجهه مصفر وعروق رقبته بارزة من شدة الصدمة والذهول. كان يستمع إلى نبرة صوت حادة كالنصل من الطرف الآخر من الخط الساخن، صوت لا يحتمل النقاش ولا الأعذار.

“يا فندم.. يا فندم أنا لسه متلقيش التقرير الكامل.. ده تصرف فردي أهوج من ضابط متهور في نقطة مرورية متطرفة، و…” حاول المسؤول تبرير الموقف بصوت متقطع.

قاطعته النبرة العليا بحزم قاطع: “تصرف فردي إيه يا سيادة المسؤول؟! رئيسة الجهاز الأمني الأعلى تُقيّد وتُحتجز في غرفة انتظار زي المخالفين، وموبايلاتها تتصادر ووثائقها تتحط في حرز؟ ده مش تسرع، ده انهيار كامل في منظومة السيطرة والتقدير الأمني في قطاعك! قدامك ساعتين بالظبط، عايز تقرير مكتمل، وعايز الضابط ده ومعاه كل اللي شاركوا في المهزلة دي قدام الجهة القضائية المختصة.. مفيش تحقيق داخلي، مفيش تستر، والموضوع كله هيتصفى قبل ما الشمس تطلع.”

انقطع الاتصال بصوت “طوط طوط” جاف، ووقع السماعة على القاعدة ببطء شديد. المسؤول التفت بغضب أعمى نحو مساعده القائد “مجدي الصفتي”، مسؤول التحقيقات، اللي كان واقف زي المسمار في ركن المكتب ومرعوب من هول الكارثة.

“مجدي!” صرخ المسؤول بصوت رعدي: “سامع؟! المكتب الأعلى بنفسه كلمني! طارق البهيم ده.. مين اللي ورّاه؟ مين اللي خلاه يتجرأ يعمل كده؟! هاتوا لي ملفه كله حالا، وهاتوا لي مدير أمن الجيزة ومدير الإدارة العامة للمرور، وصحوا الجهة القضائية المختصة من النوم، الليلة دي رؤوس كتيرة هتقع وتتدحرج على الأسفلت!”

في نفس التوقيت، داخل مركز احتجاز أمني، كان الضابط “طارق بركات” محبوساً في غرفة انتظار فردية مضاءة بنور أصفر باهت. التكبر والغطرسة اللذان كانا يملأان عينيه قبل ساعة واحدة فقط، تحولا تماماً إلى ذعر حقيقي وارتعاش مستمر.

باب الغرفة الحديدي الثقيل اتفتح بعنف، ودخل تلاتة من أفراد الجهة الأمنية المختصة بملامح حجرية، ومعاهم قيود غليظة. من غير ما ينطقوا بكلمة واحدة، شدوه من قميصه ورموه على الأرض، وربطوا إيديه ورجليه بقيود حديدية صلبة.

“في إيه يا رجالة؟!” صاح طارق بصوت مبحوح ومرجوف، وحاول يرفع راسه: “أنا ضابط.. أنا الضابط طارق بركات.. مسؤول دورية المحور.. انتم بتعملوا معايا كده ليه؟ كلموا مدير الأمن.. كلموا القائد مجدي.. هما عارفين أنا عملت إيه!”

واحد من أفراد الجهة الأمنية بص له نظرة كلها احتقار وقال بصوت هادئ ومخيف: “مدير الأمن بنفسه مضى على قرار تسليمك للجهة المختصة. أنت مبقتش ضابط أصلاً يا طارق.. أنت دلوقتي متهم رئيسي في واقعة إدارية كبرى بتهمة الاعتداء على قيادة سيادية وتعطيل الأمن العام للبلاد. يلا قدامي، الجلسة المستعجلة هتبدأ بعد الفجر بساعة.”

سحبوه على الأرض وهو بيصرخ وبيهلوس بكلمات مش مفهومة، وركبوه في عربية نقل أمنية مؤمنة محاطة بمركبات أمنية، وتحركت في اتجاه مجهول وسط حراسة مشددة كأنها ناقلة لحالة خطيرة للغاية.

على الجانب الآخر، داخل المقر الرئيسي للجهاز الأمني الأعلى، كانت الساعة تشير إلى الخامسة فجراً. حجرة الاجتماعات الكبرى كانت مضاءة بالكامل، وحول الطاولة الدائرية الضخمة كان يجلس كبار قادة الجهاز، وعلى رأسهم القائد شريف المنياوي، وبجوارهم الدكتورة نادية الجبالي اللي غيرت لبسها وارتدت بدلة رسمية داكنة، وعلى وجهها مسحة من الجدية المطلقة التي لا تترك مكاناً لأي تهاون.

دخل المساعد هشام، وحط ملف سميك جلدي على الطاولة قدام شريف ونادية، وقال بصوت عملي ومنضبط:

“يا فندم، التقرير الأولي لواقعة الليلة خلص. بالفحص الشامل لاتصالات طارق بركات وسجلات التحويلات المالية الخاصة به في آخر ستة شهور، اكتشفنا حاجات مرعبة مكنتش في الحسبان.”

نادية رفعت حواجبها ببطء وقالت بصوت هادئ وحازم: “تفتكر الموضوع مجرد غباء وظابط فاشل بيفرّغ عقده في الشارع، ولا وراه شبكة أعمق؟”

هشام فتح الملف وطلع منه أوراق مرسوم عليها شاشات ومستندات: “يا فندم، طارق بركات مكانش صدفة في المحور في الليلة دي بالتحديد. التليفون بتاعه سجل مكالمات متكررة قبل الحادث بساعة مع شخصية تدير شركة مقاولات وتصدير وهمية، مسجلة بأسماء مستعارة، بس بعد التتبع تبين إنها ممولة من جهات خارجية غير مشروعة كانت بتراقب تحركات الموكب الرسمي بتاعك لجمع معلومات عن خط سيرك الأمني الجديد.”

الغرفة سادتها حالة من الصمت القاطع. شريف المنياوي ضيق عينيه بحدة، وضرب بأصبعه على الطاولة وقال: “يعني العملية مكنتش صدفة.. دي كانت محاولة لاختبار سرعة الاستجابة الأمنية لخط سير رئيسة الجهاز، أو ربما محاولة لاستهداف معنوي أو احتجاز مدبر تحت غطاء قانوني وهمي!”

نادية سحبت الملف قدامها، وابتسمت ابتسامة خفيفة وخالية من أي مشاعر إنسانية، وقالت بصوت بطيء يحمل وعيداً ثقيلاً:

“الغباء البشري لما بيجتمع مع الخيانة بيبقى أمراً مدمراً.. بس اللي خططوا للعبة دي مفكروش كويس في رد الفعل. طارق مفكر نفسه ملك القسم، والناس اللي وراه مفكرين إن اللعبة انتهت.. هما لسه ميعرفوش إننا النهضة دي هندفنهم أحياء.”

رفعت نادية رأسها وبصت لشريف المنياوي وقالت بأمر مباشر:

“شريف.. صفي الحكاية دي لحد آخر خيط فيها. عاوز كل واحد تورط في المؤامرة دي.. سواء من جوه الجهة الأمنية أو من براتها.. يكون قدام الجهة القضائية المختصة الصبح.. ومش عاوز أي ثغرة قانونية تخليهم يهربوا.. فاهم؟”

شريف وقف باحترام كامل وأدى التحية بصرامة:

“علم تنفيذ يا فندم.. المحور من اللحظة دي ولحد أسبوع قدام هيبقى تحت الإدارة المباشرة لجهاز العمليات الخاصة.. ومفيش فأر هيقدر يهرب من الشبكة اللي فرناها.”

مع إشراقة شمس يوم جديد، كانت خيوط الفجر الذهبية تنعكس على أبراج القاهرة، لكن الجو العام كان مشحوناً بغيوم ثقيلة. في الجهة القضائية المختصة، بدأت أطول وأسرع جلسة في تاريخ المؤسسة الأمنية. طارق بركات، الذي كان يدخل القسم كأنه إمبراطور لا يُقهر، دخل القاعة المنيعة مقيداً بالقيود، وعيناه مسمرتان في الأرض من رعب الموقف، وحوله حراسة مشددة تمنع الهواء من دخوله.

القاضي رفع المطرقة بضربة واحدة دوت في القاعة كلها، وبدأ تلاوة قرار الإحالة والمادة القانونية التي تدين إساءة استخدام السلطة والإضرار بأمن الدولة العام.

وفي نفس اللحظة، كانت نادية الجبالي تقف في مكتبها بالجهاز الأمني الأعلى، تنظر من النافذة الزجاجية الضخمة التي تطل على العاصمة المتسعة، وبصوت خافت لنفسها قالت:

“اللي يفكر يلعب مع الدولة.. ينسى هو مين.”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى