قصص وروايات

حكايات مشيره محمد 2

جلسة الجهة القضائية العليا كانت أشبه بساحة حساب قانونية وإدارية. قاعة الجلسة مغلقة تماماً، لا يحضرها سوى القضاة وهيئة الادعاء، بينما يقف الضابط السابق “طارق بركات” في قفص الاتهام، مرتدياً ملابس الاحتجاز البيضاء، وقد تبخرت كل ملامح الغطرسة والتعالي من على وجهه تماماً. صوته كان مرجوفاً وهو يحاول مقاطعة القاضي:

“يا فندم.. أنا كنت بؤدي واجبي.. العربية مكنتش عليها لوحات سيادية واضحة في الظلمة، والكارنيه حسسته مزور بناءً على خبرتي…!”

قاطع رئيس الجهة القضائية بصوت صارم كوقع الصواعق: “اصمت! خبرتك المزعومة انتهت لحظة تجرأك على تعطيل خط سير استراتيجي يخص رئيس جهاز سيادي، وتعمُّد تجاهل غرف العمليات المركزية. الواقعة هنا لا تتوقف عند حدود سوء التقدير الإداري، بل تجاوزته إلى التواصل غير المشروع، وتخريب منظومة التأمين الأمني العام في توقيت شديد الحساسية.”

وقبل أن يبتلع طارق ريقه المهزوز، قدم ممثل الجهة القضائية ملفاً رقمياً ومستندات دامغة تثبت اتصالات طارق المتكررة بتلك الشبكة الوهمية الممولة من الخارج والتي كانت تتجسد في خلفية المشهد، لتتسع دائرة الاتهام ولا تقتصر عليه وحده، بل امتدت لتشمل كل من سهل له أو تواطأ معه من خلف الكواليس داخل المنظومة الأمنية لتغطية أخطائه.

وفي نفس اللحظة، داخل مقر الجهاز الأمني الأعلى، كانت الأجواء تحكمها دقة الجراحين. القائد شريف المنياوي دخل مكتب الدكتورة نادية الجبالي، ووضع على مكتبها تقريراً نهائياً ومختوماً بالاحمر القاني.

“يا فندم، محكمة الافتراضات خلصت، والحكم النهائي هيصدر خلال ساعات قليلة,” قال شريف بصرامة وهو يقف مستقيماً. “مش بس طارق اللي هيتحاسب بالأشغال الشاقة، دي الشبكة اللي كانت وراه في الخارج والداخل تم تحديد هوية كل أفرادها، وتم تجميد حساباتهم بالكامل بالتعاون مع البنك المركزي ووحدات مكافحة غسيل الأموال.”

نادية الجبالي رفعت عينيها من على الأوراق، وبدت ملامح وجهها هادئة تماماً، كأن شيئاً لم يكن. أغلقت الملف ببطء وقالت بصوت منخفض وحازم:

“الدرس ده لازم يكون عبرة لكل من تختلط عليه الأمور بين الغرور الشخصي وهيبة الدولة. أمن الوطن مش محطة اختبار، واللي يستهتر بيه، المفروض يتحمل التمن لآخر لحظة.”

شريف أدى التحية بتقدير بالغ واستدار ليغادر الغرفة لتنفيذ توجيهات اللحظات الأخيرة قبل إعلان البيان الختامي الذي سيغير خارطة التعامل الأمني في كل قطاعات الجهة، بينما ظلت نادية تتأمل أفق العاصمة من خلف الزجاج المضاد للرصاص، مستعدة للجزء الأخير من الحكاية التي ستطوي صفحة هذا العبث إلى الأبد.

الشمس كانت قد بدأت ترتفع ببطء فوق سماء القاهرة، ناشرة خيوطها الذهبية فوق مباني العاصمة التي عادت إلى هدوئها الطبيعي بعد ليلة طويلة من الاستنفار الأمني غير المسبوق.

داخل قاعة الجهة القضائية العليا، عم صمت مطبق كالقبور. وقف القضاة باحترام وهيبة، ورفع رئيس الجهة القضائية الحكم النهائي بصوت جهوري لا ترتجف له يد:

“بناءً على التهم المنسوبة إلى المتهم الأول طارق بركات وباقي المتورطين في تفتيت منظومة الأمن العام، وإساءة استخدام السلطة، والتواطؤ مع جهات غير مشروعة.. حكمت الجهة القضائية حضورياً بسجن المتهم الرئيسي طارق بركات بالسجن المشدد لمدة خمسة عشر عاماً، مع الفصل النهائي من الخدمة، وتجريده من كل رتبه ونياشينه، وتغريمه التضامني مع باقي الشبكة لصالح خزينة الدولة.. وانتهت الجلسة.”

وقع الحكم على أذني طارق كصاعقة مدوية. حاول أن يصرخ أو ينطق بكلمة استغاثة، لكن أحداً لم ينظر في وجهه. هجم عليه الحراس، وأحاطوا به، وجروه خارج القاعة ووجهه ممرغ في الوحل، بينما سقطت أحلامه وغروره في أعمق قاع النسيان.

في نفس اللحظة، كان موكب الدكتورة نادية الجبالي يتحرك بثبات على نفس المحور الذي شهد الواقعة قبل ساعات قليلة. السيارات السوداء كانت تسير بانسجام تام، وكأن الطريق بأكمله ينحني احتراماً وهيبة لمرورها.

داخل السيارة، كانت نادية تجلس بجوار النافذة، تتأمل الطريق بهدوء وسكينة تامة. رفعت هاتفها المؤمّن، وفتحت رسالة التقرير النهائي التي تؤكد تنفيذ الأحكام وإغلاق الملف بالكامل. أغلقت الهاتف، وابتسمت ابتسامة خفيفة وواثقة.

على بُعد كيلومترات، في مقر الجهاز الأمني الأعلى، كانت شاشات غرفة العمليات الرئيسية تنبض باللون الأخضر الهادئ.. علامة على أن الدولة مؤمنة بالكامل، وأن هيبة القانون والمؤسسات السيادية خط أحمر لا يمكن لأحد مهما بلغ جبروته أن يتجاوزه.

رفعت نادية رأسها، وأشاحت ببصرها نحو الأفق، لتعلن بداية يوم جديد في دولة لا تفرط في أمنها، ولا تترك حقاً يضيع أبداً.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى